حكايه طارق وليلى البارت الاخير للكاتبه سهر محمد

البارت الاخير للكاتبه سهر محمد
​الصمت نزل على المكان كأنه حجر تقيل كتم الأنفاس. باب المكتب اتفتح على آخره، ونيرمين وقفت مسمرة مكانها، عينيها بتتنقل برعب بين الفازة المكسورة، وبين ليلى اللي بترتعش، وبين “طارق” اللي كان واقف في الضلمة، وملامحه مرعبة أكتر من وحش كاسر مستعد ينهش فريسته.
​”ط.. طارق؟” نيرمين نطقتها بصوت مهزوز، وحاولت ترسم ابتسامة غبية على وشها وهي بتبلع ريقها، “إنت.. إنت هنا من إمتى يا حبيبي؟ مش قولتلي إنك طالع تنام؟”
​طارق متكلمش. عيونه الرمادي كانت بتطق شرار، خطى خطوة من الضلمة للنور، وكل خطوة كان بيخطيها كانت بتزلزل الأرض تحت رجلين نيرمين. عدى من جنب ليلى من غير ما يبصلها، ووقف قدام نيرمين مباشرة.
​”كنتي بتكلمي مين يا نيرمين؟” صوته كان هادي.. هادي بشكل يخوف أكتر من الزعيق.
​”مـ.. مكنتش بكلم حد.. ده.. ده السنتر اللي بشتري منه حاجات الفرح.. كنت بأكد عليهم الحجز.” كدبت وعينيها بتزاغ في كل حتة.
​فجأة، وبحركة سريعة زي البرق، طارق مد إيده ومسكها من رقبتها، خبطها في الحيطة اللي وراها بقوة خلتها تصرخ. التليفون وقع من إيدها على الأرض.
​”زبدة فول سوداني؟!” زأر طارق بصوت رجّ جدران القصر كله، وعروق وشه برزت من الغضب الأعمى، “عايزة تموتي ابني يا فاجرة عشان تورثيني وتفضيلك الساحة؟ عايزة تق*تلي حتة مني وتلبسيها في الأخصائية؟”
​نيرمين شهقت وهي بتحاول تاخد نفسها من بين إيديه اللي خانقاها، ودموع الرعب نزلت منها: “لا يا طارق.. والنبي اسمعني.. دي هي.. دي الأخصائية اللي اسمها رحمة دي هي اللي كانت بتتنصت وهي اللي ناوية تعمل كده.. أنا كنت بسمعها بتكلم حد!”
​طارق ضحك ضحكة مجنونة، ضحكة وجع وكسرة وقهر، ورمى نيرمين على الأرض زي الحشرة.
“أنا سمعت كل كلمة بودني! سمعتك وإنتي بتخططي تقت*لي ابني.. وزي ما سمعتك دلوقتي، الشريط كله بيتعاد قدام عيني! إنتي وأبويا.. إنتوا اللي دبرتوا لعبة هروب مراتي زمان!”
​نيرمين اتنفضت على الأرض، وصرخت بانهيار: “مراتك مين؟ ليلى ماتت! دي رحمة يا طارق.. إنت اتجننت؟!”
​في اللحظة دي، ليلى مقدرتش تسكت أكتر من كده. النار اللي جواها بقالها ٤ سنين انفجرت. قربت منهم، ودموعها بتنزل زي المطر، بس صوتها كان قوي بيهز الحيطان:
“أنا ليلى يا نيرمين! ليلى اللي سرقتي حياتها وابنها وجوزها! ليلى اللي شافت أبو طارق بيدي ليكي شنطة الفلوس في أوضة المستشفى الضلمة، وقال لك بالحرف: ‘خدي دول، وطارق هيفتكر إنها باعتنا وهربت’.. ليلى اللي خدرتوها ورميتوها في الشارع وهي بتنزف من الولادة عشان تخلوها تموت وتخلى ليكي السكة تتجوزي طارق وتاخدي العز ده كله!”
​طارق لف وبص لليلى. الصدمة شلت تفكيره. كلام ليلى، مع مكالمة نيرمين اللي لسه سامعها، ركبوا البازل اللي كان ناقص. ليلى مابعتتوش. ليلى ماخدتش فلوس وهربت. أبو طارق ونيرمين هما اللي لعبوا اللعبة القذرة دي عشان يفرقوهم، واستغلوا غيابه في الشغل يوم الولادة عشان يكسروا قلبه ويقنعوه إن حبيبته خانته!
​نيرمين فضلت تزحف على الأرض لورا برعب: “لا.. كدابة.. دي كدابة يا طارق.. هي اللي خدت الفلوس.. أنا ماليش دعوة!”
​طارق طلع تليفونه من جيبه وإيده بتترعش من كتر الغضب والغليان اللي جواه، واتصل برئيس الحرس بتاعه.
“عمار! تطلعلي فوراً إنت والرجالة على فوق.. تاخدوا الزبالة دي ترموها في المخزن.. وحياة ابني لأخليها تتمنى الموت كل دقيقة لحد ما أسلمها للبوليس بتهمة الشروع في ق*تل وتزوير وخطف! غوري من قدامي!”
​الحرس دخلوا في ثواني، سحبوا نيرمين اللي كانت بتصرخ وتولول زي المجنونة، لحد ما صوتها اختفى تماماً من القصر.
​الهدوء رجع تاني.. بس هدوء مشحون بمشاعر تهد جبال.
ليلى كانت واقفة بتترعش، حاطة إيديها على وشها وبتبكي بانهيار بعد ما كل الحمل اللي شالته السنين دي نزل من على كتافها.
​طارق بص لها.. بص للست اللي حبها أكتر من روحه، الست اللي عذبها وأهانها من يوم ما ظهرت تاني في حياته وهو فاكرها خاينة. خطى ناحيتها بخطوات بطيئة، كأنه عاجز. نزل على ركبتيه قدامها في الأرض، وبكى. طارق السيوفي، الراجل اللي مابينحنيش لمخلوق، كان راكع قدامها ودموعه بتغسل وشه.
​”سامحيني…” همس بيها بصوت متقطع، مخنوق بالدموع، “كنت أعمى.. صدقتهم عشان كنت موجوع.. كنت بموت كل يوم من غيرك، ولما شفتك وعرفت إنك عايشة، قسوتي عليكي كانت عشان نار قلبي اللي مابتنطفيش من كتر ما بحبك ومقهور إنك بعتينا.. أنا اللي أستاهل الموت لأني ما وثقتش فيكي يا نور عيني.”
​ليلى نزلت على ركبها قدامه، مقدرتش تتحمل تشوفه مكسور كده. مسكت وشه بين إيديها الاتنين، ومسحت دموعه بإبهامها وهي بتبتسم وسط بكاها.
“كنت بموت في البدروم وأنا شيفاك معاها.. كنت بموت وإنت بتبعدني عن ابني.. بس أنا عمري ما كرهتك يا طارق. أنا رجعت من الموت عشانكم، وعمري ما كنت هسيبكم تاني.”
​طارق شدها لحضنه بكل قوته.. حضن كان فيه اعتذار عن كل لحظة وجع، وكل دمعة نزلت منها. ضمها كأنه خايف تدوب بين إيديه، ودفن وشه في رقبتها وهو بيتنفس ريحتها اللي رجعت الروح لقلبه الميت.
​فجأة، سمعوا صوت خطوات صغيرة جاية من الطرقة.
لَفّوا هما الاتنين، لقوا “زين” واقف على باب جناحه، بيبعك في عينيه من النوم، وماسك عروسته اللعبة.
​طارق قام وقف بسرعة، وسند ليلى تقوم معاه. شال زين بين إيديه، وباسه من خده بشوق الدنيا كله، وبعدين حطه في حضن ليلى.
“روح لماما يا بطل.. دي ماما يا زين.. مامتك رجعتلنا.” قالها طارق وصوته بيتهدج بالفرحة.
​ليلى حضنت زين بقوة وعيطت بصوت عالي، فضلت تبوس في وشه وإيديه وشعره: “يا قلب ماما.. يا روح ماما.. وحشتني أوي يا حبيبي.. وحشتني أوي.”
​زين رفع إيده الصغيرة، ومسح دموع ليلى زي ما عمل أول مرة شافها في الجنينة. بص في عينيها كتير، وكأنه كان حاسس من أول يوم إن دي مش مجرد ميس رحمة.. دي الحضن اللي اتحرم منه.
​وفي اللحظة دي.. المعجزة اللي استنوها ٤ سنين حصلت. زين فتح بوقه الصغير، وبصوت طفولي مليان براءة وشوق نطق:
“ما.. ماما.”
​ليلى صرخت بفرحة ميتوصفش كلام، وطارق حضنهم هما الاتنين وضمهم لقلبه، وبكى من الفرحة اللي ملت روحه. جدار الصمت اتكسر، وجدار الوجع اتهد، وكابوس نيرمين وأبو طارق انتهى للأبد.
​في قصر السيوفي، النور رجع ينور كل ركن ضلمة.. ليلى رجعت سيدة القصر، وملكة قلب طارق اللي حلف إنه يعوضها عن كل ثانية ألم شافتها، وزين رجعتله ضحكته وصوته اللي ملى البيت حياه.
​تمت
لو عجبتك الروايه لايك وكومنت ومتابعه لصفحتي سهر الحكايات حتي يصلك الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *