قضيت اسابيع في المستشفى
قضيت أسابيع في المستشفى بصارع الموت وبتعلق في الحياة، وأهلي ما كلفوش خاطرهم يزوروني ولو مرة واحدة.. لا أمي، ولا أبويا، ولا حتى أختي.
بعد شهر من خروجي، لقيت أمي باعتالي رسالة بتطلب مني ١٢ ألف دولار عشان فستان فرح أختي! بعتلها دولار واحد بس، وكتبتلها: “بالتوفيق”. وبعدها بكام ساعة.. الدنيا اتقلبت وكل حاجة انفجرت.
قعدت تلات أسابيع في العناية المركزة، مش سامعة غير صوت الأجهزة اللي متوصلة بيا وبتقيس نبضي كأنها بتشوفني لسه أستاهل أعيش ولا لأ. الدكتور قال “تسمم في الدم”.. عدوى بدأت من زايدة دودية انفجرت وأنا بتجاهل الوجع عشان كنت بطحن نفسي في الشغل ورديتين، وبقنع نفسي إن وجع بطني ده مجرد إرهاق وضغط.
على بال ما زميلي في الشغل لقاني واقعة من طولي جنب مكنة التصوير، كانت حرارتي معدية الـ ٤٠، وضغطي في الأرض، وجسمي حرفياً بيفاوض الموت.
في التلات أسابيع دول، كان عندي وقت كفاية أعد فيه بلاط سقف الأوضة.. كان عندي وقت أحفظ أسامي الممرضات اللي بيدخلوا يغيروا لي المحاليل.. كان عندي وقت أشوف شاشة تليفوني بتنور برسايل إعلانات ملهاش لازمة، وتذكير من الصيدلية، وكوبون خصم من مطعم عشان عيد ميلادي.
بس ماكانش عندي وقت ولا طاقة أمثل بيهم أكتر من كده.
أمي ما جاتش..
أبويا ما جاش..
وأختي ما جاتش.
كنت متأكدة إنهم عارفين. زميلي كلمهم من الطوارئ، وشوفت سجل المكالمات على تليفوني بعد كده. أمي ردت عليه وقالتله: “إحنا مشغولين في حاجة مهمة دلوقتي، بس ابقوا طمنونا”.
و”الحاجة المهمة” دي كانت تجهيزات فرح أختي!
أختي اللي عندها ٢٨ سنة، الدلوعة، اللي ممكن تعيط في أي مكان عشان تخلي حد تاني يدفع لها حسابها. أهلي قضوا طفولتي كلها بيتعاملوا مع طلباتها على إنها طوارئ، وبيتعاملوا مع كوارثي وطوارئي أنا على إنها إزعاج ووجع دماغ.
ولما خرجت من المستشفى، رجعت شقتي الصغيرة لوحدي، بسحب في رجلي وماشية زي العجايز وأنا لسه يا دوب ٣٢ سنة. رجعت بجرح كبير بطول بطني، وديون فواتير مستشفى متدفعتش، وتلاجة فاضية مفهاش غير علب زبادي صلاحيتها انتهت.
عدى شهر.. ولقيت رسالة من أمي مكتوب فيها:
“محتاجين ١٢ ألف دولار عشان فستان فرح أختك، الديزاينر عايز الفلوس قبل يوم الجمعة.. العيلة بتقف جنب بعضها.”
فضلت مبحلقة في الرسالة لحد ما شاشة الموبايل ضلمت.
مفيش “عاملة إيه؟”
مفيش “حقك علينا ما سألناش”
مفيش حتى “إنتي لسه عايشة؟”
فقط.. عايزين ١٢ ألف دولار!
فتحت أبليكيشن البنك بتاعي.. إيديا المرة دي كانت ثابتة جداً. حولتلها دولار واحد بس. وبعدين رديت عليها: “بالتوفيق”.
بعد كام ساعة، تليفوني كان هينفجر.
أمي رنت ١٧ مرة.
أبويا سابلي فويس نوت بيشتمني فيها وبيقولي إني أنانية ومريضة ومأفورة.
وأختي بعتت فويس نوت وهي بتعيط وتندب وبتقولي إني “بدمر أهم لحظة في حياتها”.
وبعدين الساعة ٩:١٤ بالليل، أمي بعتت رسالة أخيرة:
“هتندمي على الفضيحة اللي عملتيها لعيلتك دي.. إحنا جاينلك بكرة”.
قريت الرسالة مرتين.. وبعدين بصيت للملف اللي محطوط على ترابيزة المطبخ.
ملف مليان تقارير المستشفى.. سكرين شوتس.. تحويلات بنكية.. ورسايل قديمة. دليل يثبت كل دولار صرفته عليهم السبع سنين اللي فاتوا.
ولأول مرة من يوم ما فتحت عيني على سرير المستشفى.. ابتسمت.
قفلت شاشة الموبايل، وسبته على الرخامة. المطبخ كان هادي جداً، صوت تكتكة الساعة على الحيطة كان هو الصوت الوحيد اللي مالي المكان. بصيت للملف الأسود اللي قدامي.. الملف ده ماكانش مجرد ورق، ده كان “عمر بحاله” اتسرق مني ببطء، وتضحيات اتحولت لحق مكتسب، وشقى سنين اترمى في الأرض عشان يرضي ناس مابيشبعوش.
عملت كوباية شاي بالنعناع، وقعدت على الكرسي الخشب الصغير بتاعي. لأول مرة من سنين أحس إن ظهري مفرود، رغم الجرح اللي في بطني اللي لسه بيشد عليا مع كل حركة. الموت اللي شفته في العناية المركزة غيرني.. النسخة القديمة مني، البنت اللي بتخاف تزعل حد، اللي بتيجي على نفسها عشان خاطر “العيلة”، اللي بتدفع وبتسكت وتستنى كلمة “شكراً” اللي عمرها ما بتيجي.. البنت دي ماتت على السرير في المستشفى، واللي رجعت الشقة دي واحدة تانية خالص.
الساعة بقت ١٢ بالليل. تليفوني رن، كان “طارق”، زميلي في الشغل اللي أنقذ حياتي ونقلني المستشفى.
رديت بهدوء: “أيوة يا طارق.”
قال بصوت قلقان: “إنتي كويسة؟ أنا عارف إنك لسه خارجة ومحتاجة راحة، بس قلبي مش مطمن.. أهلك كلموكي؟”
ابتسمت وسط العتمة وقولتله: “كلموني، وهيشرفوني بكرة الصبح عشان يصفوا حساباتهم معايا.”
طارق اتنفض في التليفون: “إنتي بتقولي إيه؟ أنا هاجيلك بكرة الصبح، مش هسيبك تواجهيهم لوحدك وإنتي لسه تعبانة كده.”
رفضت بشدة بس بامتنان: “لأ يا طارق، المعركة دي بتاعتي أنا. أنا هربت منها سنين، وجه الوقت اللي أحط فيه النقط على الحروف. بس خليك على التليفون، لو احتجتك هكلمك.”
نمت ليلتها نوم عميق جداً.. نومة واحدة مرتاحة ضميرها، وعارفة إن بكرة هيكون آخر يوم في العذاب ده.
الفصل الثاني: غزو الشقة
الساعة ٩ الصبح بالدقيقة، الباب خبط. ماكانش خبط عادي، ده كان رزع.. كأن في بوليس بيهاجم شقة.
قمت براحتي، لبست روب تقيل فوق هدومي عشان أداري شكلي التعبان، ومشيت بخطوات بطيئة ناحية الباب. فتحت الكالون، ولسه بفتح الباب، لقيت أبويا بيزقه بقوة لدرجة إني رجعت لورا خطوتين وكنت هقع لولا إني سندت على الحيطة.
دخل أبويا، ووراه أمي بوشها المكشر اللي متعودة عليه لما تكون ناوية على خناقة، وفي الآخر دخلت “نهى” أختي، متزوقة ولابسة على فرازة، بس ماسكة منديل بتعمل نفسها بتعيط بيه.
أبويا زعق بصوت رج الشقة: “إيه اللي إنتي هببتيه ده يا قليلة الرباية؟ دولار واحد؟ بتهيني أختك وتهينينا يا زبالة؟”
أمي دخلت في الخط بسرعة، ووقفت قدامي حاطة إيدها في وسطها: “إنتي اتجننتي يا بنت؟ إحنا مش قولنا الديزاينر مستني الفلوس؟ عايزة تفضحينا قدام عيلة العريس؟ إيه الحقد والغل اللي في قلبك لأختك ده؟”
نهى كملت المسرحية وشهقت: “أنا مش مصدقة إنك بتعملي فيا كده في أهم يوم في حياتي.. إنتي طول عمرك بتغيري مني عشان أنا هتجوز قبلك وعشان أنا أحلى منك!”
فضلت واقفة مكاني، ساندة على الحيطة.. ببصلهم هما التلاتة. لا رديت، ولا اتعصبت، ولا عيطت زي زمان. سكوتي استفزهم أكتر.
أبويا قرب مني ورفع إيده كأنه هيضربني: “انطقي! الفلوس دي تتحول دلوقتي حالا، وإلا والله العظيم ما هخليكي تشوفي يوم عدل!”
رفعت عيني في عينه، وبصوت هادي جداً، بارد زي التلج، قولتله: “نزل إيدك يا بابا.. أنا لسه طالعة من العناية المركزة، ولو لمستني، أنا اللي هطلبلك البوليس، وساعتها الفضيحة هتبقى بجلاجل بجد.”
نبرة صوتي خلته يتفاجئ وينزل إيده ببطء، بصلي باستغراب كأنه بيشوفني لأول مرة.
شاورتلهم على الصالة: “اتفضلوا اقعدوا.. طالما جيتوا لحد هنا، يبقى لازم نتكلم.”
الفصل الثالث: محكمة الملف الأسود
قعدوا على الكنب، وأنا دخلت المطبخ جبت “الملف الأسود” ورجعت قعدت على الكرسي اللي قصادهم. حطيت الملف على الترابيزة اللي بينا.
أمي بصت للملف بقرف وقالت: “إيه ده؟ إحنا مش جايين نقرأ جرايد، إحنا جايين ناخد الفلوس ونمشي. مفيش وقت للكلام الفاضي ده.”
فتحت الملف، وطلعت أول ورقة.
قولتلها: “الكلام الفاضي ده يا ماما، هو اللي مخليكم عايشين العيشة اللي إنتوا فيها دي.”
مسكت الورقة الأولى ورفعتها: “عارفة دي إيه يا نهى؟ ده إيصال تحويل بـ ٤٥ ألف جنيه، مصاريف جامعتك الخاصة اللي سقطتي فيها سنتين، وأنا اللي دفعتهم من دم قلبي وأنا بشتغل كول سنتر بالليل ومحاسبة بالنهار.”
نهى وشها احمر وقالت بارتباك: “و… وإيه يعني؟ ده واجبك، إنتي أختي الكبيرة.”
طلعت ورقة تانية وبصيت لأبويا: “ودول ١٥٠ ألف جنيه.. فاكرهم يا بابا؟ لما دخلت في مشروع مع صاحبك واتنصب عليك وكنت هتتسجن في شيكات؟ أنا اللي خدت قرض على مرتبي، ولسه بسدده لحد النهاردة، عشان سيادتك ماتباتش في التخشيبة.”
أبويا بلع ريقه وبص بعيد: “أنا سددتك جزء منهم على فكرة!”
ابتسمت بسخرية: “سددتلي ٣ آلاف جنيه من أصل ١٥٠ ألف.. كتر خيرك والله.”
طلعت مجموعة ورق تانية ورميتها على الترابيزة قدام أمي: “ودي فواتير تجديد عفش البيت اللي عملتيه عشان تتمنظري قدام خالاتي.. ودي تذاكر مصيف الساحل اللي روحتوه السنة اللي فاتت وأنا قعدت في عز الحر في القاهرة أشتغل شيفتين عشان أغطي مصاريفكم.. ودي، ودي، ودي…”
صوتي بدأ يعلى شوية، مش من الغضب، بس من القهر اللي كان مكبوت:
“سبع سنين! سبع سنين أنا عبارة عن مكنة صراف آلي (ATM) بالنسبة لكم. مفيش مرة حد فيكم سألني: إنتي تعبانة؟ إنتي محتاجة حاجة؟ إنتي حوشتي لنفسك قرشين للمستقبل؟ كل اللي بتعرفوا تقولوه: هات، ادفعي، محتاجين، العيلة بتقف جنب بعضها!”
أمي حاولت تستعيد سيطرتها، وقالت بصوت حاد: “وإيه يعني؟ بنربي وبنكشف وبنعلم عشان في الآخر تيجوا تعايرونا؟ إنتي ناسية إننا أهلك؟ اللحم والدم؟”
هنا بقى، أنا مقدرتش أمسك نفسي.. وقفت بصعوبة، ورفعت طرف التيشيرت بتاعي عشان أوريهم حاجة ما شافوهاش.
“اللحم والدم؟!” صرخت فيهم وأنا بشاور على جرح العملية الطويل المتخيط في بطني، اللي كان لسه ملتهب وأحمر.
“بصوا هنا! بصوا كويس! أنا كنت بموت! دمي اتسمم عشان كنت بتجاهل وجع جسمي عشان أقدر أشتغل وأسدد ديونكم وأوفرلكم طلباتكم! قعدت ٣ أسابيع في المستشفى بين الحياة والموت.. ٣ أسابيع يا أمي! ماكلفتيش خاطرك تركبي ميكروباص بربع جنيه تيجي تبصي على بنتك تشوفوها عايشة ولا ماتت!”
نهى بصت للجرح بقرف ولفت وشها. وأبويا وطى راسه في الأرض.
أمي كابرت وقالت: “إحنا كنا مشغولين.. وأخوكي.. قصدي زميلك قال إنك بقيتي كويسة. وبعدين ما إنتي واقفة زي القردة أهو!”
ضحكت بوجع.. ضحكة فيها كل الخذلان اللي في الدنيا.
“واقفة زي القردة؟ أنا الدكتور قالي إني لو اتأخرت ساعة واحدة كمان، كانوا هيطلعوني على المشرحة. في الوقت اللي أنا كنت بعد فيه نبضات قلبي على الأجهزة، إنتوا كنتوا بتنقوا لون كوشة الفرح وطعم التورتة!”
الفصل الرابع: الضربة القاضية (كش ملك)
أبويا قام وقف، وحاول يرجع لأسلوبه القديم في الترهيب: “بقولك إيه، إحنا مش هنسمع خطب ومواعظ. الفلوس دي لو ما ادفعتش، هنعتبر إننا مالناش بنت اسمها (اسمك)، وهنقطع علاقتنا بيكي نهائي.”
كان متخيل إن الكلمة دي هترعبني زي زمان، إني هترعش وأقوله “لا يا بابا إلا غضبك عليا”. بس المرة دي، أنا رديت عليه بابتسامة واسعة جداً.
”تقطعوا علاقتكم بيا؟ تصدق إن دي أحلى حاجة سمعتها من يوم ما اتولدت؟”
قفلت الملف، وسندت إيديا على الترابيزة وبصيتلهم بتحدي:
“الـ ١٢ ألف دولار اللي إنتوا عايزينهم، أنا فعلاً كنت محوشاهم.. بس مش عشان فستان ست الحسن والجمال. دول كانوا تحويشة عمري عشان أبدأ بيهم حياتي، بس للأسف، المستشفى خدت نصهم في فواتير علاجي اللي إنتوا حتى ماسألتوش فيها كام. والنص التاني…”
طلعت موبايلي وفتحته على شاشة معينة، ووريتهم إياها.
“النص التاني أنا حولته إمبارح بالليل لوديعة مقفولة باسمي مقدرش أكسرها قبل ٣ سنين. يعني حسابي في البنك دلوقتي مفيهوش غير ١٥٠ دولار بالظبط.. يمشوني لحد آخر الشهر.”
نهى صرخت ولطمت على خدها: “يا لهوي! الفستان! هقول إيه لحماتي؟ دي كانت هتيجي معايا بكرة نقيسه! إنتي دمرتيني، إنتي خربتي بيتي قبل ما يتفتح!”
أمي هجمت عليا وكانت عايزة تمسكني من هدومي، بس أنا رجعت لورا وقولتلها بحدة:
“لو لمستيني، هعمل اللي حالفة إني أعمله!”
وقفت مكانها وقالت بغل: “هتعملي إيه يا بنت الكلب؟ هتعملي إيه أكتر من الفضيحة دي؟”
قولتلها بهدوء مميت:
“شايفين الملف ده؟ أنا صورت كل ورقة فيه.. كل إيصال، كل تحويل بنكي، كل شات بيني وبينك وإنتي بتبتزيني عاطفياً عشان أدفعلك، وكل فويس نوت شتيمة من بابا. كل ده متجمع في فايل PDF شيك جداً.
وعشان أنا عارفة إنكم مش هتسكتوا، الفايل ده دلوقتي جاهز على الواتساب.. لو حد فيكم فكر بس يرفع صوته، أو يضايقني، أو حتى يتصل بيا يشتمني… أنا هبعت الفايل ده لجروب العيلة كله (خيلاني وعمامي). ومش بس كده… هبعته كمان لأم العريس، اللي إنتوا مفهمينها إنكم عيلة أرستقراطية ومعاكم فلوس، خليها تشوف إنكم عايشين على قفا بنتكم اللي طردتوها وسيبتوها تموت عشان فستان فرح.”
الصمت اللي نزل على الشقة في اللحظة دي كان تقيل لدرجة إنك تقدر تسمع صوت دقات قلوبهم من الرعب.
نهى وشها جاب ألوان، وبصت لأمي برعب: “ماما.. ماما أمانة عليكي حماتي لو عرفت هتفركش الجوازة.. دول ناس كبارات ومابيرحموش في الفلوس.”
أبويا بلع ريقه، وبدأ يغير نبرته فجأة، نبرة الانكسار المزيفة: “يا بنتي.. يا حبيبتي.. إنتي هتهدي المعبد على دماغنا كلنا؟ إحنا لحمك ودمك برضه مهما حصل.”
رديت عليه وأنا بفتح باب الشقة على آخره:
“المعبد ده كان مبني على ضهري أنا، ولما ضهري اتكسر، المعبد وقع. أنا ماليش أهل، أهلي ماتوا بالنسبة لي اليوم اللي سابوني فيه لوحدي في العناية المركزة.
دلوقتي.. اتفضلوا برا شقتي. روحوا اتصرفوا في تمن الفستان، بيعوا عفش البيت، بيعوا دهب ماما، اتصرفوا زي ما أي عيلة بتتصرف. بس بنك الدم اللي كان هنا.. قفل أبوابه للأبد.”
الفصل الخامس: ولادة جديدة
خرجوا من الشقة واحد ورا التاني. نهى كانت بتعيط بجد المرة دي عشان الفستان والعريس، وأبويا كان بيبرطم بكلام مش مفهوم، وأمي بصتلي بصه أخيرة كلها حقد وقالتلي: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي.”
رديت عليها: “ونعم بالله.. هو فعلاً حسبي، وهو اللي نجاني منكم.”
قفلت الباب وراهم، ولفيت المفتاح في الكالون مرتين.
سندت ضهري على الباب.. ووقعت على الأرض ببطء، وانهارت في العياط.
ماكنتش بعيط زعل عليهم.. كنت بعيط على نفسي، على السنين اللي ضيعتها في محاولة إني أرضي ناس عمرهم ما كانوا هيرضوا. كنت بعيط عياط الغسيل.. العياط اللي بينضف الروح من جوه ويغسل القلب من السموم اللي اتراكمت فيه.
بعد نص ساعة، التليفون رن. كان طارق.
“ها يا بطلة.. الأخبار إيه؟ أجيلك؟”
مسحت دموعي وابتسمت وسط العياط: “أنا كويسة يا طارق.. أنا كويسة جداً لأول مرة من سنين. خلصت.”
قال بفرحة: “طب جهزي نفسك، أنا عديت على المطعم اللي بتحبيه وجايب فطار، ومسافة السكة هكون عندك نفطر سوا ونحتفل بحياتك الجديدة.”
بعد مرور ٦ شهور:
حياتي اتغيرت تماماً. صحتي رجعتلي أحسن من الأول بكتير. عشان مابقتش مضغوطة ولا شايلة هم ديون حد، سبت الشغل الإضافي وركزت في وظيفتي الأساسية، واللي اترقيت فيها لأن أدائي بقى ممتاز بعد ما بقيت بنام كويس ومرتاحة نفسياً.
عرفت من بنت خالتي بالصدفة أخبارهم:
نهى اتجوزت، بس طبعاً جابوا فستان إيجار عادي جداً، وحماتها لاحظت إن مستواهم المادي مش زي ما كانوا بيمثلوا، فبقت بتعامل نهى بتعالي جداً وممرمطة كرامتها.
أبويا وأمي غرقوا في الديون من تاني، بس المرة دي مفيش “أنا” عشان أسددهم. اضطروا يبيعوا العربية وجزء من عفش البيت عشان يسددو أقساط كانوا واخدينها. حاولوا يتصلوا بيا كتير من أرقام غريبة، بس أنا كنت بغير رقمي كل فترة ومقفلة كل سكك التواصل.
اكتشفت إن العيلة الحقيقية مش اللي بنتولد فيها بالدم.. العيلة الحقيقية هي الناس اللي بتقف جنبك وإنت في أضعف حالاتك. طارق، زمايلي في الشغل، جارتي اللي بتسأل عليا.. دول بقوا عيلتي.
النهاردة، وأنا بكتبلكم القصة دي، أنا قاعدة في بلكونة شقتي الجديدة، بشرب قهوتي، وببص للسما.
لو حد فيكم بيمر بنفس اللي مريت بيه، وبيستنزف نفسه عشان يرضي ناس مابتقدرش… اقفلوا الحنفية.
الوجع في الأول بيبقى صعب، الإحساس بالذنب اللي زرعوه فينا بيحاول يكسرنا.. بس صدقوني، أول ما تقطعوا الحبل السري السام ده، هتبدأوا تتنفسوا لأول مرة.
الدولار الواحد اللي بعته لأمي، كان أغلى استثمار عملته في حياتي.. لأنه اشترى حريتي.
تمت.
ملاحظة: لو القصة لمستك أو حسيت إنها مفيدة، متنساش تشاركنا رأيك في التعليقات، وقولنا لو كنت مكان البطلة كنت هتعمل إيه؟ وماتنساش تصلي على النبي 🌹🌹🌹