ابن بنتي المريض باتوحد الاخير
صوت الكالون وهو بيلف كان أبطأ وأقسى صوت سمعته في عمري كله. كل لفة كانت بتسحب الروح من جسمي. في اللحظة دي، غريزة الأمومة اللي كبرت جوايا 11 سنة خليتني أتحرك بدون تفكير. شديت فازة تقيلة من على الترابيزة ووقفت قدام باب أوضة حسن، كأني سد منيع.. أو على الأقل ده اللي كنت متخيلاه.
الباب الخارجي اتفتح بهدوء مرعب، وخطوات تقيلة ومكتومة بدأت تدخل الصالة. كانوا تلاتة، ضخام، لابسين أسود في أسود، وفي إيديهم أسلحة متركب عليها كواتم صوت. واحد منهم شاور للتاني ناحية أوضة حسن. النور اللي طالع من شاشة اللابتوب كان كاشف مكانا.
قلبي كان هيقف، رفعت الفازة وإيدي بتترعش، بس قبل ما الراجل الأولاني يحط رجله جوه الأوضة.. حصلت حاجة قلبت الموازين كلها.
**حسن داس على زرار واحد في الكيبورد.**
في ثانية واحدة، الكهربا قطعت عن العمارة كلها، مش بس شقتنا. الضلمة بقت كحل، بس اللي رعبني أكتر مكنش الضلمة.. كان صوت الإنذار. إنذار حريق العمارة اشتغل بأقصى قوة ليه، وصوت سارينة مزعج جداً رج المكان، ومفيش لحظات لحد ما رشاشات المية اللي في السقف (اللي مكنتش شغالة من يوم ما العمارة تتبنت) فتحت وغرقت الشقة كلها.
وسط الفوضى دي، الراجل اللي كان داخل الأوضة اتزحلق ووقع، والتاني وجه كشاف سلاحه ناحيتنا. النور الأحمر بتاع الليزر جه على صدري.. كنت بستشهد، بس سمعت صوت حسن من ورايا، هادي، بارد، ومفيش فيه ذرة رعشة، كأنه بيقرأ من كتاب:
**”لو ضغطت على الزناد، 40 جيجا بايت من البيانات المشفرة هتتبعت تلقائياً للإنتربول، المخابرات المصرية، وأكبر وكالات الأنباء في العالم.. فيها حساباتكم البنكية، خطوط سير الأسلحة، وأسماء القيادات بتاعتكم.”**
الراجل اللي ماسك السلاح وقف مكانه كأنه اتشل. التالت اللي كان واقف ورا صرخ فيه بلغة أجنبية مكسرة: “اسأله إيه يضمنلنا إنه مبعتهاش؟!”
حسن، من غير ما يبصلهم، وعينيه لسه متركزة في شاشة اللابتوب اللي كانت بتنور وتطفي لوحدها، رد:
**”أنا مبرمج، مش غبي. أنا رابط الإرسال بمعدل ضربات قلبي من خلال الساعة اللي في إيدي. لو نبضي وقف، أو لو النبض زاد عن حد معين بسبب الخوف، الملفات هتتفك شفرتها وتتبعت. الحل الوحيد إنكم تخرجوا من هنا فوراً، وتسيبونا نعيش في هدوء، وساعتها الكود هيفضل نايم.”**
الرجالة بصوا لبعض في صدمة. عيل عنده 16 سنة، قاعد على الأرض متكور حوالين نفسه وبيشرب من كوباية بلاستيك صفرا مشرخة، حاطط أكبر مافيا في العالم تحت رحمته بجهاز سعره ميكملش تمن رصاصة من اللي في مسدساتهم.
بس قبل ما ياخدوا قرار ينسحبوا، سمعنا صوت كسر باب العمارة من تحت، وخطوات جري على السلالم، وأصوات زعيق مصرية صميمة: **”شرطة مكافحة الجرائم الإلكترونية! سلم نفسك المكان محاصر!”**
حسن مكنش بس بيهددهم.. حسن كان مكلم الشرطة المصرية ومسربلهم جزء من البيانات كطُعم من اللحظة اللي شاف فيها كاميرات المراقبة في شقة أمه. الرجالة حاولوا يهربوا من الشباك، بس القوات الخاصة كانت مالية الشارع. اتقبض عليهم كلهم في أقل من خمس دقايق.
بعد ساعات من التحقيقات، وظابط كبير قاعد معانا في الصالة بيشرب شاي، بص لحسن بذهول وقاللي: “يا حاجة، حفيدك ده ثروة قومية. ده اخترق شبكة إحنا بقالنا 5 سنين بنحاول نوقعها. الولد ده مكانه مش هنا، ده لازم يتوفرله حماية ورعاية من نوع خاص.. ده عبقري.”
بصيت لحسن، اللي كان قاعد في الركن بتاعه، بيرص العربيات الصغيرة بتاعته في صف واحد، بنفس الدقة، كأن مفيش عصابة دولية كانت هتموته من كام ساعة.
ابتسمت بوجع ممزوج بفخر وقولت للظابط: “الناس كانت بتبصله على إنه ناقص، أمه سابته عشان افتكرت إنه حمل تقيل مش هتقدر عليه. محدش فيهم فهم إن التوحد مكنش سجن لحسن.. التوحد كان العدسة اللي بتخليه يشوف العالم بتفاصيل إحنا كأشخاص طبيعيين عمينا عنها. روتينه اللي كان بيخنق أمه، هو اللي خلاه يبني شفرة محدش يقدر يكسرها.”
الظابط مشي، ورفضت أي عروض بإن حسن يبعد عني بحجة “الرعاية الخاصة”. إحنا الاتنين عارفين إن حمايته الحقيقية مش في حراس ولا في مؤسسات، حمايته في “الروتين”، في ريحتي، وفي طبق المكرونة بتاعه.
**النهاية مكنتش في الفلوس اللي كسبها، ولا في العصابة اللي اتقبض عليها.**
النهاية الحقيقية كانت في الدرس اللي اتعلمته بعد 11 سنة شقا. ربنا مبيخلقش حاجة ناقصة أبداً.. أحياناً بيدينا هدايا متغلفة في صناديق شكلها يخوف، أو متعبة في فتحها، واللي بييأس ويرمي الصندوق زي ما سارة عملت، بيخسر الكنز اللي جواه.
أنا مدرسة متقاعدة، بس أعظم درس اتعلمته في حياتي مكنش في الكتب.. كان من طفل مبينطقش، علمني إن القوة مش بالصوت العالي، وإن الحب الحقيقي هو إنك تتقبل اللي قدامك زي ما هو، مش زي ما إنت عايزة يكون.
دخلت عليه أوضته بالليل، كان نايم في هدوء لأول مرة من سنين. غطيته كويس، ولمحت على مكتبه حاجة خلتني أبتسم وأبكي في نفس الوقت.
كان حاطط الكوباية البلاستيك الصفرا المشرخة، وجنبها ورقة صغيرة طابعها من الكمبيوتر، مكتوب عليها سطر كود برمجي واحد.. أنا مابفهمش في البرمجة، بس السطر كان مكتوب فيه:
**(If GrandMa = Safe, Then Hasan = Alive)**
*(لو تيتا في أمان، إذن حسن على قيد الحياة).*
طبعت بوسة على جبينه، وقفلت النور، وطلعت وأنا عارفة إننا أخيراً.. كسبنا المعركة.