عمل حماتي 1
“مابخلفش.. ومع كده حماتي صممت تجوزني لابنها، ولما دخلنا الأوضة ورفعنا اللحاف، صرخت من الصدمة!”
ليه عيلة غنية توافق تجوز ابنها لعروسة مابتخلفش؟ السر كله كان مستنيني ورا باب أوضة النوم. ولما اللحاف اترفع، الرعب تملكني!
أنا “هنا”، عندي ٣٠ سنة. كنت قفلت باب قلبي بالضبة والمفتاح، وقلت لنفسي “يا جبل ما يهزك ريح، عيشي لشغلك ولأهلك واحمدي ربنا على قسمتك”. الحكاية بدأت من ٣ سنين، لما عملت عملية صعبة في “القصر العيني”، والدكاترة هناك قالولي الكلمة اللي كسرت ضهري:
“يا آنسة هنا.. للأسف مفيش أمل في الخلفة، مش هتبقي أم.”
الخبر نزل على نافوخي زي حتة التلج. “هاني” خطيبي، اللي قعدنا خمس سنين نبني في شقتنا طوبة طوبة، يومها سكت خالص وماردش.. وتاني يوم بعتلي رسالة ناشفة زيه بالظبط:
“أنا آسف يا هنا.. أنا وحيد أبويا وأمي وعايز عزوة وعيال، مش هينفع نكمل مع بعض.. كل شيء قسمة ونصيب.”
من اليوم ده، مسحت فكرة الفستان الأبيض من دماغي خالص، ومسحت كل صور الأطفال من على موبايلي.. لحد ما ظهر “أحمد”.
أحمد كان المدير الجديد بتاعنا في الشركة اللي بشتغل فيها في “التجمع”، أكبر مني بسبع سنين، بس كان شاب تقيل وراكز، وعنيه فيها حنية تخطف القلب. كنت دايماً أقول لنفسي: “فوقي يا بنت وبطلي أوهام، عريس لقطة زي ده هيسيب كل البنات ويبص لواحدة عندها مشكلة زيك؟”
بس هو وأهله طلعوا حكاية تانية خالص. في عز ضغطة الشغل والسهر، كنت ألاقيه طالبلي أكل سخن، وفي عز البرد ألاقي كوباية “سحلب” بالمكسرات محطوطة على مكتبي من غير ولا كلمة. ولما جه عشان يتقدم لي، قعدت أعيط وانهار وحكيت له كل حاجة عن مرضي وكلام الدكاترة.. بصلي بهدوء غريب، ابتسم وقاللي:
“عارف يا هنا.. وموافق، ومش عايزك تشيلي هم أي حاجة طول ما أنا جنبك.”
حتى والدته “الحاجة كريمة” لما جات بيتنا في “المعادي” عشان تقرا الفاتحة، كانت طايرة بيا من الفرحة، وكل شوية تقولي “يا وش السعد والهنا”. قلت بس! ربنا بيعوضني عن سنين الكسرة والوحدة.
يوم الفرح، كنت زي القمر بالفستان المنفوش، والزفة الدمياطي كانت مقومة القاعة ومكسرة الدنيا. كنت حاسة إني في حلم جميل.. لحد ما طلعنا شقتنا في “مدينة نصر”.
دخلت الأوضة، وقلعت الطرحة اللي كانت مكتفاني، وأحمد دخل ورايا، رمى الجاكت على الكرسي، وقرب مني وحط إيده على كتفي بحنية:
“تعبتي يا عروستي؟”
هزيت راسي بكسوف وقلبي بيدق زي طبلة المسحراتي.
مسك إيدي ومشينا ناحية السرير، وما بين وهو بيرفع اللحاف عشان أريح.. عيني جحظت وتسمرت في مكاني!
وساعتها بس.. اكتشفت الحقيقة المرعبة…
صوت صرختي هز حيطان الأوضة، لدرجة إن أحمد اتخض واترمى عليا كتم بوقي بإيده وهو عينه بتلف في الأوضة برعب وقال بصوت واطي ومبحوح:
— “اسكتي.. اسكتي يخرب بيتك الفضيحة! أمي برا هتحس بحاجة.. اهدئي وبطلي لغوشة!”
أنا مكنتش سامعة ولا شايفة غير المنظر اللي قدامي.. تحت اللحاف، كان فيه طفل صغير عنده حوالي ٣ سنين، نايم في دنيته تانية خالص، نايم نوم تقيل وكأنه متخدر.. ملامحه ملائكية، وشه أبيض ومدور، وشعره ناعم.. بس الصدمة مش هنا، الصدمة إن جنبه على السرير كان فيه دوسيه طبي كرتون أزرق.. الدوسيه ده أنا عارفاها كويس، حافظة شكله وتفاصيله، ده الدوسيه بتاعي اللي كان فيه تقارير عمليتي في “القصر العيني”!
أحمد شال إيده من على بوقي لما لقا نفسي اتقطع وبقيت بتهز كلي من العياط.. رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في الدولاب، وشاورت بصباعي اللي بيترعش على الطفل والدوسيه وقلت بصوت مش طالع:
— “مين.. مين ده يا أحمد؟ وإيه الدوسيه بتاعي ده؟ إنتوا مين؟ وبصيتوا في أسراري ليه؟! أنتوا جايبيني هنا عشان تذلوني بمشكلتي؟”
أحمد قعد على طرف السرير، حط إيده بين راسه ونفخ تنهيدة طويلة كأن جبل انزاح من على صدره، وبصلي بنظرة مكنتش قادرة أفسرها.. حنان؟ ولا شفقة؟ ولا ذنب؟
قرب مني خطوة، وأنا صرخت فيه:
— “متقربش مني! قولي في إيه وإيه المهزلة دي حالا!”
بص للطفل النايم وبعدين بصلي وقال بنبرة هادية ومخيفة في نفس الوقت:
— “الطفل ده يبقى ياسين يا هنا.. وفي الحقيقة، ويشهد ربنا على كلامي.. الطفل ده يبقى ابنك!”
الحقيقة الملعونة
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الحيطان بتميل عليا.. ابني؟! ابن مين؟ أنا “هنا” اللي الدكاترة قالوا لي مستحيل تبقي أم؟ أنا اللي خطيبي سابني عشان مابخلفش؟
ضحكت بhysteria ودموعي بتنزل:
— “إنت اتجننت يا أحمد؟ إنت أكيد مجنون! أنا دخلت القصر العيني من ٣ سنين بنت، وخرجت منه بعد عملية استئصال أكياس كبيرة على المبيض والدكاترة قالوا لي رحمك بايض ومفيش بويضات ومفيش أمل.. إزاي ده ابني؟!”
أحمد وقف، فتح الدوسيه الأزرق، وطلع منه ورقة تحاليل DNA.. ورماها في حضني وقال:
— “الدكتور اللي عملك العملية من ٣ سنين في القصر العيني.. يبقى (دكتور حازم) جوز أختي الكبيرة.. دكتور النسا المشهور.”
جسمي اتجمد.. افتكرت الاسم.. فعلاً الدكتور اللي عملي العملية كان اسمه حازم!
أحمد كمل وكلامه كان بينزل على قلبي زي طعنات السكاكين:
— “في الفترة دي، أنا كنت متجوز من بنت عمي.. كنا بنموت في بعض، بس كانت عاقر، مفيش عندها بويضات خالص.. وحازم جوز أختي كان بيشرف على حالتها.. لما إنتي دخلتي المستشفي، وحازم فحصك، لقى إن عندك مخزون بويضات جودتها نادرة جداً وممتازة.. الشيطان شاطر يا هنا.. جوز أختي طمع في العيلة وفي الفلوس، وعايز يخدمنا.. عملك العملية، وفهمك إن المبيض والرحم باظوا وإنك مابتخلفيش.. وفي السر.. سرق بويضاتك كلها!”
شهقت وصوت نفسي انقطع.. سرق بويضاتي؟!
أحمد دار وشه الناحية التانية وهو مكسوف وقال:
— “أخد البويضات وعمل بيها عملية حقن مجهري لمراتي.. والملقحة كانت بويضتك إنتي.. مراتي حملت وجابت ياسين، بس ربنا مابيرضاش بالظلم.. مراتي ماتت بعد الولادة بـ ٦ شهور في حادثة.. وياسين اتولد بمشاكل في النمو.. أمي الحاجة كريمة لما عرفت بالسر ده بعد موت مراتي، ليلها مابقاش ليل.. قالتلي إحنا شايلين ذنب البنت دي، والطفل ده لحمها ودمها ومالوش ذنب، ومفيش حد في الدنيا هيراعي الطفل التعبان ده ويحن عليه قد أمه الحقيقية البيولوجية.. إحنا دورنا عليكي يا هنا.. أنا مشغلتكيش عندي في الشركة بالصدفة.. أنا دورت عليكي لحد ما جبتك تحت عيني، ورتبت كل حاجة عشان أحببك فيا وأتجوزك.. عشان أرجعلك ابنك.. وتعيشي ملكة في خيري وخير أهلي!”
المواجهة
أنا مكنتش سامعة.. مكنتش حاسة بالدنيا.. ٣ سنين من عمري ضاعوا في الكسرة.. ٣ سنين ببكي بدل الدموع دم.. خطيبي اللي ضاع من إيدي، ونظرة الشفقة في عين أهلي وجيراني.. وصورتي قدام نفسي إنني “ست ناقصة”.. كل ده عشان عيلة غنية تسرق أمومتي؟!
وقفت على رجلي وزقيت أحمد بكل قوتي وصليت في وشه زي المجنونة:
— “يا وحوووووش! يا مجرمين! سرقتوا عمري وحرمتوني من ضهري وكسرتوا نفسي عشان تاخدوا حتة مني؟! وتقولي جوزتك وعيشتك ملكة؟ أنا هوديكم في داهية.. أنا هبلغ عنك وعن أمك وعن جوز أختك الدكتور الحرامي.. هفضحكم وهسجنكم كلكم!”
أحمد ملامحه اتقلبت تماماً.. الحنية اللي في عنيه اختفت، وظهر مكانها وش تاني خالص.. وش الراجل الغني، القوي، اللي مابيتلويش دراعه.. بصلي ببرود يقبض القلب، وطلع موبايله من جيبه وفتح فيديو..
وقاللي بنبرة فحيح الأفاعي:
— “تبلغي عن مين يا هنا؟ إنتي فاكرة إنك ضحية لوحدك؟ وفكرة إننا دخلناكي المستشفى دي بالذات وعملنا فيكي كده كانت من دماغنا؟ بصي كدة على الفيديو ده وشوفي مين اللي قبض الثمن الأولاني عشان يسلمك لينا على طبق من دهب!”
بصيت على شاشة الموبايل.. وعيني وسعت من الصدمة، الصدمة اللي خلّت عقلي يقف تماماً والدم يتجمد في عروقي..
في الفيديو.. كان قاعد جوز أخت أحمد الدكتور، وجنبه شخص أنا حافظة ملامحه أكتر من نفسي.. كان قاعد “هاني”.. خطيبي القديم! اللي بكى عليا يوم الشغل وقالي ماليش غيرك! كان قاعد بيمضي على إقرار، وبياخد شنطة سودا مليانة فلوس “دولارات” وهو بيضحك وبيقول للدكتور: “كده تمام.. بكر الصبح هجيبها لكم المستشفى بنفسي وأقنعها إن الدكتور حازم هو أحسن واحد يعمل العملية.. ومحدش هيشك في حاجة!”
أحمد قفل الموبايل، وبصلي بابتسامة خبيثة وقال:
— “خطيبيك المحترم.. هو اللي باعك لينا بـ ٢ مليون جنيه عشان يكمل شقته ويتجوز غيرك.. هاه؟ لسه عايزة تبلغي يا عروستي؟!”
للباقي شوف الجزء الاخير