بعد ماامهم ماتت الاخير

 

​الكل كتم أنفاسه.. عيون الرجالة، وكبير الرضوانية، وبناتي، وعيني أنا.. كلهم متثبتين على الوسطانية. البنت اللي كان عمرها ٥ سنين يوم ما أمها (مرات أخويا) ماتت، واللي فضلت شهور متبتة في شنطتها ورافضة تسيبها.

​طلعت من جيبها كاميرا ديجيتال قديمة جداً، شاشتها مشروخة، وقالت بصوت مليان قهر:

“فاكر الشنطة اللي كنت رافضة أسيبها يا بابا؟ الشنطة دي كان مخبية فيها الكاميرا دي.. يومها كنت بلعب بيها تحت السرير في أوضة ماما، وسمعتكم بتتخانقوا.. دوست على زرار التسجيل وخبّيت الكاميرا.. ومافهمتش اللي شفته غير لما كبرت، بس كنت مرعوبة أنطق ليرجع ويقتلنا إحنا كمان!”

​الفيديو الملعون

​شغّلت البنت الكاميرا، ورفعت الصوت على الآخر. وسط سكون الشقة اللي زي القبور، طلع صوت مرات أخويا وهي بتبكي وتصرخ بهيستيريا:

“أنا مش قادرة أشيل الذنب ده أكتر من كده! البنت الكبيرة دي بنت أخوك من صلبه، إنت دمرت حياته وموّت مراته بحسرتها! والصغيرة خاطفينها من حضن أمها! أنا هروح أقوله كل حاجة، وهبلّغ البوليس، كفاية حرام عليك!”

​وفي الفيديو، ظهر صوت أخويا وهو بيزعق زي المجنون، وبعدها هجم عليها.. الكاميرا كانت جايبة خياله وهو بيكتم نفسها بالمخدة وهي بتعافر لحد ما حركتها سكنت تماماً.

​أخويا مموّتش مراته بالمرض ولا بالحزن.. أخويا قتلها عشان يسكتها للأبد! وبعدها بيومين هرب وسابلي البنات عشان يداري جريمته.

​القصاص

​أول ما الفيديو خلص، أخويا انهار على الأرض وبدأ يصرخ ويلطم زي المجانين، عرف إن حبل المشنقة اتلف حوالين رقبته. رجالة الرضوانية رفعوا سلاحهم وكانوا هيفرغوه في صدره، بس كبيرهم رفع عصايته ووقفهم، وبصلي وقال:

“الراجل ده موته برصاصة رحمة ليه، وإحنا مش بتوع غدر في بيوت الأصول.. ده بتاع الحكومة يا أستاذ، خليه يذوق عذاب السجن وحبل المشنقة، وفضيحته تبقى بجلاجل قدام الدنيا كلها.”

​الكبير بص للبنت الصغيرة (بنتهم اللي اتسرقت)، عينيها كانت مليانة دموع، وماسكة في دراعي كأني طوق النجاة بتاعها. الكبير قرّب منها وطبطب على راسها بحنية وقالها:

“أنا جدك يا بنتي.. دمي ودمك واحد. إحنا قلبنا الدنيا عليكي ١٨ سنة.. بس أنا شايف في عينيكي إن أبوكي الحقيقي هو الراجل اللي واقف وراكي ده، اللي كبرك وحماكي. إحنا مش جايين نخطفك تاني ولا نحرمك منه.. بيتنا في الصعيد مفتوحلك، وبيت أبوكي هنا مفتوحلك.. الدم عمره ما يبقى ماية، بس كمان الرباية والسند هما الأب الحقيقي.”

​الراجل الكبير حضنني، وباس راسي قدام رجالته، وطلب البوليس وسلّمهم أخويا بالفيديو والمذكرات. أخويا نزل متكلبش، متساق زي الذليل، عينه في الأرض، خسر دنيته وآخرته.

​الحصاد وعوض ربنا

​بعد ما الشقة فضيت، والبوليس مشي، قفلت الباب المكسور، ولفيت لقيت “بناتي” التلاتة واقفين بيعيطوا.

جريت على البنت الكبيرة.. بنتي اللي من صلبي، اللي مراتي ماتت مقهورة عليها مفكراها في التراب! حضنتها حضن طلعت فيه وجع ٢٣ سنة، شميت ريحتها اللي فيها ريحة الغالية اللي راحت، ودموعنا غسلت كل القهر اللي عشناه.

​وبعدين فتحت دراعي للوسطانية والصغيرة، وخدنا إحنا الأربعة حضن واحد.. حضن دافي، مفيش فيه سر، ولا كدب، ولا خوف.

​النهاية المفيدة (الخلاصة اللي اتعلمتها من الأيام):

​مرت الأيام، وأخويا خد إعدام في قضية القتل والخطف والتزوير. أما أنا، فعشت عشان أشوف عوض ربنا اللي مفيش بعده عوض، واتعلمت دروس هفضل فاكرها لحد ما أقابل وجه كريم:

​الرباية مش بس بالدم: الأبوة والأمومة عمرهم ما كانوا مجرد خلفة، الأبوة هي سهر، وتعب، وطبطبة، وحضن بيطمن. البنتين اللي مش من دمي بيبروني وبيحبوني زي بنتي اللي من صلبي بالظبط.

​حبل الظلم قصير: مهما طال الوقت، ومهما المجرم خطط ودارى جريمته، ربنا بيبعت الحقيقة في الوقت المناسب. (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ). أخويا هرب ١٥ سنة، ورجع برجليه عشان يتفضح ويتعدم.

​صنائع المعروف تقي مصارع السوء: لو مكنتش رضيت بقضاء ربنا، وربيت البنات دول بما يرضي الله وفتحتلهم قلبي وبيتي، كان زمان الحقيقة ماتت، ومكنتش عرفت طريق بنتي الحقيقية، ولا كنت كسبت عيلة كاملة بتحبني وتفديني بروحها. عملي الخير هو اللي كشفلي السر، وهو اللي رجعلي حقي.

​الكدب بيدمر صاحبه: أخويا عاش طول عمره مرعوب، خايف من الفضيحة، وخايف من الثأر، وخايف من نفسه. ضيع عمره في الهروب، وفي النهاية خسر كل حاجة.

​”النهارده، أنا قاعد في وسط بناتي التلاتة، وبنتي الكبيرة شايلة ابنها الصغير على إيدها.. الحزن خلاص قفلنا بابه، وأيقنت إن ربنا لما بياخد حاجة، بيعوض بحاجات، وإن نية الخير دايماً.. بتكسب في النهاية.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *