حكايات ياسين ومريم للكاتبه سهر محمد
”إنتِ فاكرة إني عشان ساكت طول الأيام اللي فاتت، إني مغفل ومش دريان باللي بيحصل من ورايا؟”
الكلمة طلعت من “ياسين” زي طلقة الرصاص، وهو بيرمي الظرف الأصفر التقيل على الترابيزة الإزاز اللي بينهم.
”مريم” اتسمرت مكانها. فنجانين القهوة اللي في إيديها كانوا بيترعشوا لدرجة إن القهوة دلقت على الصينية. عينيها وسعت، ووشها اللي كان منور دايماً، بهت في ثانية واحدة كأن الدم هرب منه.
ياسين مكنش كده.. ومريم عمرها ما تخيلت إن يجي يوم يقفوا فيه الوقفة دي.
من تلات سنين، ياسين كان راجل مكسور. شركته أعلنت إفلاسها، ولقى نفسه فجأة مديون، خسران شغله، والناس اللي كانت بتطبل له اختفوا واحد ورا التاني. كله باعه، ما عدا هي.
مريم، بنت الأصول اللي سابت شقة أبوها الواسعة وعاشت معاه في شقة صغيرة على السطوح من غير ما يتهزلها جفن. كانت هي الحيطة اللي ساند عليها.
كل يوم الصبح، كانت تصحى قبله، تجهزله الفطار، وتكوي قميصه كأنه نازل يدير أكبر شركة، مش نازل يدور على شغل من الصفر. كانت تقعد جنبه على الكنبة القديمة، تديله كوباية الشاي بالقرنفل اللي بيحبها، وتمسح على راسه وتقوله بابتسامتها اللي بتدفي الروح: “هتتعدل ياحبيبي، أنا قلبي حاسس إن ربنا شايلك الأحسن، إنت تعبت وتستاهل كل خير.”
كانت بتشتغل من البيت، قالتله إنها بتترجم مقالات لشركة أجنبية عشان تساعد في مصاريف البيت. كانت تسهر قدام اللاب توب لحد الفجر، وياسين كان بيشوفها وهي بتفرك عينيها من التعب، فيروح يغطيها ويبوس إيديها وهو بيحلف لنفسه إنه هيعوضها عن كل دقيقة تعبت فيها عشانه.
حب ياسين لمريم مكنش حب عادي، كان بالنسباله النور اللي خلاه يشوف في عز الضلمة. كانوا يقعدوا بالليل في البلكونة الصغيرة، يسمعوا أم كلثوم، ويحلموا باليوم اللي هيقفوا فيه على رجليهم تاني. كانت أسعد أيام حياتهم رغم الفقر، لأن القلوب كانت شبعانة ببعض.
لحد ما من شهرين، ربنا كرم ياسين بشغلانة كبيرة في شركة مقاولات. الدنيا ضحكتلهم أخيراً. سدد ديونه، ونقلوا شقة أحسن، ورجع ياسين يقف على رجليه، وراح جابلها خاتم دهب مكان اللي باعته عشانه.
لكن مع نجاحه واستقراره، بدأ يلاحظ حاجة غريبة. مريم اتغيرت.
التعب اللي كان فيها مابيروحش، بالعكس، بيزيد. بقت شاردة طول الوقت. تليفونها دايماً معمول صامت، ولما بيرن كانت بتاخده وتدخل البلكونة وتقفل على نفسها.
ياسين كان بيكدب عينيه. “مريم؟ مستحيل.” كان بيطرد وساوس الشيطان من دماغه. دي مريم اللي كلته معاه بدقة، مريم اللي شالته في أضعف أيامه.
لكن الشك لما بيدخل القلب، بيبقى زي السم البطيء.
وفي يوم، رجع ياسين من الشغل بدري على غير العادة. لقى باب الأوضة مقفول، ومريم بتكلم حد في التليفون بصوت واطي جداً ومخنوق، كأنها بتعيط.
سمعها بتقول: “أرجوك اديني فرصة كمان، أنا مش هقدر أقوله دلوقتي، لو عرف هينهار.. أنا هتصرف في الفلوس والله.”
قلبه وقف. فلوس إيه؟ ومين ده اللي بتترجاه؟
مريم خرجت من الأوضة واتفزعت لما شافته. ومن يومها، ياسين قرر يراقب بصمت.
لحد انهارده… لما لقى المفتاح بتاع درج الكومودينو اللي هي دايماً بتقفله ومخبياه، واقع على السجادة بالصدفة.
فتح الدرج، ولقى الظرف الأصفر.
نرجع للحظة اللي رمى فيها الظرف على الترابيزة.
ياسين كان بيتنفس بصعوبة، عينيه حمرا من الغضب والخذلان. قال بصوت بيرتجف: “كنتي بتستغفليني؟ بتكلمي مين من ورايا يا مريم؟ مين اللي بتتحايلي عليه وبتاخدي منه فلوس؟ انطقي!”
مريم حطت الصينية على الترابيزة بالعافية، ورجليها مكنتش شايلاها. دموعها نزلت بصمت يوجع.
قالتله بصوت مهزوز، وضعيف جداً: “يا ياسين.. افتح الظرف الأول.. وبعدين احكم عليا.”
ياسين مد إيده وهو بيجز على أسنانه. فتح الظرف بعصبية، وطلع الورق اللي فيه.
كان متوقع يشوف وصولات أمانة، أو رسايل، أو أي حاجة تثبت شكه وتهد البيت اللي بنوه سوا.
لكنه أول ما عينه وقعت على الكلام المكتوب في أول ورقة… إيده اتشلت.
الورقة وقعت منه على الأرض كأنها حتة جمرة.
بص لمريم، ملامح الغضب اللي في وشه اختفت تماماً، واتحولت لرعب.. رعب حقيقي بيخنق الأنفاس.
فجأه صرخ فيها بصدمه كبيره
“إيه ده؟…لا مستحيل”
للكاتبه #سهر_محمد
صدمة العمر.. الورقة التي قلبت الموازين
”إيه ده؟… لا مستحيل! قولي إن الورق ده كدب! قولي إن دي لعبة، مقلب، أي مصيبة بس مش ده!”
صوته طلع مخنوق، كأن حد حاطط إيده على رقبته وبيكتم أنفاسه. الورقة اللي وقعت من إيده مكنتش جواب غرامي، ولا وصولات أمانة لراجل غريب بيستغلها… الورقة كانت “تقرير طبي متقدم من المعهد القومي للأورام”.
ياسين نزل على ركبه في الأرض، إيديه بتترعش وهو بيمدها عشان يمسك الورقة تاني، عينه بتجري على السطور وهو مش مصدق المكتوب:
“المريضة: مريم عبد الرحمن… التشخيص: ورم خبيث في الدماغ (Glioblastoma) في مرحلة متأخرة… يضغط على العصب البصري ومراكز الحركة… الحالة حرجة وتستدعي تدخلاً جراحياً فورياً وجلسات إشعاعي مكثفة… نسبة النجاح…”
ياسين مقدرش يكمل قراية. الكلمات كانت بتزغلل قدام عينيه، وكل حرف كان بينزل على قلبه زي مية نار بتكويه. رمى التقرير الطبي، ومد إيده جوه الظرف وهو بيتجنن، طلع باقي الورق.
كانت أوراق قروض… مش قرض واحد، لأ، تلات قروض من بنوك مختلفة، وإيصالات أمانة ممضية باسمها. بس التواريخ… التواريخ كلها بترجع للسنة اللي ياسين أعلن فيها إفلاسه وكان مهدد بالسجن!
رفع عينه لمريم. مريم اللي كانت واقفة قدامه، ضامة إيديها لصدرها، ودموعها بتنزل زي الشلال من غير ولا صوت. وشها البهتان، عينيها اللي دايماً حمرا ومجهدة، الشحوب اللي كان فاكره من قلة النوم… كل حاجة فجأة اتفسرت قدامه زي شريط سينما بيتعرض في دماغه.
الحقيقة العارية.. وتضحية بلا حدود
”إنتِ… إنتِ عملتي إيه يا مريم؟” قالها بصوت أقرب للهمس، كأن روحه بتنسحب منه.
مريم نزلت على الأرض قصاده. قعدت على ركبها، ومدت إيديها المرتعشة مسكت إيده اللي كانت باردة زي التلج، وقالت بصوت متقطع، بيمزقه البكا:
“لما شركتك وقعت يا ياسين… لما الديانة وقفوا تحت البيت وهددوك بالسجن… أنا مقدرتش أشوفك بتتكسر قدامي. مقدرتش أشوف الراجل اللي شالني في عينيه، والسند بتاعي، بيضيع وتكلبش إيديه. الفلوس اللي كنت بقولك إني بكسبها من الترجمة مكنتش بتكفي حتى أكلنا. أنا رحت أخدت قروض بضمان ورثي من أبويا، ومضيت إيصالات أمانة عشان أسدد أكبر ديونك اللي كانت هتحبسك.”
ياسين كان بيسمع وهو بيهز راسه بهيستريا: “والمقالات؟ والسهر قدام اللاب توب؟”
ابتسمت مريم بوجع يقطع القلب: “كنت بشتغل فعلاً… بس مش ترجمة. كنت بشتغل خدمة عملاء من البيت بالقطعة، وببيع شغل هاند ميد أونلاين لحد ما عيني كانت بتطلع عشان أسدد أقساط القروض من غير ما تحس وتتكسر ياحبيبي. بس… بس من ست شهور، بدأ الصداع يمسك دماغي. كنت فاكراه إرهاق من الشاشات. كنت باخد مسكنات وأكمل عشانك. لحد ما في يوم أغمى عليا وإنت في الشغل… رحت كشفت…”
سكتت مريم، وشهقاتها عليت، وياسين حس إن قلبه هيقف، صرخ فيها بدموع: “كملي يا مريم… كملي ارجوكي!”
”الدكتور قالي إن عندي ورم… وإنه بيكبر بسرعة. طلب مني أعمل عملية فورية تكلفتها كانت خيالية، مئات الألوف. ساعتها إنت كنت لسه بادئ في الشغلانة الجديدة، كنت لسه بتبتسم من تاني، كنت لسه بتتنفس بعد الغرق. أجيبلك منين هم جديد؟ أكسر فرحتك إزاي وأقولك إن مراتك بتموت؟ وإنها مديونة؟”
كملت مريم وهي بتمسح دموع ياسين اللي كانت بتنزل على خدوده زي الجمر: “الراجل اللي كنت بكلمه في التليفون… ده كان صاحب القرض الأخير، كان بيهددني إنه هيرفع عليا الإيصال لو مدفعتش القسط المتأخر. مكنتش بتحايل عليه عشان خايفة على نفسي، كنت بتحايل عليه عشان خايفة يجيلك الشغل ويفضحك وإنت لسه بتقف على رجلك. والدكتور كان بيكلمني يترجاني أبدأ الكيماوي عشان الورم بدأ يضغط على عيني، وكنت بقوله اصبر عليا شهرين كمان، بس جوزي يثبت في شغله وأصارحه… والله يا ياسين ما خنتك ولا عمري بصيت لغيرك.. أنا بس كنت بحميك.”
ندم يكسر الظهر
الكلمات نزلت على ياسين زي زلزال دمر كل ذرة كبرياء وشك جواه. إزاي كان غبي كده؟ إزاي ساب وساوس الشيطان تعميه عن الملاك اللي عايش معاه؟
في اللحظة دي، ياسين محضرش في دماغه أي حاجة غير إنه يشيل مريم ويضمها لحضنه بكل قوته. ضمها كأنه بيحاول يدخلها جوه ضلوعه، كأنه بيخبيها من المرض ومن الدنيا ومن نفسه!
”أنا اللي مغفل! أنا اللي حيوان وأعمى ومبشوفش!” فضل يصرخ وهو دافن وشه في رقبتها، وهي بتطبطب على ضهره كأنها هي اللي بتواسيه مش هو.
“بتستحملي كل ده لوحدك؟ ورم؟ وديون؟ وبتموتي بالبطيء عشاني؟ وأنا… أنا يا قهرة قلبي جاي أحاسبك وأشك فيكي؟ أنا أستاهل قطع رقبتي يا مريم… سامحيني.. أبوس تراب رجليكي سامحيني!”
مريم رفعت وشه بين إيديها، وبصت في عينيه بحب الدنيا كله، وقالتله: “أنا عمري ما زعلت منك عشان أسامحك. إنت روحي يا ياسين، والروح مبتزعلش من الجسد.”
المعركة الحقيقية.. لا مجال للاستسلام
من اللحظة دي، ياسين اتغير 180 درجة. الراجل اللي كان خايف على شكله ومركزه واستقراره، حس إن كل ده تحت جزمته قصاد شعرة واحدة من مريم.
تاني يوم الصبح، ياسين مكنش في الشركة. كان في مكتب أكبر دكتور مخ وأعصاب في البلد. لما الدكتور شاف التحاليل والأشعة، بص لياسين بأسف وقاله: “يا بني، المدام اتأخرت جداً. الورم متشعب، والعملية نسبة نجاحها متتعداش الـ 20%، وتكلفتها هتعدي المليون جنيه بمراحل الإفاقة والعلاج الإشعاعي، ده غير إننا محتاجين فريق طبي كامل من بره.”
ياسين وقف، خبط على المكتب بإيده بقوة وقال بعزيمة راجل بيحارب على روحه: “لو نسبة نجاحها 1% أنا هعملها. الفلوس دي بتاعتي أنا. جهز أوضة العمليات يا دكتور، وهات أحسن فريق طبي في العالم، فلوسك هتكون على ترابيزة مكتبك بكره الصبح.”
ياسين طلع من المستشفى زي الإعصار. راح لمدير شركته، وحكاله الظروف، طلب منه سلفة بضمان شغله لسنين قدام، المدير اتعاطف معاه بس المبلغ كان أكبر من صلاحياته.
ياسين مترددش ثانية. راح على الشقة الجديدة اللي لسه ناقلين فيها ودافعين فيها دم قلبهم، عرضها للبيع بنص تمنها كاش فوري. باع عربيته اللي لسه شاريها قسط. باع حتى الخاتم الدهب اللي جابهولها، ومريم كانت بتبص له وهي بتعيط وتقوله: “يا ياسين متبهدلش نفسك عشاني، سيبني لقضاي، إنت لسه طالع من كابوس الديون، هترجع لنقطة الصفر تاني؟”
كان بيرد عليها وهو بيبوس راسها وعينيه مليانة إصرار: “نقطة الصفر هي اليوم اللي تغيبي فيه عن عيني يا مريم. إنتِ الفلوس، وإنتِ الشقة، وإنتِ سندي. أنا مستعد أعيش على الرصيف، بس أسمع صوت نَفَسك جنبي.”
وفي أقل من أسبوع، ياسين سدد ديون مريم كلها، ومزق إيصالات الأمانة، وحط باقي الفلوس في حساب المستشفى.
يوم الحسم.. على باب غرفة العمليات
يوم العملية كان أطول يوم في حياة ياسين.
الصبح بدري، وهو بيوصلها لحد باب الرعاية، مريم مسكت إيده بقوة، عينيها كانت مليانة خوف ودموع، بس شفايفها كانت بترسم ابتسامة رضا.
قالتله بصوت واطي: “ياسين.. لو ربنا أراد إني مرجعش، أمانة عليك متكسرش نفسك تاني. عيش، وافتكرني بالخير، واعرف إني عشت أسعد أيام حياتي وأنا مراتك.”
ياسين حط إيده على بقها عشان يسكتها، ودموعه بتنزل غصب عنه: “هترجعي. غصب عن الدنيا كلها هترجعي. إنتِ وعدتيني هنقف على رجلنا سوا، وأنا مش هسمحلك تخلفي الوعد. أنا مستنيكي هنا، مش هتحرك.”
دخلت مريم العمليات، وباب الأوضة اتقفل.
10 ساعات. 10 ساعات كاملة ياسين قاعد على الأرض قدام باب العمليات. مسبحتش في إيده، ودموعه مابتنشفش. سجد على بلاط المستشفى البارد، وفضل يدعي بصوت متقطع، يناجي ربنا بقلب مكسور: “يا رب.. أنا مليش غيرها. يا رب دي اللي ساندتني لما الكل سابني، متسيبنيش من غيرها. يا رب أفديه بعمري وبصحتي، بس ترجعهالي.”
كل ممرضة تخرج، ياسين يوقفها وقلبه هيقف من الرعب، ومفيش إجابة غير: “ادعيلها يا أستاذ، الحالة صعبة.”
المعجزة.. نور في آخر النفق
بعد ما الليل ليل، والمستشفى هديت، باب العمليات اتفتح. خرج الدكتور الرئيسي، وشه عليه علامات الإرهاق الشديد، والماسك على رقبته.
ياسين جري عليه، رجليه مكنتش شايلاه، مسك في بالطو الدكتور وهو بيترعش، مش قادر ينطق ولا يسأل، بس عينيه كانت بتصرخ بالخوف.
الدكتور بصله، وابتسم ابتسامة هادية، وطبطب على كتفه وقال: “ربنا بيحبها يا بني… وبياخد بإيدها عشان دعواتك دي. العملية كانت معقدة جداً، واجهنا نزيف حاد، بس الحمد لله… قدرنا نشيل الورم بالكامل من غير ما نأثر على مراكز الحركة ولا العصب البصري. مريم اتولدت من جديد.”
ياسين مقدرش يقف على رجله. نزل سجد سجدة شكر لله في نص الطرقة، وفضل يعيط بصوت عالي زي الأطفال، عياط الفرحة اللي بيغسل الروح من كل وجع السنين.
بداية جديدة.. وحب أصلب من الحديد
بعد شهور من العملية وجلسات العلاج الطبيعي والإشعاعي، مريم رجعت تقف على رجليها تاني.
صح هما رجعوا لشقة صغيرة على قد حالهم بعد ما باعوا كل حاجة، وصح ياسين رجع يشتغل ليل ونهار عشان يسدد السلفيات ويصرف على علاجها… لكن المرة دي، كل حاجة كانت مختلفة.
ياسين اتعلم الدرس الأكبر في حياته. اتعلم إن الحب مش كلمة بتتقال في أوقات الراحة، الحب الحقيقي هو اللي بيبان وقت العواصف. اتعلم إن الشك ده أخبث مرض ممكن يدمر أي بيت، وإن الصراحة والمواجهة هما طوق النجاة.
في يوم، وهما قاعدين في بلكونة شقتهم الصغيرة بالليل، بيشربوا كوبايتين الشاي بالقرنفل زي زمان، وصوت أم كلثوم طالع من الراديو القديم بيلعلع: “وعرفت أسامح… وعرفت أنسى…”
ياسين بص لمريم، اللي شعرها بدأ يطول من تاني بعد ما وقع من العلاج، ووشها رجع ينور وورد من جديد. مسك إيديها وباسها بحنية الدنيا وقالها:
“فاكرة زمان لما كنت بقولك إني هعوضك عن كل دقيقة تعبتي فيها؟”
مريم ابتسمت وهزت راسها: “فاكرة.”
قالها وهو بيبص في عينيها بتأثر: “أنا اكتشفت إني عمري ما هقدر أعوضك. إنتِ اللي عوضتيني عن قسوة الدنيا كلها. إنتِ مش بس مراتي يا مريم، إنتِ روحي اللي رجعتلي من الموت.”
سندت مريم راسها على كتفه، وهي حاسة بأمان ملوش مثيل، وقالتله بصوت هادي:
“الدنيا دي غريبة أوي يا ياسين، بتاخد مننا حاجات عشان تعلمنا قيمة حاجات تانية أهم. أنا راضية بكل اللي حصل، لأن في النهاية، إحنا لسه مع بعض.. وده أعظم رزق.”
رسالة القصة:
البيوت بتتبني على الثقة، والشك هو أسرع معول هدم ممكن يهد أي علاقة مهما كانت قوية. مريم غلطت لما خبت عن جوزها مرضها وديونها بدافع الحب المفرط والتضحية، لأن المشاركة في الوجع زي المشاركة في الفرح. وياسين كاد أن يدمر حياته بظنه السيء وتسرعه، لكنه تدارك الأمر حينما أدرك قيمة السند الحقيقي.
“الحب ليس أن نعير بعضنا البعض أوقات الرخاء، بل أن نتشارك أثقالنا في أوقات الشدة.”
