حكايه طارق ونور للكاتبه سهر محمد

أنت اتجننت؟ مستحيل تاخده مني! ده ابني أنا… أنا اللي سهرت وتعبت وربيته!”

رد هو ببرود قاتل بيحاول يداري بيه غضبه: “ابنك بالغلط! الدم اللي بيجري في عروقه دمي أنا، واسمه لازم يرجع لاسم عيلتي!”

المحامي وهو بيمسح وشه بإرهاق: “يا جماعة اهدوا، الصوت العالي مش هيحل الكارثة دي.”

​وقف طارق قدام المكتب الإزاز، فك زرار بدلته كأنه مش قادر يتنفس، ملامحه الحادة كانت مشدودة وعروق رقبته نافرة. عينه كانت متثبتة على “نور” اللي كانت قاعدة على الكرسي كأنها بتتحامى فيه، ضامة في حضنها لعبة “سبايدر مان” صغيرة بتاعت ابنها، وبترتعش كلها.

​قالها طارق بصوت واطي بس يخوف: “عمر ابني… التحاليل أثبتت ده، والمستشفى اعترفت بالغلطة اللي حصلت من ست سنين وقت الولادة. أنا مش هسيب ابني يتربى بعيد عني دقيقة كمان.”

​رفعت نور عينيها المليانة دموع، بس كان فيها نظرة تحدي شرسة، نظرة أم بتدافع عن روحها

​نور بوجع وصوت مكسور: “ابنك؟ هو عشان حتة ورقة وتحليل دم بقى ابنك؟ ابنك ده أنا اللي كنت بسهر جنبه وهو بيكح لحد الصبح! أنا اللي بعت دهبي عشان أعمله عمليته وهو عنده سنة ونص لما أبوه مات وسابنا! أنت كنت فين؟ كنت بتعد فلوسك وبتكبر شركاتك!”

​قرب طارق خطوة وضرب بإيده على المكتب بعصبية: “ما هو ده اللي بيجنن! أنا طول السنين دي بربي ولد مش ابني، وأوفرله كل حاجة، وفي الآخر أكتشف إن ابني الحقيقي اتربى في الفقر ده؟ بالذوق كده يا نور، هتاخدي الولد اللي عندك، وتجيبيلي عمر… وكل حقوقك المادية أنا هتكفل بيها.”

​نور وقفت مرة واحدة، ودموعها نزلت على خدها بغزارة، بس صوتها كان حاسم: “أنت فاكر العيال بضاعة هنبدلها؟ ياسين اللي معاك ده حتة مني، وعمر اللي معايا ده روحي! عايزني أرمي واحد وأخطف التاني من حضن اللي رباه؟ مستحيل!”

​طارق سكت، غمض عينه بقلة حيلة. هو كمان قلبه بيتقطع على “ياسين” اللي رباه ست سنين، بس عقله مش قادر يستوعب إن لحمه ودمه مع واحدة غريبة.

ساد الهدوء في الأوضة لثواني كانت أتقل من جبال. المحامي قعد على كرسيه، حط إيده على دماغه وقال بنبرة مليانة يأس: “يا طارق بيه، الموضوع مش بالبساطة دي.. القض*ية دي لو دخلت المحاكم هتفضل سنين، والضحية الوحيدة هما الأطفال. الإعلام لو شم خبر عن غلطة المستشفى دي، أسهم شركاتك هتسقط في الأرض، والأولاد حياتهم ونفسيتهم هتتدمر.”

​طارق فتح عينه فجأة، والنظرة العاجزة اللي كانت فيها اختفت تماماً، وحل مكانها برود مخيف.. اتجه ناحية المكتب، مسك ملف أسود ثقيل كان مرمي قدامه، ورماه بقوة قدام نور على الترابيزة.

​طارق بابتسامة حادة كلها ثقة: “ومين قال إننا هنستنى المحاكم؟ الملف ده فيه أمر قضائي مستعجل بتسليم ‘عمر’ ليا، وبثبوت النسب الرسمي.. أنا معايا السلطة والفلوس اللي تخيلني آخد ابني دلوقتي حالا وبقوة القانون يا نور.”

​شهقت نور، وحطت إيدها على قلبها، ورجعت بضهرها لورا كأنها اتضربت قلم: “أنت بتهزر.. أنت مش بني آدم! عايز تحرمني من ابني اللي ربيته بدم قلبي؟”

​قرب طارق منها بخطوات بطيئة، وطّاط لمستواها لحد ما بقت عينيه في عينيها مباشرة، وصوته نزل لطبقة همس مرعبه: “أنا مش هحرمك منه.. وأنا عارف إنك مش هتقدري تسيبيه، ولا أنا هقدر أفرّط في ياسين اللي اتعلّقت بيه.. عشان كده، قدامك حل واحد مفيش غيره، يا تقبليه يا إما تخسري ‘عمر’ للأبد وما تشوفيش وش ‘ياسين’ تاني!”

​نور كانت بتتنفس بصعوبة، عينيها المليانة دموع متثبتة على ملامحه الشرسة: “حل إيه؟”

​طارق وقف بثبات، عدّل لياقة بدلته وقال بمنتهى الجدية: “تدخلي بيتي.. تعيشي في القصر عندي تحت سقف واحد معايا.. تكوني الأم والراعية للولدين، قدام الناس والعيلة، وبشروطي أنا.. ده الحل الوحيد إن الولدين يتربوا سوا وما يتفرئوش.”

​نور اتصدمت، لسانها اتعقد ومش قادرة تنطق كلمة.. فكرة إنها تعيش مع الراجل المغرور المستبد ده تحت سقف واحد كانت كابوس!

​ولسه هترد وتصرخ في وشه بالرفض، فجأة صوت رنين تليفون طارق هز الأوضة بصوت عالي ومزعج.

​طارق اتضايق وضغط على سنانه، طلع التليفون عشان يكنسل، بس أول ما شاف اسم المتصل—مربية الأطفال في القصر—حواجبه اتعقدت ورد بسرعة: “إيه يا دادة؟ في إيه ببتصلي دلوقتي ليه؟”

​صوت المربية من الناحية التانية كان جاي مرعوب وبيصرخ، والصوت كان عالي للدرجة اللي خليت نور والمحامي يسمعوه بوضوح من التليفون

صوت صريخ المربية المذعور انفجر من السماعة، صوت كان عالي كفاية للدرجة اللي خلت نور والمحامي يسمعوه ويثبتوا في مكانهم:
“طارق بيه الحقناااا! الولاد… الولاد مش في الأوضة! الباب الخلفي مفتوح، وفيه نقط د*م على الأرض ورسالة متسابة على السرير!”

​طارق اتجمد في مكانه، لونه اتخطف وأصبح باهت زي الج*ثة، والموبايل كان هيقع من إيده.
​نور هجمت عليه زي اللبؤة الجريحة، مسكت في ياقة بدلته وبتزقه بكل قوتها وهي بتصرخ بهستيريا:”عيالي فين؟! عملت فيهم إيه يا مجرم؟! انطق… عمر وياسين فين؟!”

​طارق ما ردش، كان حاسس بالدنيا بتلف بيه، وعقله مش قادر يستوعب الكلمات اللي الدادة كانت بتقرأهاله في التليفون بصوت بيترعش من الرعب… كلمات من جملة واحدة بس، كانت كفيلة إنها تهد عرش “طارق” وتدمر “نور” للأبد.
.. يتبع… حصري للكاتبه #سهر_محمد
​سقط الموبايل من إيد طارق، وضاع صوته في زحمة الصدمة. نور كانت بتهزه بإيديها الضعيفة بانهيار وهي بتصرخ بصوت يقطع القلب:
“انطق يا طارق! عيالي فين؟! ياسين وعمر فين?!”
​المحامي اتدخل بسرعة وحاول يمسك نور اللي كانت قربت تقع: “اهدوا يا جماعة، الحركة دي مش طبيعية، لازم نروح القصر فوراً ونفهم إيه اللي حصل!”
​طارق فاق من صدمته فجأة، وعيونه تحولت لشرار مرعب.. مسك نور من إيدها بقوة وسحبها وراه بصوت زي الرعد: “على العربية.. فكّي نفسك، ولادنا في خطر!”
​طول الطريق كانت عربية طارق بتشق شوارع القاهرة بسرعة جنونية، نور كانت بتعيط وبتبص من الشباك وهي بتدعي بقلب أم محروق، وطارق إيده مشدودة على الدركسيون وعروق إيده بارزة، عقله بيشتغل في ألف اتجاه.. مين اللي يعلم بموضوع الولاد؟ ومين التجشؤ ده اللي يتجرأ ويدخل قصر طارق بيه ويخطف ولاده؟
​في جناح الأطفال بالقصر
​فرملت العربية قدام البوابة المفتوحة على آخرها، أفراد الأمن كانوا واقفين مرعوبين ومشتتين. نور ما استنتش طارق يفتح لها الباب، نزلت تجري زي المجنونة، طلعت السلم لغاية جناح الأطفال.
​أول ما دخلت الأوضة، المنظر كان كفيل يوقف قلب أي أم.. الألعاب متطيرة في كل مكان، الكراسي مقلوبة، ونقط دم حمرا باردة متناثرة على السجادة البيضا الممتدة للباب الخلفي!
​نور صرخت صرخة مكتومة وضمت إيديها لوشها، وطارق دخل وراها بخطوات سريعة، عينيه الزايغة وقعت على السرير.. كان فيه ورقة سودا مطوية ومحطوطة في نص السرير بالضبط، ومكتوب عليها من برة باللون الأحمـر: “إلى طارق ونور”.
​طارق قرب بإيد بتترعش لأول مرة في حياته، مسك الورقة وفتحها، ونور قربت منه وهي بتتنفس بصعوبة عشان تقرأ معاه.. كانت الرسالة بتقول:
​”طول السنين دي كنت فاكر إنك القوي المتبوع يا طارق بيه.. بس الغلطة اللي حصلت في المستشفى من 6 سنين ما كانتش بالصدفة! احنا اللي بدلنا الولاد، واحنا اللي رجعنا ناخد حقنا المادي والمعنوي..
عاوز تشوف ‘عمر’ و’ياسين’ عايشين؟ بلاش شرطة، وبلاش ألعاب ذكاء..
الثمن مش فلوس من شركاتك.. الثمن هو السر اللي دفنته من 7 سنين يا طارق، ولو نور عرفته… هي بنفسها اللي هتسلمك للعدالة!”
​اللحظة الحاسمة
​نور رفعت عينيها لطارق بذهول ورعب حقيقي، دموعها اتجمدت في عينيها وصوتها خرج بحشرجة وهي بتبصله بنظرة شك قاتلة:
“أنت عارف مين دول؟ إيه السر ده؟ أنت عملت إيه من سبع سنين يا طارق؟! نطقك للسر ده هو اللي هيرجع ولادي؟!”
​طارق بلع ريقه بصعوبة، ولأول مرة يظهر في عينيه الخوف والارتباك.. لسه هيفتح بؤه عشان يدافع عن نفسه، فجأة.. شاشة التليفزيون الكبيرة المثبتة على حيطة الأوضة اشتغلت لوحدها تلقائياً!
​ظهرت على الشاشة إشارة مشوشة، وبعدها اتعرض فيديو مباشر.. كان فيه كرسيين صغيرين، مربوط عليهم “عمر” و”ياسين” ودموعهم نازلة من تحت شريط لاصق على بؤهم، ووراهما شخص مجهول متغطي بالكامل، ماسك في إيده جهاز توقيت بيعد تنازلياً!
​صوت معدل إلكترونياً خرج من سماعات الشاشة وقال بثبات مرعب:
“أهلاً بالوالدين العزيزين.. قدامكم 12 ساعة بس.. إما طارق يعترف لنور باللي عمله قدام الشاشة، أو القنبلة دي هتنفجر… ونور هي اللي هتختار مين في الولدين يترفض ومين يعيش!”
​فجأة الشاشة قفلت وصوت صفير حاد ملأ الأوضة، ونور صرخت بأعلى صوتها وهي بتقع على الأرض مغمى عليها، بينما طارق وقف متسمر في مكانه والدم أتدفق في عروقه كالجليد…

فتحت “نور” عينيها بصعوبة، رأسها كان يدور وكأن جبالاً أُطبقت عليه. وجدت نفسها ممددة على أريكة في صالة القصر، وطارق يجلس على الأرض بجوارها، وجهه مدفون بين يديه، وكتفاه العريضان يهتزان بضعف لم تره فيه من قبل.
​انتفضت نور فجأة، وعاد إليها شريط الأحداث ككابوس مرعب. صرخت بصوت مبحوح: “ولادي! التايمر بيعد يا طارق! فاضل كام ساعة؟! انطق إيه هو السر؟ مين اللي خطف ولادي؟!”
​رفع طارق وجهه الذي شحب تماماً، وعيونه الحادة كانت مليئة بانكسار حقيقي، وقال بصوت مهزوز:
“السر ده من سبع سنين يا نور… زوجك المرحوم، أحمد، كان بيشتغل محاسب في فرع من فروع شركاتي. وقتها، اكتشف تلاعب كبير واختلاسات بالملايين… التلاعب ده كان وراه ‘شريف’، أخويا الصغير اللي مات في حادثة من سنتين.”
​اتسعت عينا نور بصدمة، بينما أكمل طارق بمرارة:
“عشان أحمي اسم عيلتي وأخويا من السجن، طردت أحمد من الشركة، ولفقت له تهمة إهمال عشان صوته ما يوصلش لأي حد.. كنت فاكر إنها مجرد قرصة ودن، مكنتش أعرف إنه مريض ومحتاج فلوس العلاج.. مكنتش أعرف إن طردي ليه وكسرة نفسه هتكون السبب في تدهور حالته وموته بعدها بسنة وهو سايبك حامل في ‘عمر’.”
​نزلت كلماته كالصواعق على قلب نور. أنفاسها تسارعت، ورفعت يدها لتصفعه بقوة أسقطت وجهه للناحية الأخرى..
“أنت قاتل! أنت السبب في كل العذاب اللي عشته أنا وابني! ودلوقتي، بسبب غرورك وجبروتك، ولادي الاتنين هيموتوا!”
​لم يرفع طارق عينه فيها، بل قال بصوت أقرب للهمس: “اللي خطف الولاد هو ‘محمود’، أخو أحمد.. هو الوحيد اللي كان عارف القصة. أكيد هو اللي رتب تبديل الولاد في المستشفى عشان ينتقم مني في أعز ما أملك، ولما عرف إني وصلت لـ ‘عمر’، قرر يضرب ضربته الأخيرة وينهينا إحنا الاتنين.”
​نور وقفت على حيلها، ورغم دموعها، ظهرت في عينيها قوة أم تتحدى الموت: “حسابك معايا بعدين يا طارق.. دلوقتي، لو كلفني الأمر عمري، أنا هجيب عيالي.. قم فز من مكانك! معاك فلوس ونفوذ وتكنولوجيا، استعملهم حالا عشان نعرف المكان ده فين!”
​نظرة نور كانت الشرارة اللي أيقظت “الوحش” داخل طارق من جديد. وقف بسرعة، وتواصل مع “فريد”، رئيس طاقم حراساته وأكبر خبراء الأمن. خلال أقل من ساعة، وبتحليل الإشارة المشوشة للفيديو والانعكاسات اللي ظهرت في خلفية الشاشة، قدر فريد يحدد المكان: مصنع نسيج مهجور في أطراف المدينة، كان ملكاً لشركة طارق وتم تصفية عماله من سنوات!
​في المصنع المهجور – سباق مع الزمن
​وصلت سيارات الدفع الرباعي السوداء محيط المصنع في هدوء تام. الجو كان مظلماً وموحشاً. رفضت نور البقاء في السيارة، أصرت أن تدخل مع طارق، الذي أعطاها مسدساً صغيراً وقال لها بصرامة: “خليكي ورايا، ومش هتفارقيني لحظة.”
​اقتحم طارق ورجاله المكان. كان المصنع عبارة عن متاهة من الآلات الصدئة. وفي منتصف الصالة الكبرى، كان “عمر” و”ياسين” مربوطين بكرسيين، يبكيان برعب، وفي منتصفهما حقيبة سوداء يخرج منها أسلاك، وجهاز توقيت يضيء باللون الأحمر: … خمس عشرة دقيقة فقط!
​”ياسين! عمر!” صرخت نور وركضت نحوهم، لكن طلقة نارية انطلقت في الهواء، لتتوقف نور في مكانها.
​خرج “محمود” من بين الظلام، ممسكاً بمسدس وجهاز تحكم، وابتسامة جنونية على وجهه:
“أهلاً بطارق بيه! وأهلاً بمرات أخويا اللي جاية تدافع عن قاتل جوزها! جيتوا في وقتكم.. قدامكم ربع ساعة. اختاري يا نور، تفكي مين فيهم؟ ابنك اللي من لحمك ودمك، ولا ابن القاتل اللي ربيتيه؟!”
​طارق تقدم خطوة، وفتح ذراعيه قائلاً بهدوء وحذر: “محمود، مشكلتك معايا أنا. سيب الولاد ونور يمشوا، وأنا تحت أمرك.. اقت*لني، خد ثروتي، اعمل اللي يريحك، بس الأطفال ملهمش ذنب!”
​ضحك محمود بهستيريا: “الأطفال هما اللي هيحرقوا قلبك زي ما حرقت قلبنا على أخويا! اختاري يا نور!”
​نور نظرت للطفلين، كلاهما يبكي ويناديها: “ماما!”. قلبها كان يتمزق لألف قطعة. التفتت لمحمود وقالت بصوت قوي يهز الجدران:
“أنا أمهم هما الاتنين! ومش هسيب ولا واحد فيهم.. لو هتدوس على الزرار ده، يبقى هنموت كلنا هنا!”
​في لحظة غضب وتشتت من محمود بسبب رد فعل نور، طارق استغل الفرصة، وبحركة سريعة ومدروسة، انقض عليه كالنمر الشرس. التحم الاثنان في عراك مميت. الرصاصة الثانية خرجت طائشة لتستقر في كتف طارق، لكنه لم يتوقف. رغم الدماء التي نزفت منه، ضرب محمود بقوة أسقطت المسدس وجهاز التحكم من يده.
​في هذه الأثناء، ركضت نور نحو الأطفال، وبدأت تفك الحبال بأيديها المرتجفة. التايمر يصرخ: ****.
​فريد (رئيس الحرس) اقتحم المكان مع بقية الرجال، وسيطروا على محمود تماماً.
صرخ فريد: “طارق بيه! القنبلة دي معقدة جداً، مفيش وقت نفكها، لازم نخرج فوراً!”
​كانت نور قد نجحت في فك الطفلين، وضمتهما لحضنها بقوة. طارق، الذي كان ينزف بشدة من كتفه ووجهه، صرخ فيها: “خدي الولاد واجري يا نور! اطلعي برة حالا!”
​نور نظرت له والدموع تغرق وجهها: “مش همشي من غيرك يا طارق!”
ابتسم طارق بوجع، ولأول مرة ظهرت في عينيه نظرة حب حقيقية وتضحية: “أنا دمرت حياتك قبل كده، مش هسمح لنفسي أدمرها تاني.. خدي ولادنا واطلعي برة.. ده أمري الأخير!”
​دفعها فريد دفعاً مع الأطفال نحو الخارج. ركضت نور والطفلان بأقصى سرعة. وما إن ابتعدوا عن البوابة الرئيسية بعدة أمتار، حتى سمعوا صوت فريد يصرخ لطارق بالداخل، تلاه دوي انفجار ضخم هز المكان بأسره، واشتعلت النيران في جناح كامل من المصنع!
​سقطت نور على ركبتيها في التراب، تحتضن “عمر” و”ياسين” اللذين يصرخان بخوف. نظرت للنيران المشتعلة، وصرخت صرخة شقت عنان السماء: “طاااااااارق!”
​بعد مرور ستة أشهر
​أشعة الشمس الذهبية تتسلل إلى حديقة القصر الواسعة.
صوت ضحكات طفولية يملأ المكان. “ياسين” و”عمر” يركضان خلف بعضهما البعض، يرتديان ملابس “سبايدر مان” المتطابقة، لا يفرقهما شيء، وكأنهما ولدا من رحم واحد.
​على طاولة قريبة وسط الزهور، كانت تجلس “نور”، ملامحها مشرقة، ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً، وتقلب في صفحات رواية جديدة.
​فجأة، امتدت يد قوية ودافئة لتسحب الكتاب من أمامها بلطف. رفعت عينيها لتجد “طارق” يقف أمامها، يرتدي قميصاً صيفياً مريحاً، وندبة صغيرة على جبهته وأخرى في كتفه، آثار الانفجار الذي نجا منه بأعجوبة بعد أن تمكن فريد من سحبه خارج النطاق المميت في اللحظة الأخيرة.
​طارق لم يعد ذلك الرجل المغرور البارد، بل أصبحت عيونه تشع بالدفء والحنان. انحنى وقبّل جبهتها بحب عميق وقال:
“برضه بتقرأي وسايبة جوزك حبيبك؟ الدكتور قال إني محتاج رعاية واهتمام عشان أتعافى كلياً.”
​ضحكت نور ضحكة صافية من قلبها وقالت: “دكتور إيه؟ ده أنت بقيت بتجري أسرع من العيال! وبعدين أنا بكتب نهاية الرواية بتاعتي.. لازم تكون نهاية سعيدة.”
​جلس طارق بجوارها، وضم يدها بين يديه، ونظر إلى الأطفال الذين يلعبون بسعادة غامرة، ثم عاد بنظره إليها وقال بصوت مليء بالعشق الصادق:
“أجمل نهاية سعيدة هي اللي أنا عايشها دلوقتي. أنتِ مش بس ربيتي ولادي… أنتِ ربيتي قلبي من أول وجديد يا نور. سامحتيني على كل اللي فات؟”
​سندت نور رأسها على كتفه، وتنهدت براحة حقيقية: “القلب اللي يضحي بروحه عشان يحمي عيالي، مستحيل أحمل له غير كل الحب… إحنا دلوقتي عيلة، عيلة بجد يا طارق.”
​ركض “عمر” و”ياسين” نحوهما، وقفز الاثنان في حضن طارق ونور في وقت واحد وهما يضحكان بصوت عالي. احتضنهم طارق ونور معاً، في لوحة دافئة، لتثبت الأيام أن روابط الحب، والتضحية، والعائلة… أقوى من أي خطأ، وأعمق من أي دم.
​(النهاية)
​تمت بحمد الله
​

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *