قصه زوجي وبنتي الجزء الاخير

​باب أوضة الطوارئ اتفتح ببطء شديد، والدكتور خرج وهو بيرجع لورا ووشه أبيض زي الشمع، رافع إيديه الاتنين في الهوا كأنه بيستسلم. ووراه.. ظهر الشخص اللي المفروض إنه متكلبش وفي طريقه للسجن.
​”مارك”.. أو أياً كان اسمه الحقيقي!
​كان واقف بابتسامته الهادية المرعبة اللي مابتفارقش وشه، بس المرة دي مكنش ماسك تايمر وكوباية ورق.. المرة دي كان حاطط مس*دس ميري على راس الدكتور، وفي إيده التانية سرنجة مليانة سائل أصفر شفاف.
​”إنت إزاي طلعت من هنا؟! فين العساكر؟!” الظابط “طارق” صرخ وهو بيسحب سلاحه ويوجهه ناحيته، ووقف قدامي أنا وصوفي عشان يحمينا.
​مارك ضحك بصوت واطي ومستفز، وقال: “العساكر بتوعك طيبين أوي يا طارق بيه.. تخيل إن نقطة واحدة من السائل ده على جلد الظابط اللي كان معايا في العربية، خليته يفتحلي الكلبشات ويديني سلاحه وهو بيبتسم كأنه في حلم جميل؟ المادة دي سحر.. سحر بيخلي العقل البشري عجينة في إيدي.”
​جسمي كله كان بينتفض. عيني بتتنقل بين الصور اللي في إيدي، وصورة المصحة النفسية، ومارك اللي واقف قدامي. عقلي كان بيرفض يستوعب.
​”إنت مين؟! عملت فيا إيه؟!” صرخت بأعلى صوتي، حنجرتي كانت بتتقطع من القهرة والرعب: “أنا مين؟! انطق!!”
​مارك بصلي بنظرة فيها شفقة مصطنعة، وقال بنبرة كأنه بيكلم طفلة:
“إنتي (نور).. نور اللي فقدت عقلها من سبع سنين لما حادثة عربية خدت منها جوزها وبنتها الرضيعة. إنتي اللي أهلك رموكِ في المصحة النفسية في الأطراف عشان مبقوش قادرين يتحملوا صريخك كل ليلة. أنا اللي لقيتك يا نور.. أنا دكتور (سليم النجار)، طبيب نفسي وباحث في علوم برمجة الأعصاب.”
​كل كلمة كان بيقولها كانت بتضرب في راسي زي المطرقة. شريط ذكريات مشوش بدأ يظهر ويختفي في عقلي.. حادثة.. دم.. سرير مستشفى.. وألم.. ألم روحي بشع ملوش وصف.
​كمل كلامه وهو بيقرب خطوة بحذر: “أنا مكنتش بخطف حد يا ظابط. البنات دول، وصوفي معاهم، أطفال ملاجئ مجهولين الهوية، محدش بيسأل عليهم. أنا كنت بعمل أعظم تجربة في تاريخ البشرية. كنت بصنع (الإنسان المثالي).. إنسان مبيخافش، مبيتوترش، بينفذ الأوامر بدقة عن طريق برمجة العقل الباطن باستخدام مركب (النيوروزين-إكس) اللي أنا اخترعته مع تمارين كتم الأنفاس اللي بتبطأ ضربات القلب وتخلي المخ في حالة استعداد للتلقين.”
​بصلي وكمل: “وإنتي يا نور.. إنتي كنتِ أعظم نجاحاتي. أنا مسحت كل ذكرياتك الأليمة، زرعت في عقلك إنك مراتي، وإن صوفي دي بنتنا. وفرتلك حياة هادية، وبيت جميل، وراحة بال.. إنتي كنتِ محتاجة طفلة عشان تعيشي، وصوفي كانت محتاجة أم عشان التجربة تنجح والطفل يحس بالاستقرار العاطفي اللي بيخلي استجابته للتجارب أعلى! أنا أنقذتك! المفروض تبوسي إيدي!”
​”إنت شيطان!!” صرخت وأنا باخد صوفي في حضني أكتر، كأني بدخلها جوة ضلوعي. حتى لو مش بنتي من دمي.. دي روحي، دي الطفلة اللي سهرت جنبها، وحميتها، وحبيتها من كل قلبي. الأمومة عمرها ما كانت مجرد جينات.. الأمومة هي الروح اللي بتتربط بروح تانية.
​الظابط طارق زعق: “سيب الدكتور يا سليم، المبنى كله متطوق، مش هتخرج من هنا!”
​سليم (أو مارك) ضحك بهوس: “أنا مش محتاج أخرج.. أنا التجربة بتاعتي نجحت خلاص، ودلوقتي وقت إنهاء المشروع.”
فجأة، زق الدكتور بكل قوته في وش الظابط طارق، اللي فقد توازنه ووقع على الأرض، وسلاحه طار من إيده. وفي كسر من الثانية، سليم وجه مسدسه ناحيتي أنا وصوفي!
​عقلي في اللحظة دي وقف عن التفكير، وغريزة الأمومة اللي ربنا خلقها جوة كل ست هي اللي اتحركت. مكنتش “نور” المريضة النفسية، ولا “الزوجة المخدوعة”.. كنت “أم” بتدافع عن بنتها.
​قبل ما يضغط على الزناد، رميت نفسي عليه بكل قوتي. زقيت إيده اللي فيها المسدس لفوق، والرصاصة ضربت في سقف المستشفى بصوت رعد طرش ودني. السائل الأصفر اللي في السرنجة وقع على الأرض واتكسر.
​سليم كان أقوى مني بكتير، ضربني بكوعه في وشي، وقعت على الأرض والدم نزل من مناخيري. رفع المسدس تاني عشان يضربني.. بس قبل ما عينه تيجي في عيني، كان الظابط طارق استعاد توازنه، ومن وهو على الأرض، ضرب رصاصتين جم في كتف ورجل سليم.
​سليم وقع على الأرض بيصرخ، والمسدس وقع من إيده. في ثواني، كانت أوضة الطوارئ مليانة ظباط وأمن، وكتفوه تماماً.
​وانتهى الكابوس.
​بعد مرور سنة: نور جديدة
​قاعدة دلوقتي في البلكونة بتاعت شقتي الجديدة في الإسكندرية، باصة للبحر وبشرب قهوتي. الجو هادي، وصوت موج البحر بيغسل روحي.
​جنبي على الترابيزة، في دفتر صغير بكتب فيه يومياتي. العلاج النفسي خد مني شهور طويلة وصعبة. دكاترة متخصصين ساعدوني أتخلص من آثار المادة الكيميائية اللي سليم كان بيدسهالي في الأكل والشرب سنين عشان يفضل مسيطر على عقلي، وساعدوني أواجه حقيقة ماضيّ.
​اكتشفت إن الألم جزء من الحياة، وإن الهروب منه عن طريق مسح الذكريات أو العيش في وهم، هو أسوأ أنواع العذاب. واجهت حزني القديم على عيلتي اللي فقدتها، وبكيت بدل الدموع دم، بس في النهاية.. شفيت. الجرح ساب أثر، بس مبقاش بينزف.
​الباب خبط، وطلعت تجري من الأوضة بنوتة قمر، شعرها كيرلي ناعم، وضحكتها بتنور الدنيا.
“ماما نور! أنا خلصت رسمة البحر، تعالي شوفيها!”
​صوفي.
​بعد ما اتقبض على سليم النجار، واتكشفت شبكته الإجرامية اللي كانت بتستغل أطفال الملاجئ في تجارب علمية غير مشروعة، صوفي مبقاش ليها حد. ولأن القانون مبيعترفش بالعاطفة، كان المفروض ترجع دار رعاية. بس أنا مقدرتش أسمح بكده. حاربت في المحاكم شهور، أثبت أهليتي النفسية والمادية، وقدمت طلب كفالة.. والحمد لله، المحكمة وافقت إن صوفي تفضل معايا، وتبقى بنتي بشكل رسمي وشرعي.
​صوفي كمان اتعالجت. خدت وقت عشان تنسى “ألعاب الحمام” وقسوة التجربة اللي كانت بتعيشها تحت مسمى “الروتين”. دلوقتي بتلعب، بتضحك، ومبقتش تخاف من الماية.
​رسالة من وراء الحكاية (الخلاصة المفيدة):
​الحكاية دي اتعلمت منها دروس تمنها كان غالي أوي، وحابة أشاركها معاكوا:
​الحدس الداخلي (صوتك الداخلي مبيكدبش): لما تحسي إن في حاجة غلط، حتى لو كل اللي حواليكي بيقولولك إنك بتبالغي.. صدقي إحساسك. أنا قعدت سنين بكدب نفسي وأقول “أنا ببالغ” لحد ما الكارثة كانت هتحصل. إحساس الأمومة والأنوثة أقوى رادار خلقه ربنا.
​الابتزاز العاطفي (Gaslighting): مش كل هدوء وابتسامة وراهم نية صافية. في ناس بتستخدم الهدوء والمنطق المزيف عشان يشككوكِ في عقلك، ويحسسوكِ إنك دايماً غلط وإنهم دايماً صح (“المفروض تشكريني إني بساعدك”). ده نوع من أبشع أنواع العنف النفسي.. لو حسيتي إن علاقتك بتمحي شخصيتك، اهربي فورا.
​الأمومة روح مش جسد: الدم بيخلق قرابة، لكن الحب والمواقف والحماية هما اللي بيخلقوا “الأم”. صوفي مكنتش من دمي، لكن أنا بقيت أمها في اللحظة اللي وقفت فيها قدام المسدس عشان أحميها.
​لازم نواجه جروحنا: الهروب من الصدمات (زي ما حصل في ماضي نور) بيخلينا فريسة سهلة لأي حد يستغل ضعفنا. واجهي حزنك، اطلبي مساعدة من طبيب نفسي موثوق، لأن الوجع اللي بنخبيه بيكبر جوانا وبيدمرنا.
​قفلت الدفتر بتاعي، وبصيت لصوفي اللي كانت ماسكة ألوانها وبترسم شمس كبيرة ومبتسمة. ابتسمت وخدتها في حضني.. وعرفت إن مهما كانت البدايات مظلمة ومرعبة، دايماً في فرصة لصبح جديد ونور حقيقي.
​النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *