حكايه طارق وسلمي الجزء الثالث للكاتبه سهر محمد

“اكسر الباب يا حضرة الظابط! بنتي جوه ومخطوفة، والبلطجي ده رافض يسلمهالي! أنا قلبي بيتقطع على بنتي!”
​صوت شيرين كان بيشوي على نار هادية، بتمثل دور الأم المقهورة ببراعة قدام قوة البوليس اللي واقفة بره البوابة. دموع التماسيح كانت بتنزل من عينيها وهي بتبص للظابط باستعطاف.
​جوه الفيلا، طارق كان واقف قدام الباب، ملامحه أبرد من التلج، بس عروق إيده اللي بارزة كانت بتفضح النار اللي قايدة جواه. بص لسلمى اللي كانت واقعة على الأرض، ضامة “نور” في حضنها وبترتعش زي ورقة شجر، وقال بصوت واطي بس حاسم:
“خليكي هنا، وماتتحركيش مهما سمعتي. البنت دي مش هتخرج من باب الفيلا غير على جثتي.”
​فتح طارق الباب فجأة، ووقف بطوله وعرضه سادد المدخل.
​الظابط اتكلم بنبرة رسمية: “طارق بيه، احنا معانا إذن نيابة بتسليم الطفلة لأمها الشرعية بناءً على شهادة الميلاد اللي معاها. لو سمحت، سلم البنت بهدوء عشان مانضطرش نستخدم القوة.”
​شيرين ابتسمت بخبث من ورا الظابط، ورفعت حاجبها بتحدي لطارق.
​طارق حط إيديه الاتنين في جيوب بنطلونه، وابتسم ابتسامة سخرية خلت شيرين تكش مكانها، وقال بهدوء وثقة زلزلت المكان:
“تسلمها لمين يا فندم؟ لأمها الشرعية؟ أومال فين أبوها الشرعي؟”
​الظابط عقد حواجبه: “الطفلة متسجلة باسم حسن بيه أخوك الله يرحمه. وده يدي الأم الحق الكامل في الحضانة.”
​طارق طلع تليفونه من جيبه، وفتحه على ملف بي دي إف (PDF) مبعوتله من دكتور المعمل، ولف الشاشة للظابط وقال بنبرة قاطعة زي حد السيف:
“شهادة الميلاد اللي مع المدام مضروبة يا حضرة الظابط. التقرير ده لسه طالع من أكبر معمل تحاليل في البلد، ومختوم، وبيثبت بتقرير الـ DNA إن الطفلة دي مفيش بيني وبينها أي صلة قرابة جينية. يعني باختصار… الطفلة دي مش بنت أخويا حسن.”
​الصدمة نزلت على شيرين زي حتة تلج على قفاها. وشها جاب ألوان، والابتسامة اختفت تماماً.
​طارق كمل كلامه وصوته بيعلى عشان يفضحها قدام القوة كلها:
“المدام شيرين هانم، كانت بتخون أخويا الله يرحمه. حملت من عشيقها في الحرام، وعشان تداري فضيحتها، زورت شهادة الميلاد وكتبت البنت باسم أخويا. لو حضرتك سلمتها الطفلة دلوقتي، هتبقى بتشارك في جريمة تزوير نسب وتستر على جريمة شرف. أنا المحامي بتاعي في النيابة دلوقتي بيرفع ق*ضية إنكار نسب، والبنت هتفضل في حمايتي لحد ما الطب الشرعي يقول كلمته… وساعتها شيرين هانم هتشرف في السجن بتهمة التزوير، ده غير فضيحتها اللي هتبقى بجلاجل لما نعرف مين أبو البنت الحقيقي!”
​الظابط بص لشيرين اللي كانت بتترعش ومش قادرة تنطق كلمة واحدة تدافع بيها عن نفسها. الكدبة كبرت، واللعبة قلبت عليها.
الظابط قال بحسم: “الكلام ده لو صح يا مدام شيرين، انتي هتتحولي للتحقيق فوراً. القوة هترجع دلوقتي، ومفيش تسليم لحد ما النيابة تفصل في طعن التزوير.”
​شيرين لفت عشان تمشي قبل ما تتقبض عليها، بس وقفت وبصت لطارق بعيون بتطق شرار، وقالت بصوت فحيح: “هندمك يا طارق… هندمك وهحرق قلبك!”
طارق ماردش عليها، رزَع الباب في وشها، وقفل الترباس.
​لف طارق عشان يرجع الصالة، لقى سلمى واقفة وراه. كانت سامعة كل كلمة.
ماسكة “نور” في حضنها، والبنت بتعيط بصوت واطي. سلمى بتبصلها، بتبص لملامحها اللي عاشت معاها شهور، لطفلة بريئة مالهاش ذنب إن أمها شيطانة وجاية من خطيئة. مسحت على شعر نور بحنية ودموعها بتنزل، وقالت بصوت متقطع:
“مالكيش ذنب يا حبيبتي… مالكيش ذنب في القذارة دي كلها.”
​طارق قلبه وجعه من منظر سلمى. أمومتها غلبت أي كره أو قهر.
​سلمى رفعت عينيها لطارق، عيون وسعت فجأة كأن فكرة مرعبة ضربت في دماغها، وقالت وهي بتلهث:
“طارق… لو نور دي بنت شيرين من راجل تاني… وحسن كتبها باسمه… حسن استحالة يبدل بنته اللي من صلبه بحتة لحمة جاية من الحرام إلا لو كان مجبور! طارق… بنتي أنا فين؟ بنتي أنا وحسن مامتش يوم الولادة صح؟ بنتي عايشة يا طارق!”
​الكلمة نزلت على طارق زي الصاعقة. عقله بدأ يربط الخيوط ببعض. حسن كان دايماً خايف في أيامه الأخيرة، دايماً متوتر، وكان بيحول فلوس كتيرة لحساب غريب مجهول.
​”خزنة حسن!” طارق قالها بصوت عالي كأنه لقى كنز. “حسن قبل ما يموت بأسبوع، جاب خزنة صغيرة وحطها في أوضة المكتب وقالي مأفتحهاش إلا للضرورة القصوى، وأنا نسيتها تماماً في وسط دوامة موته والديون!”
​جري طارق على أوضة المكتب، وسلمى وراه شايلة نور.
طلع مفتاح صغير كان محتفظ بيه في ميداليته، وفتح الخزنة. الخزنة مكنش فيها فلوس، ولا ورق أراضي… كان فيها ظرف واحد بس مقفول بالشمع الأحمر، ومكتوب عليه من بره بخط إيد حسن المرتعش: “إلى أخويا وسندي طارق… ماتفتحش الجواب ده إلا لو شيرين ظهرت في حياتكم.”
​إيد طارق كانت بتترعش وهو بيقطع الظرف. طلع منه ورقة، بدأ يقرأها بصوت مسموع، وسلمى واقفة وراه حابسة أنفاسها:
​”يا طارق… لو بتقرأ الجواب ده، يبقى أنا مت، وشيرين الكلبة رجعت عشان تنفذ تهديدها وتدمر حياتكم. سلمى يا طارق مظلومة، سلمى بنتها عايشة مامتش. شيرين يوم ولادة سلمى، كانت بتولد في نفس المستشفى من عشيقها اللي هرب وسابها. شيرين خطفت بنت سلمى بمساعدة دكتور فاسد في المستشفى، وهددتني لو ماكتبتش بنتها اللي من الحرام باسمي وسترت عليها، هتق*تل بنتي الحقيقية وتفضحنا. أنا اضطريت أخد بنت شيرين وأديها لسلمى على إنها بنتها عشان أسكتها مؤقتاً… وأنا طول الشهور دي كنت بحاول أرجع بنتي من غير ما أأذيها، بس هم كانوا أسرع مني…”
​صوت طارق وقف فجأة، وعينيه برقت بذهول وصدمة وهو بيقرأ السطر الأخير.
سلمى صرخت بلهفة وانهيار: “كمل يا طارق! كمل! بنتي فين؟ بنتي مع مين؟!”
​طارق بلع ريقه بصعوبة، ورفع عينيه لسلمى اللي كانت هتموت من الرعب، وقال بصوت مهزوز مش قادر يصدق المكتوب:
“حسن كاتب… إن البنت…”

تابع الباقي في الجزء الثالث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *