اخويا وبنته الرضيعه حكايات نور محمد

 

​محمود بص حواليه واتأكد إن محدش سامع، وبعدين قال بصوت واطي: “لو سمحتي… تعالي معايا البيت وهشرحلك.” لكن أمي هزت راسها وقالت جملة خلت ملامحه تتغير تمامًا: “مش محتاجة تشرح… أنا كنت واقفة قدام أوضة العمليات وشوفت الدكتور وهو بيسلمك البنتين بنفسه، وسمعتك وإنت بتقول لحد في التليفون: خدوا اللي عليها الوحمة… والتانية هترجع معايا.”

 

​محمود اتجمد مكانه، وفي نفس اللحظة رن موبايله. بص للشاشة وشحب وشه، وأمي لمحت اسم المتصل: “المحامي”. رد وهو بيرتعش: “أيوه…”، وجاله الرد من الناحية التانية: “البنت اللي في الدار… اختفت من أوضتها من عشر دقايق.” وقبل ما محمود ينطق حرف، سمعنا صرخة جاية من جوه الدار… صرخة خلت كل اللي واقفين يجروا ناحية الباب.

 

​جرينا كلنا، أنا وأمي ومحمود ومديرة الدار، ناحية الباب الداخلي اللي طالع منه الصوت. قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة إني حسيته هيخرج من ضلوعي، وأمي كانت بتسند عليا وهي بتنهج، بس عينيها كانت متعلقة بمحمود اللي كان بيجري زي المجنون، وكأن روحه بتتسحب منه.

​أول ما دخلنا الطرقة الطويلة بتاعت الدار، لقينا ممرضة واقعة على الأرض، ماسكة راسها اللي بتنزف، وبتبكي بهيستيريا. محمود نزل على ركبه قدامها، مسكها من كتافها وهو بيصرخ فيها:

“فين البنت؟! بنتي فين يا مجنونة إنتي وهي؟!”

​الممرضة رفعت إيدها وهي بتترعش، وشاورت ناحية الباب الخلفي للدار وقالت بصوت متقطع:

“رجالة… رجالة ضخام دخلوا من الباب الخلفي… ضربوني وأخدوا البنت اللي لسه جاية من تلات أيام… البنت اللي فيها وحمة في كتفها… ركبوا عربية سودا وهربوا!”

​محمود سابها، ووقف زي الصنم. وشه جاب ألوان، وعينيه جحظت في الفراغ. أمي قربت منه، مسكته من ياقته بقوة ما أعرفش جابتها منين، وهزته بعنف وهي بتزعق:

“انطق يا محمود! مين دول؟ وإيه حكاية الوحمة دي؟! إنت بعت لحمك ودمك لمين يا قاسي القلب؟!”

​محمود نزل على الأرض، حط إيده على وشه وانفجر في عياط هستيري… عياط راجل مكسور، خايف، وندمان في لحظة ما ينفعش فيها الندم. وسط شهقاته، بدأ يتكلم، وكل كلمة كانت بتنزل علينا زي طلقات الرصاص:

​”أنا مديون يا أمي… مديون بنص مليون جنيه لواحد ما بيرحمش! شيكات وإيصالات أمانة، وكان هيحبسني يوم ولادة دينا. الراجل ده اسمه ‘شوقي’، راجل أعمال مشبوه بس مراته محرومة من الخلفة، ولما عرف إن مراتي حامل في توأم، سامهمني. قالي: ‘هاتلي عيل من الاتنين، أكتبه باسمي، وهقطع الشيكات واديك زيهم كمان’. رفضت في الأول… والله العظيم رفضت! بس هددني إنه هيقتلني ويأذي دينا. لما البنات اتولدوا… الشيطان عماني. قولت لنفسي واحدة تعيش في عز والتانية تتربى معايا، أحسن ما أتحبس وأسيبهم يضيعوا. اتفقت مع الدكتور، اخترت البنت اللي فيها وحمة عشان أميزها، واتفقت مع شوقي إني أسيبها في الدار دي كأنها مجهولة النسب، وهو ييجي ياخدها بالأوراق اللي هيزورها المحامي بتاعه… بس المحامي كلمني وقال إن شوقي استعجل، وبعت رجالته خطفوها عشان خاف إني أتراجع!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *