حكايه عمار وجميله الجزء الاخير
الجزء الأخير
الكاتبة ملك إبراهيم
في نفس اللحظة – مكتب عمار
كريم كان لسه ماسك موبايله وبيهدد: “دوسة واحدة يا عمار وأمي تشوف الصور.”
عمار قرب منه ومسكه من لياقة قميصه: “جرب كده… جرب.”
وفجأة…
صوت الباب الخلفي الحديد وهو بيتقفل بره.
الاتنين سكتوا وبصوا لبعض. صوت كريم علي وهو بيزعق: “سمعت ده؟ في حد عند باب المطبخ!”
عمار سابه وجري على المطبخ. كريم وراه. نور المطبخ كان مقفول. بس باب الخدم اللي المفروض مقفول… كان موارب.
قلبه وقع.
“جميلة.” قالها بصوت ميت.
كريم جه بص وفهم في ثانية. وشه جاب ألوان.
“الهانم هربت… هربت بسببك!”
عمار ماردش. جري على الباب الرئيسي يفتحه بسرعة. البواب كان صاحي، حاول يوقفه: “على فين يا عمار بيه؟”
“افتح البوابة حالًا!” زعق فيه عمار.
البواب فتح وهو مرعوب. عمار اندفع للشارع الجانبي الضلمة وهو بينادي:
“جمــيلة! جمــيلة استني!”
من شباك الدور التاني، نيفين كانت صحيت على صوت الزعيق. بصت من الشباك وشافت عمار بيجري في الشارع زي المجنون، وكريم واقف في جنينة البيت مصدوم.
“فـي إيه؟ بتعملوا إيه الفجر؟” صرخت وهي نازلة السلم جري.
يتبع…
—
الفصل الخامس:
“جمــيلة! استني!”
صوت عمار كان مبحوح وهو بيجري في الشارع الجانبي الضلمة. الأدرينالين مخليه مش حاسس بحاجة.
جميلة سمعت صوته فزادت في الجري. عبايتها السودة بتطير وراها، والطرحة اتفكت وشعرها القمحاوي بان في نور عمود واحد. بتعيط وهي بتجري. “سيبني… أبوس إيدك سيبني أروح في داهية بعيد عنكم.”
عمار لمح خيالها وهي بتلف من ناصية الشارع على الشارع العمومي. داس أكتر. وصل الناصية في ثواني.
لقاها واقفة في نص الشارع العمومي الفاضي. واقفة بتترعش، بتبص حواليها زي القطة اللي تاهت. الفجر بيأذن، وصوت الأذان مالي السما.
“جميلة!” نده بصوت واطي المرة دي وهو بيقرب بالراحة كأنه خايف تفزع وتجري تاني.
لفت له. وشها غرقان دموع وتراب، وكف إيديها متخربش من وقعة بسيطة وهي بتجري. أول ما شافته انهارت على ركبها في نص الأسفلت.
“ليه؟ ليه جيت ورايا؟” صرخت فيه. “عايز ترجعني للذل تاني؟ عايز أخوك يكمل ابتزاز؟”
عمار وقف قصادها. شال جاكيت بدلته ورماه على كتفها يغطيها. نزل على ركبه في الشارع قدامها، ميهموش المنظر ولا هدومه اللي باظت.
“أنا آسف.” قالها ببساطة.
الكلمة وقفت عياطها ثانية. بصت له بذهول. الأستاذ عمار المحامي الكبير على ركبه في الشارع بيقولها آسف؟
“آسف على إيه؟” قالتها من بين شهقاتها.
“آسف إنك عيشتي أسبوعين في بيتنا خدامة وأنا مش داري.” صوته اتكسر. “آسف إن أمي عملت فيكِ كده. آسف إن كريم حيوان. آسف إني معرفتش أحميكِ.”
سكت شوية والأذان شغال “حي على الصلاة”.
“بس هروبك مش حل يا جميلة. أنتي هتروحي فين دلوقتي؟ فيكي حيل تروحي فين بـ 200 جنيه؟”
جميلة رفعت وشها المكسور: “أروح أي حتة. أنام على الرصيف أكرملي من إني أرجع بيتكم. أنا مش عايزة أكون السبب في إنك تخسر أهلك. كريم معاه صور…”
عمار مسك دراعها براحة، مش زي مسكة كريم المتوحشة.
“قومي.”
“مش هرجع.”
“مقولتش ترجعي البيت.” عينه كانت ثابتة في عينيها. “بس مش هسيبك في الشارع. قومي هوديكِ مكان آمن.”
“فين؟”
“شقتي.”
جميلة شهقت وشدت دراعها: “لا!”
“شقتي اللي قافلها من سنين وقاعد مع أمي عشان شغل المكتب.” كمل بسرعة وهو شايف الرعب في عينيها. “محدش يعرف مكانها. هتقعدي فيها يومين بس لحد ما أفكر هنعمل إيه. أوعدك يا جميلة، والله العظيم ما حد هيقربلك. أنتي بنت عمتي… وكرامتك من كرامتي.”
كلمة “بنت عمتي” خلت حاجة تتهز جواها. من إمتى حد قالها إن كرامتها تهمه؟
بصت له. الغضب اللي كان في عينه الصبح اتحول لخوف. خايف عليها بجد.
في اللحظة دي، نور عربية ضرب فيهم من بعيد. الاتنين اتلفتوا. كريم كان راكن بعيد بيراقب بيت عمار من ساعة الخناقة، متوقع إنها هتهرب عليه. أول ما شافهم نزل بيجري عليهم ووشه أسود.
“أهو أنتو هنا!” زعق كريم وهو جاي. “بقى بتجري وراها يا عمار؟”
جميلة اتخضت واستخبت ورا عمار لا إرادياً. مسكت في جاكيت بدلته.
عمار وقف بينها وبين كريم. ضهره ليها ووشه لأخوه.
“امشي يا كريم. دلوقتي.”
“أمشي؟ ده على جثتي.” كريم طلع موبايله. “أنا هتصل بماما حالاً. وهتيجي تشوف ابنها المحترم على ركبه في نص الشارع عشان خدامة هربانة.”
عمار خطى خطوة واحدة مسك كريم من رقبته وزقه على حيطة بيت. صوته كان فحيح:
“اسمعني كويس يا كريم. الصور اللي معاك دي لو طلعت للنور، أنا اللي هفضحك قدام أمي. هحكيلها كنت بتقول عليا إيه لصحابك، وهوريها إنك بتبتز بنت عمتك. أنت فاهم بتتكلم مع مين؟”
كريم وشه جاب ألوان. أول مرة يشوف عمار كده.
“أنت… أنت بتهددني عشانها؟”
“أنا بحمي بنت عمتي منك.” عمار سابه وزقه بعيد. “ودلوقتي هتاخد عربيتك وترجع البيت تقول لأمي إن جميلة تعبت وراحت تبات عند صاحبتها. سامع؟”
كريم بص لجميلة اللي مستخبية ورا عمار وبتترعش. بص لأخوه اللي عروق رقبته هتفرقع. فهم إن الموضوع كبر أوي.
“ماشي يا عمار.” تف في الأرض. “ماشي… بس اللعب على كبير، وأنا بعرف ألعب.”
ركب عربيته ورزع الباب ومشي.
الصمت رجع تاني. صوت الأذان خلص. نور الفجر بدأ ينور الشارع.
عمار لف لجميلة. كانت لسه ماسكة في جاكيت بدلته وباصة في الأرض.
“يلا.” مد إيده. “مفيش وقت. على ما أمي تصحى وتبدأ تقلب الدنيا.”
جميلة بصت لإيده الممدودة. إيد متخربشة بس… آمان.
بعد أسبوعين ذل، أول إيد تتمد لها مش عشان تضربها أو تذلها أو تبتزها.
إيد عايزة تنقذها.
حطت إيديها المتعورة في إيده.
“وديني… وديني أي مكان بعيد عنهم.”
عمار قفل إيده على إيديها وجرها ناحية عربيته اللي كان راكنها بعيد.
وهو بيفتح لها الباب، همس لنفسه: “حقك عليا يا بنت عمتي… حقك عليا هيرجع.”
وركبوا العربية والفجر بيطلع.
سايبين وراهم بيت نيفين هانم اللي خلاص… النار هتقوم فيه أول ما الشمس تطلع.
يتبع…
—
الفصل السادس:
المفتاح لف في الباب. عمار فتحه ودخل الأول وولع النور.
الشقة كانت مقفولة بقالها سنين. ريحة التراب مالية المكان. عفش متغطي بملايات بيضا.
جميلة واقفة على الباب مترددة. خايفة تدخل.
“ادخلي.” قالها عمار بهدوء. “متخافيش.”
دخلت وهي حاضنة جاكيت بدلته عليها. عينيها بتلف في المكان. في هدوء.
عمار شال الملاية من على كنبة: “اقعدي. هترتاحي هنا الليلة دي.”
قعدت على طرف الكنبة زي العصفورة المبلولة. كف إيديها متخربش من الوقعة.
عمار دخل المطبخ، فتح الحنفية بعد ما كحّت من الصدا، وطلع علبة إسعافات أولية من الدرج. جابها وقعد على ترابيزة قصادها.
“وريني إيدك.”
“لا… أنا هعملها.”
“جميلة.” بص لها بصة خلتها تسكت.
مسك إيدها براحة ومسح الخربوش بقطنة وبيتادين. إيديه ثابتة وحنينة.
جميلة كانت باصة في السقف، بتعض شفتها عشان متحسسوش إنها موجوعة. لأول مرة حد بيداويها. أمها الله يرحمها كانت آخر واحدة تعمل كده.
“خلاص.” لزق البلاستر وقام. “الحمام أول باب على اليمين. في ترينج رياضي بتاعي جديد في الدولاب، لسه بالتيكيت… كنت جايبه ومقاسه صغير عليا. خدي شاور والبسيه. هتلاقي نفسك بني آدمة.”
كلمة “بني آدمة” كسرتها. دموعها نزلت وهي قايمة رايحة الحمام.
“شكراً.” همست من غير ما تبص له.
—
بعد نص ساعة طلعت. لابسة الترينج، واسع عليها شوية، وشعرها مبلول ومتسرح. من غير جلابية الخدم، من غير تراب المطبخ. شكلها… بنت عندها 20 سنة. جميلة فعلاً.
عمار كان عمل شاي وحطه على الترابيزة. شايفها واقفة مترددة.
“تعالي اشربي شاي. مش هكلمك في حاجة النهاردة. نامي وبكرة يحلها ربنا.”
قعدت قصاده. مسكت كوباية الشاي بإيديها الاتنين. الدفا سرى فيها.
سكتوا دقيقة. بس الفضول كان هيقتل عمار.
“جميلة…”
“نعم؟”
“أمي… عملت فيكِ كده ليه؟” ساب الكوباية. “أنا لازم أفهم. أمي قاسية آه، بس مش للدرجة دي. مش مع بنت أختها.”
جميلة بصت في الشاي. الدموع رجعت تاني.
“عشان… عشان بتكره أمي. طول عمرها بتكرهها.”
عمار اتعدل في قعدته: “بتكره خالتي؟ ليه؟”
“عشان أبويا.” رفعت عينيها له. “عشان أبويا، اللي هو خالك، كان هيتجوز أمي الأول.”
الكوباية كانت هتقع من إيد عمار.
“إيه؟”
“أيوه.” هزت راسها. “ماما حكت لي قبل ما تموت. خالك الله يرحمه كان بيحب ماما، وراح خطبها. بس جدي رفض عشان كان فقير وقتها. بعدها بسنة، مدام نيفين هي اللي راحت اتقدمت له. عيلة غنية، وأبوها له اسم. خالك اتجوزها صالونات عشان يرضي أبوه.”
عمار ساند ضهره للكنبة كأنه مضروب على دماغه. عمره ما سمع الحكاية دي.
“وبعدين؟”
“وبعدين خالك قابل ماما صدفة بعد جوازه بسنتين. كان لسه بيحبها. واتجوزوا.” بلعت ريقها. “مدام نيفين عرفت. ومن يومها وهي شايلة من أمي. بتقول إنها خطافة رجالة. لما أبويا مات، ولما ماما بقت لوحدها ومريضة… مدام نيفين قالت دي فرصتها تشفي غليلها. تشفيه فيا أنا.”
الصمت نزل تقيل. عمار قام وقف راح للشباك. فتحه. هوا الفجر دخل. كان حاسس إنه بيتخنق.
“يعني أمي… بتخلص تار قديم. تار من 25 سنة… فيكِ أنتي؟”
“أيوه.” قالتها وهي بتمسح دمعة. “قالت لي أول يوم: أمك خدت مني جوزي، وأنا هاخد منك كرامتك.”
عمار ضرب كف على كف. لف لها وعينه فيها نار وألم.
“وأبويا؟ أبويا كان عارف؟”
“خالك الله يرحمه مات وأنا صغيرة. مظنش كان يعرف حاجة عن اللي بيحصل.”
عمار رجع قعد قصادها. لأول مرة يحس إنه مش عارف أمه. الست اللي ربته.
“جميلة… اسمعيني كويس.” مسك كوباية الشاي الباردة بتاعتها وحطها في إيديها تاني. “أقسم بالله، اللي حصل لك في بيتنا ده، مش هيتكرر تاني. ولا كريم هيقربلك، ولا أمي هتشوف ضفرك.”
“هتعمل إيه؟”
“هاخد حقك. وحق أمك.” عينه كانت بتلمع في الضلمة. “بس أوعديني، متخافيش مني. أنا مش زيهم. أنتي بنت عمتي… يعني لحمي ودمي.”
جميلة بصت له. الخوف اللي كان مالي عينيها من ساعة بدأ يهدى سنة. لأول مرة من أسبوعين… تحس بالأمان.
“هنام فين؟” سألت بصوت واطي.
عمار شاور على أوضة النوم: “دي أوضتي زمان. سريرها نضيف. أنا هفرش على الكنبة هنا. اقفلي عليكِ الباب بالمفتاح. محدش هيخش.”
قامت وهي ماسكة كوباية الشاي. قبل ما تدخل الأوضة وقفت في الطرقة.
“أستاذ عمار؟”
“قولي يا جميلة.”
“هو… هو حضرتك ليه بتعمل معايا كده؟ ممكن تسيبني وتكبر دماغك.”
عمار بص لها. شاف أمه فيها. شاف خالته الله يرحمها. شاف الظلم.
“عشان لو أبويا كان عايش، كان هيقطع رقبة أي حد يفكر يذل بنت أخوه.” قالها بجمود. “وأنا ابن أبويا.”
دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح. سندت ضهرها عليه وانهارت في العياط. بس المرة دي… عياط براحة.
عياط واحدة حست إن ليها ضهر أخيراً.
بره، عمار كان واقف في الصالة الضلمة. طلع موبايله. مفيش ولا رسالة من أمه لسه… معنى كده إن كريم مبلّغش. لسه.
فتح الكونتاكت، ودور على اسم: “نيفين هانم”.
صوباعه كان متردد على زرار الاتصال.
هيواجهها إزاي؟ هيقولها إيه؟
قفل الموبايل ورماه على الكنبة.
الحرب دي مش هتخلص بمكالمة.
الحرب دي عايزة خطة.
بص لباب الأوضة المقفول.
“نامي يا جميلة… نامي من غير خوف النهاردة. من بكرة، كل حاجة هتتغير.”
يتبع…
—
الفصل السابع: المواجهة
الشمس دخلت من شباك الأوضة. جميلة فتحت عينيها ببطء. لأول مرة من شهور تصحى من غير صوت نيفين هانم.
قامت غسلت وشها وطلعت الصالة. عمار كان صاحي، قاعد بفنجان قهوة وملفاته قدامه بس مش مركز. أول ما شافها ابتسم ابتسامة خفيفة.
“صباح الخير. نمتي كويس؟”
هزت راسها: “أيوه… أول مرة من زمان.”
سكتت شوية وبعدين خدت نفس عميق:
“أستاذ عمار… أنا فكرت طول الليل.”
عمار حط الفنجان: “في إيه؟”
“أنا مش هفضل مستخبية.” صوتها كان ثابت لأول مرة. “ولا هفضل هربانة وخايفة. أنا معملتش حاجة غلط عشان أستخبى. أمي معملتش حاجة غلط.”
عمار قام وقف: “قصدك إيه؟”
“قصدي إني عايزة أواجه مرات خالي.” عينيها كانت فيها قوة جديدة. “بس مش لوحدي. لو أنت جنبي… أنا مش خايفة من حد. عايزة أخد حقي، وحق أمي، وأنا رافعة راسي.”
عمار بص لها دقيقة كاملة. البنت المكسورة بتاعة المطبخ اختفت. قدامه واحدة قوية، وشها القمحاوي فيه كرامة.
قرب منها وقال: “وأنا جنبك. قد الدنيا كلها. يلا بينا.”
—
في بيت نيفين هانم – بعد ساعة
البيت كان مقلوب. نيفين هانم عرفت بهروب جميلة من كريم الصبح، وكان وشها أصفر من الغضب.
“يعني إيه هربت؟ وإزاي؟ وأنت كنت فين يا كريم؟”
كريم واقف ساكت. مش عارف يقول إن أخوه هو اللي مهربها.
وفجأة جرس الباب رن.
الخدامة فتحت، وقلب نيفين وقع.
عمار داخل… وماسك إيد جميلة.
نيفين قامت زي الملسوعة: “أنت!! أنتي إيه اللي رجعك هنا؟ وازاي تمسكي إيد ابني؟”
عمار وقف قدام أمه. صوته هادي بس زي الحديد: “سيبيها يا أمي. الكلام معايا أنا.”
“كلام إيه يا عمار؟ البنت دي خدت جزاءها وهربت، جايبها ليه؟”
“عشان دي مش خدامة.” قالها بصوت عالي سمع البيت كله. “دي جميلة بنت عمتي. بنت خالك الله يرحمه. واللي أنتي عملتيه فيها، كفاية.”
نيفين شهقت وحطت إيديها على قلبها: “أنت اتجننت؟”
“لا يا أمي، أنا فوقت.” عمار كمل. “عرفت كل حاجة. عرفت إنك بتخلصي تار قديم من واحدة ميتة… في بنتها اليتيمة. أبويا لو كان عايش كان اتبرى منك.”
كريم كان واقف مصدوم. أول مرة يشوف عمار بيكلم أمه كده.
جميلة كانت ماسكة إيد عمار وبتترعش، بس واقفة وراسها مرفوعة.
نيفين بصت لجميلة بكراهية: “وأنتي فرحانة؟ فاكرة إنك كده كسبتي؟”
جميلة خدت نفس واتكلمت لأول مرة: “أنا مش عايزة أكسب يا مرات خالي. أنا عايزة حقي بس. حقي إني أعيش بكرامة. أمي ماخدتش منك حاجة… أبويا هو اللي اختارها. وذنبها الوحيد إنها حبته.”
الكلمة نزلت على نيفين زي الصاعقة. رجعت خطوة لورا وقعدت على الكنبة. كأنها شافت شبح أختها. سكتت دقيقة كاملة، وبعدين دموعها نزلت. عياط ندم وكبرياء مكسور.
الصمت قطعته دقيقة كاملة. عمار بص لأمه، وبص لجميلة.
“من النهاردة، جميلة هتعيش هنا.” قالها بحزم. “مش خدامة. هتعيش بنت عمتي. في أوضتها، بتتعلم في جامعتها، بكرامتها. واللي مش عاجبه… الباب يفوت جمل.”
كريم قرب منهم ببطء. بص لأخوه الكبير، ولأول مرة يحس بالخزي من نفسه.
“أنا… أنا آسف يا عمار.” قالها بصوت مكسور. “آسف يا جميلة. كنت حقير. سامحوني.”
عمار ساب إيد جميلة وحضن أخوه. حضن رجالة. “سامحتك يا كريم. المهم إنك فوقت.”
كل العيون اتحولت على نيفين. كانت ساكتة، دموعها نازلة على وشها اللي كبر 10 سنين في دقيقة. قامت وقفت مشيت لحد جميلة.
رفعت إيديها… جميلة غمضت عينيها بخوف.
بس إيد نيفين نزلت على كتفها طبطبة. طبطبة خفيفة مرتعشة.
“سامحيني يا بنت أختي.” قالتها بصوت متحشرج. “سامحيني… شيطاني عمايني. أمك كانت أحسن مني.”
جميلة مقدرتش تمسك نفسها. الدموع نزلت من غير صوت. هزت راسها بس.
نيفين بصت لعمار: “خدها أوضتها… أوضة الضيوف اللي فوق. من النهاردة دي أوضتها. وأنا اللي هجهزها.”
عمار ابتسم لأول مرة من الصبح. مسك إيد جميلة.
“يلا يا جميلة… يلا على بيتك.”
وهو طالع بيها السلم، همس لها: “مش قولتلك حقك هيرجع؟”
جميلة بصت له والدموع في عينيها بس المرة دي دموع راحة: “قولتلي… وأنا صدقتك.”
بعد 6 شهور
زغاريد طالعة من بيت نيفين هانم.
جميلة واقفة في أوضتها بفستان خطوبة لبني بسيط. عمار واقف قصادها ماسك علبة قطيفة صغيرة.
“تتجوزيني يا جميلة؟” قالها وهو بيفتح العلبة. “بعد ما تخلصي جامعتك… تتجوزيني ونبدأ صفحة جديدة مفيهاش ظلم قديم؟”
جميلة عينيها دمعت. دي المرة الأولى اللي حد يطلبها عشانها هي. مش شفقة، مش حماية… حب.
هزت راسها: “موافقة يا ابن خالي… موافقة.”
بره الأوضة، نيفين كانت واقفة سامعة كل حاجة. ابتسمت بحزن وفرح في نفس الوقت.
راحت لكريم اللي كان قاعد سرحان.
“قوم يا كريم.” طبطبت على كتفه. “قوم بارك لأخوك وبنت عمتك. كفاية اللي فات… كفاية أوي.”
الظلم اتقفل بابه، والخدامة بقت بنت البيت، والكره بدأ يدوب.
والمشوار لسه طويل…”
تمت. ❤️
الكاتبة ملك إبراهيم
—