حكايه عزيز وغاليه الجزء الثاني للكاتبه سهر محمد

“إنتي مين؟! انطقي بدل ما أخلص عليكي هنا ومحدش هيسمعلك حس!”
​قالها وهو بيضغط على دراعها بكل قوته، وبيقرب وشه منها في الضلمة الكحل. ريحة أنفاسه الغاضبة كانت بتخنقها.
غالية حاولت تتكلم، بس إيده اللي كاتمة أنفاسها منعاها. دموعها نزلت سخنة على صوابعه، قلبها كان بيضرب في ضلوعها كأنه طير محبوس بينتفض من الرعب.
​بكل يأس الدنيا، وبكل غريزة بقاء جواها عشان تعيش وتنقذ أبوها، غالية جمعت كل قوتها وعضت إيده بكل وحشية.
​”آآآه.. يا بنت الـ…!” صرخ المجهول ورجع خطوة لورا وهو بيمسك إيده بوجع.
​غالية لقت فرصتها، لفت عشان تجري ناحية الباب وتصرخ، بس قبل ما تمد إيدها على الأكرة، النور نور فجأة، وظهر قصادها… طارق!
​ابتسم طارق بدم بارد وهو بيمسح الدم الخفيف من على إيده بمنديل، وبيبصلها بنظرة كلها سخرية وخبث:
“عضة شوارع أوي… شيريهان هانم عمرها ما كانت هتعمل كده. شيريهان كانت هترفع حاجبها وتشتمني بالفرنساوي، مش هتعض زي القطط البلدي. قوليلي بقى يا حلوة، عزيز مأجرك بكام عشان تلعبي الدور ده؟”
​غالية حست إن الأرض بتتشق وتبلعها. اتكشفت! كل حاجة انتهت، وأبوها هيموت في المستشفى. طارق كان بيقرب منها خطوة بخطوة، والشر بيلمع في عينيه.
​لكن في اللحظة دي، افتكرت وش أبوها وهو بيتألم، افتكرت أجهزة العناية المركزة، والديون اللي هتسجنه لو عاش. لو استسلمت دلوقتي، هتموته بإيدها. الضعف اللي في عينيها اتبخر فجأة، وحل مكانه غضب أعمى.
​رفعت راسها، ومسحت دموعها بعنف، وبصتله بنظرة كلها احتقار وقوة مكنتش تعرف إنها تملكها:
“إنت فاكر إن حادثة زي دي هتسيبني زي ما أنا يا طارق؟ أنا شفت الموت بعيني! ولما رجعت، قررت إني مش هكون البنت الكيوت اللي بتسكت على حقها. أنا شيريهان، واللي هيقف في طريقي هفعصه بمدزمتي… وأولهم إنت!”
​طارق ملامحه اتغيرت، للحظة بان عليه الشك. الثقة اللي اتكلمت بيها زلزلت يقينه إنها مزيفة.
​”برافو يا شيري…”
صوت تسقيف بطيء ومرعب جه من ورا طارق.
​كان عزيز، ساند على إطار الباب، عينيه بتطق شرار، بس ملامحه هادية ببرود يجمّد الدم في العروق.
“طارق… لو فكرت تقرب من أختي تاني، أو تختبر أعصابها في الضلمة، صدقني… هخليك تتمنى الموت وماتطولوش.”
​طارق بلع ريقه بتوتر، رفع إيده الاتنين باستسلام مصطنع وقال بضحكة سمجة: “إيه يا عزيز؟ كنت بهزر معاها بشوف أعصابها بعد الحادثة. حمدلله على سلامتك يا شيري.”
سابهم طارق وخرج بسرعة من الأوضة.
​انهيار الأقنعة
​أول ما طارق اختفى، غالية رجليها شالتهاش، وقعت على ركبها على الأرض وانهارت في العياط. جسمها كله كان بيتنفض.
عزيز قفل الباب بالمفتاح، وقرب منها، ونزل لمستواها.
​”قومي.” قالها بصوت خشن بس فيه نبرة غريبة، أهدى من الأول.
“إنت كدبت عليا!” صرخت غالية بصوت مكتوم وهي بتضربه على صدره بضعف: “إنت جايبني هنا أموت مكانها! هو عارف إني مش هي.. طارق قالي إنها ماتت قدام عينيه! إنت بتلعب بيا عشان تورث؟”
​عزيز مسك إيديها الاتنين وثبتهم، وبصلها في عينيها مباشرة. ولأول مرة من ساعة ما شافته، غالية تشوف الجليد اللي في عينيه بيدوب، وبيظهر مكانه قهر ووجع حقيقي.
​”شيريهان مماتتش…” همس بصوت مبحوح.
قام وسحبها من إيدها وقفها، وطلع موبايله من جيبه، فتح فيديو وحطه قدام عينيها.
​غالية شهقت وحطت إيدها على بوقها.
الفيديو كان لبنت نسخة طبق الأصل منها، نايمة على سرير في مستشفى كلها أجهزة متطورة، وشها مليان جروح، متوصلة بجهاز تنفس صناعي، وحالتها تصعب على الكافر.
​”دي أختي… حتة مني.” عزيز قالها وصوته بيترعش لأول مرة: “طارق هو اللي قطع فراملها. لو اتأكد إن دي مش شيريهان وإنك مجرد شبيهة، هيعرف إن شيريهان لسه عايشة، وهيدور عليها في كل مستشفيات أوروبا لحد ما يوصلها ويقتلها بجد. إنتي مش بس بتنقذي أبوكي يا غالية… إنتي بتنقذي روح بريئة مالهاش ذنب غير إن طمع ولاد عمها عماهم.”
​غالية بصت لعزيز، شافت فيه أخ مكسور بيحاول يحمي أخته بكل الطرق، حتى لو بالخداع. قلبها وجعها عليه وعلى البنت اللي نايمة بين الحياة والموت.
​عزيز مسح وشه بإيده ورجع لبروده المعتاد، وقال بصرامة:
عشان تعيشي هنا وتكملي المهمة، لازم تمشي على القواعد دي بالحرف:
​أولاً: طارق مش متأكد إنك مزيفة، هو كان بيرمي طعم عشان يشوفك هتنهاري وتكشفي نفسك ولا لأ، وإنتي نجحتي إنك تخليه يشك في نفسه.
​ثانياً: باب جناحك يتقفل عليكي بالمفتاح من جوه كل ليلة، وماتفتحيش لأي مخلوق مهما حصل.
​ثالثاً: من بكرة، هتبدأي تدريب قاسي عشان تبقي شيريهان في كل تفصيلة، من طريقة الأكل للكلام للغات.
​زائر منتصف الليل
​الساعة دقت 2 بالليل.
غالية كانت في جناحها، غيرت الفستان ولبست بيجامة حرير واسعة. نامت على السرير الضخم وهي بتبص للسقف، بتحاول تستوعب اليوم المرعب اللي عاشته. طيف أبوها مش مفارق خيالها، بتدعي ربنا يشفيه ويعدي الأيام دي على خير.
​النوم بدأ يغلبها… لحد ما سمعت صوت خربشة خفيفة أوي جاية من ناحية البلكونة.
فتحت عينيها ببطء، الأوضة كانت ضلمة إلا من نور القمر اللي داخل من الإزاز.
​شافت خيال أسود لراجل واقف بره البلكونة. بيحاول يفتح القفل بآلة حادة.
طِق… القفل اتفتح!
​غالية كتمت صرختها بإيدها، ونزلت من على السرير بخفة ورعب، وزحفت استخبت تحت السرير الطويل في اللحظة اللي باب البلكونة اتفتح فيها ببطء.
خطوات تقيلة ومكتومة دخلت الأوضة. الشخص ده كان ماسك في إيده حاجة بتلمع في الضلمة… سرنجة كبيرة!
​كان بيقرب من السرير خطوة خطوة، وغالية تحت السرير كاتمة أنفاسها، حاسة إن قلبها هيقف من الرعب. الشخص وقف بالظبط قدام السرير، وبدأ يرفع الغطا…
​وفي اللحظة القاتلة دي… موبايل غالية اللي عزيز جابهولها، واللي كانت سيباه على الكومودينو، رن بصوت عالي جداً!
الشاشة نورت الأوضة، والاسم المكتوب عليها كان: “مستشفى والدك – طوارئ”
​الشخص المجهول اتجمد مكانه، وببطء شديد… نزل راسه وبص تحت السرير، وعينيه اتقابلت مع عيون غالية المرعوبة!
​… يتبع للكاتبه سهر محمد
في الجزء الثالث باقي الاحداث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *