حماتي حكايات روماني مكرم

كنتُ لسه مخلصة تنظيف حماتي اللي المرض مقعدها في السرير، لما دخل جوزي حسن بعد ما غاب في الشغل بره مصر ثلاث سنين كاملين. أول ما حط رجله في البيت، بدأ يوزع الهدايا وكأنه جايب معاه الفرح كله. قال وهو مبتسم: “يا أمي… يا أبا… العمر جرى بيكم، وأنا جيبتلكم فيتامينات ومكملات غذائية غالية أوي من بره، عشان تصحصحوا وترد فيكم الروح.” وش حماتي أم حسن أَنَوَّر من الفرحة، وكأنها نسيت تعبها في ثانية. أما أخته شيماء، فجريت وخطفت أغلى شنطة وصرخت بهيصة مبالغ فيها: “أنت أحسن أخ في الدنيا كلها!” أصل أنا كنت واقفة على جنب في أخر الأوضة، لسه بلبسي ومريلتي، وإيدي مبلولة وعرقانة. ثلاث سنين… حمل البيت ده كله كان على كتفي لوحدي. خدمة أبوه وأمه، وتربية ابننا، والمشال والمطال… وفي المقابل… ما بعتش جنيه واحد. ولما عينه جات في عيني أخيراً، وقف فجأة. قلبي نط من مكانه… قلت خلاص، جه دوري. مديت إيدي أخد أجمل علبة على الترابيزة… بس صوته جه ينزل عليا زي المية الساقعة: “إيدك! بلاش تلفحيها بإيديكي المش نظيفة دي… دي لشريكتي في الشغل، ميرفت.” اتسمرت في مكاني، وإيدي متعلقة في الهوا. قلت بصوت ناشف: “وهديتي فين؟” اتردد لحظة، وبعدين طَلَّع من الشنطة ميدالية مفاتيح رخيصة، ورماها عليا بقلة ذوق: “دي عشانك…
نَقَّيتها ليكي مخصوص، حافظي عليها بقى.” خبطت في إيدي… ووجعتني. بصيت للهدايا الفخمة المترصصة على الترابيزة… وبعدين قلبت الميدالية، لقيت الورقة ملزوقة عليها: [هدية مجانية مع الشراء] حماتي ضحكت وصقفت: “ابني طول عمره أصولي وبيعرف يوجب!” وشيماء حضنت شنطتها الجديدة ونظرت لي بقرف: “بلاش دراما والنبي… خديها وخلصينا.” رفعت الميدالية في وشه: “بتديني هدية مجانية… بعد كل ده؟” وش حسن اتغير وقال ببرود: “وحتى لو مجانية؟ أنتِ طماعة وعينك فارغة.” اتنفضت فيه: “شريكتك تاخد أزجاجة برفان الشيء الفلاني… وأختك تاخد شنطة ماركة… وأنا؟!” قرب مني خطوة وقال بأبرد ما عنده: “عشان أنتِ ما تستاهليش أكتر من كده.” كل حاجة جوايا وقفت. وطلع صوتي بيموت ويترعش: “ما أستاهلش?!” دموعي كرت: “ثلاث سنين وأنا شايلة البيت ده على دماغي!” “كل يوم بمرض أُمَّك وأخاف عليها من الهوا الطاير!” “بأكلها بإيديا!” “بربي ابننا، وبخدم أباك!” “كل صغيرة وكبيرة كانت عليا!” “وأنت؟ غايب ثلاث سنين… لا مصاريف ولا حتى حس ولا خبر!” “وترجع دلوقتي عشان تديني دي?!” زعق بقلة أدب: “اخرسي!” وبعدها… قلم شديد. وبعديه تاني. وبعديه ثالث. صوت ضربه سمّع في الشقة كلها. وما حدش اتهز. ولا حد نطق كلمة يدافع بيها عني. حطيت إيدي على خدي اللي بيولع: “حسن… بتضربني؟” قال بمنتهى البرود: “عشان تتربي وتستاهلي.” وكمل بغل: “البرفان اللي اتكسر ده كان بفلوس وشيء وشويات! هتدفعي تمنه يعنى هتدفعي!” بصيت له وبحلقة: “أنا؟ أدفع؟” ما ردش… ده طَلَّع أجندة سودة قديمة، ورماها تحت رجلي. صفحاتها اتفرطت. وشاور عليها: “ثلاث سنين… أكلك، وشربك، والكهرباء، والمية، وعلاج أمي، ومصاريف المدرسة بتاعت الواد… كل المليم محسوب.” “سددي اللي عليكِ الأول وبعدين أطلبي هدايا.” قعدت على الأرض أبص في الأجندة. كل سطر… متسجل فيه “مصاريفي”. بس ما كتبش… إني ما أخدتش منه مليم. كل اللي صرفته… كان من قرشين شقايا ومدخراتي من قبل الزواج. هديت حيلي في خدمتهم… وفي الآخر… بيقدم لي فاتورة حساب. قمت ببطء. دموعي نشفت. وما بقاش في حيل للمجادلة. دخلت الأوضة… أخدت البطاقة، وكارت البنك، وحبتين هدوم… وحطيتهم في شنطة. وخرجت. كان لسه عمال يحسب: “المجموع يطلع بتاع 14,500 دولار… هاتي 8000 الأول تحت الحساب…” عديت من جنبه ولا كأني شايفاه. مشيت في الصالة… شفت الإزاز المكسور… والوشوش الساقعة… والشماتة في عينيهم. وصلت عند الباب… ولبست جزمتي. مسك إيدي فجأة: “صباح! على فين العزم كده؟” وقفت… من غير ما ألتفت له. قلت بهدوء يقطع العرق ويسيح دمه: “يا حسن… أنا خدمت العيلة دي ثلاث سنين.” “ما شفتش منك كلمة حلوة… ولا قرش… ولا أصول.” “لحد هنا…
وخلاص جابت أخرها.” البيت كله اتنتر. حماتي صرخت: “سايبة البيت وماشية عشان هدية يا جحدة?!” وشيماء قالت بسخرية: “إيه تمثيل الأفلام ده!” زقيت إيده بعيد عني. وبصيت له: “هنتني… وضربتني… وعايز تحاسبني على ديون من خيالك؟” وبصيت لحماتي: “شلتك ثلاث سنين على كفوف الراحة… سمعتي مني العيب يوم؟” “والنهاردة… حد فيكم فتح بقه كلمة حق يسترد بيا؟” البيت بقى زي المقابر. بصيت له لأخر مرة: “أنا جبت أختري.” “ومن النهاردة… صباح مالهاش صالح بيكم.” فتحت الباب… وخرجت. حسيت براحة وغُمّة وانزاحت عن صدري… كأني اتولدت من جديد. طلعت تليفوني… وطلبت رقم. كانت الحاجة أم أمل، ست طيبة وودودة من حيّنا الشعبي في السيدة زينب، وابنها من كبار التجار في السوق. كانت طول عمرها شايفه شقايا وتعبي… وكانت دايماً تقولي: “بابي مفتوح ليكي يا بنتي في أي وقت.” عرضت عليا كتير أشتغل عندها مديرة بيت مقيمة… أوضة لوحدي… وراتب يبسطني… ومعاملة تشيلني على رأسها كأني واحدة منهم. #الكاتب_رومانى_مكرم_ بس أنا كنت برفض… عشان كنت فاكرة إن البيت ده بيتي. أما دلوقتي… فأدركت بعد فوات الأوان… إنه ما كانش بيتي في يوم من الأيام. بس هما ما كانوش يعرفوا… إن خروجي من الباب ده ما كانش نهاية حكايتي… دي كانت بداية حساب ما يخطرش على بال حد فيهم.
وقفتُ في الشارع والمساء يرخي سدوله على حيينا الشعبي، أنفاسي تتصاعد كالبخار، وفي يدي حقيبة صغيرة تختصر سنوات من القهر والصبر. لم أتردد لحظة، رفعت الهاتف وأجريت المكالمة. جاءني صوت الحاجة أم أمل كأنه طوق نجاة وسط بحر متلاطم: “تعالي يا صباح يا بنتي، الباب مفتوح، والبيت بيتك من غير ما تحكي ولا كلمة.” وصلتُ إلى بيتها في السيدة زينب، استقبلتني بالأحضان، ولم تسألني عن شيء حتى أطعمتني وهدأت روعي. وفي تلك الليلة، وأنا أجلس في الغرفة المستقلة التي خصصتها لي، أدركتُ أن البكاء لن يسترد كرامتي، وأن الدموع لا تبني حقاً. كشفتُ عن ساعدي، وقررتُ أن أبدأ المعركة، ولكن هذه المرة بالقانون والمستندات والعقل السليم. كان حسن يعتقد أنني مجرد امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، خرجت بلا عائد، وأنها ستستسلم بعد أيام وتعود زاحفة تترجاه. لكنه نسي شيئاً مهماً جداً: خلال السنوات الثلاث التي غاب فيها، كنتُ أنا من يدير كل شؤون البيت المالية من تدبيري الخاص، وكنتُ أحتفظ بكل أصل وصورة، وكل إيصال تحويل، وكل فاتورة علاج، وكل شيك صُرف من حسابي البنكي الخاص الذي ورثته عن أبي رحمه الله.
/> في اليوم التالي مباشرة، بدأتُ أولى خطوات الخطّة: أولاً: تثبيت الواقعة وتوثيق الضرب ذهبتُ برفقة محامٍ كبير ديدنتْ الحاجة أم أمل على توكيله لي، إلى المستشفى العام لاستخراج تقرير طبي بحجم الإصابات والكدمات التي تركها حسن على وجهي وجسدي، ومن ثم اتجهنا إلى قسم الشرطة وأقمتُ محضراً رسمياً بالاعتداء والضرب والمطالبة بالحق المدني. ثانياً: معركة كشف الحساب الحقيقي حسن لم يكن يعلم أن الحسابات لا تُكتب في أجندات سوداء وهمية، بل تُكتب في السجلات البنكية. جمعتُ كافة كشوفات الحساب التي تثبت أنني أنفقتُ من مالي الخاص ما يتجاوز مئات الآلاف من الجنيهات على علاج أمه المقعدة، ومصاريف بيته، وشراء أدوية مستوردة باسمي، ودفع مصاريف مدرسة ابننا. أقام المحامي دعوى قضائية تطالب حسناً برد كافة الأموال التي أُنفقَت على أسرته بغير وجه حق اعتباراً من مبدأ “الإثراء بلا سبب” على حسابي الخاص. ثالثاً: حماية الطفل واسترداده أقمتُ دعوى حضانة عاجلة واستصدار أمر بتمكيني من طفلي، مع فرض نفقة ملبس ومأكل وبدل حضانة. في هذه الأثناء، كان المشهد في بيت حسن يتحول إلى جهنم حقيقية: مرت الأيام الأولى وحسن يبتسم بصلف، يعتقد أن أمه وأخته ستديران البيت. لكن الواقع كان صدمة قاتلة. أمه المقعدة بدأت تصرخ من الألم؛ فلا أحد يعرف كيف يعتني بها، ولا كيف يطعمها، ولا كيف يعطيها الدواء في مواعيده الدقيقة كما كنتُ أفعل. شيماء أخته، التي فرحت بالحقيبة الماركة، رفضت مسك ممسحة أو غسل طبق واحد، وصارت تصرخ في وجه أمها وتطالب حسناً بإحضار خادمة براتب باهظ. أما حسن، فبدأ يغرق في طلبات البيت، واكتشف أن المصاريف التي كان يظنها زاهيدة تأكل الأخضر واليابس. لم يمضِ أسبوع حتى تدهورت حالة أمه الصحية ونُقلت إلى المستشفى، واكتشف هناك أن العلاج يتطلب أموالاً طائلة كاش، وأنني كنتُ أحصل على خصومات وإعانات بجهدي وعلاقاتي الشخصية. وفجأة، وصلته الاستدعاءات الرسمية من المحكمة وقسم الشرطة: * إنذار على يد محضر بدعوى استرداد أموال ومبالغ مثبتة بمديونية رسمية. * محضر اعتداء وضرب معزز بتقرير طبي رسمي. * دعوى نفقة وحضانة وتجميد لبعض تعاملاته المالية حتى سداد المستحقات.
/> جنّ جنون حسن، وجاء يهرول إلى حي السيدة زينب، يحاول اقتحام بيت الحاجة أم أمل وهو يصرخ ويتهدد: “يا صباح! أخرجي هنا! فاكرة نفسك بقيتي هانم؟ والله لأربيكي وأخليكي تلفي حولين نفسك!” خرج له رجال الحي الحدايد، وعلى رأسهم ابن الحاجة أم أمل، ووقفوا له بالمرصاد. وقف حسن مذهولاً وهو يرى كيف أصبحتُ محاطة برجال ونفوذ وحماية لم يكن يحلم بها. طلعتُ له من الشرفة، وبكل ثبات ونبرة صوت لم يعرفها فيَّ من قبل، قلتُ له: “الأجندة السودة بتاعتك بلها واشرب ميتها يا حسن… الفواتير الحقيقية في المحكمة، وشارع الصحافة، وقلم المحضرين. من النهاردة مش صباح اللي بتنضرب وتسكت، من النهاردة القانون هو اللي بيتكلم.” انقبض وجه حسن وسقطت الميدالية الرخيصة من ذهنه، واكتشف أن المعركة التي بدأها بغروره، ستكون السبب في إفلاسه ودمار كل ما بناه في غربته. لكن المفاجأة الكبرى التي لم يكن حسن ولا عائلته يتوقعونها، هي المكتوب الذي كان يخبئه محامي صباح في جيبه، والذي سيقلب حياتهم رأساً على عقب في الجلسة القادمة…
لم يكد حسن يستوعب صدمة الوقوف أمام رجال الحي ولا تهديد المحاكم، حتى كانت النيران قد بدأت تأكل أركان حياته التي ظن أنه شيدها على أرض صلبة. خرج من حي السيدة زينب يجر أذيال الخيبة، والشرر يتطاير من عينيه، يحث الخطى نحو بيته وهو يردد بينه وبين نفسه أن كل ما يحدث مجرد زوبعة في فنجان، وأن امرأة كصباح لا يمكن أن تتغلب على رجل مثله دار البلاد وجمع المال. لكن المكتوب الذي كان يخبئه المحامي في جيبه لم يكن مجرد ورقة قضائية عادية، بل كان القنبلة التي س تفجر كل أو هامه. المفاجأة الأولى: ضربة في قلب العمل في صباح اليوم التالي، وبينما كان حسن يجلس في بيته يحاول السيطرة على صراخ أمه المقعدة التي ساءت حالتها لعدم وجود من يرعاها بضمير، وزعيق أخته شيماء التي رفضت حتى إعداد كوب شاي لنفسها، رن هاتفه المحمول. كان المتصل هو “ميرفت”، شريكته في الشركة الجديدة التي وضع فيها كل شقى عمره وخدمات السنين الثلاث. جاء صوت ميرفت عبر الهاتف حاداً ومضطرباً، خاوياً من تلك الرقة التي كان يراها في لقاءات العمل: “حسن! إيه القضايا والمحاضر اللي نازلة على اسمك دي؟ وإيه المبالغ المرفوعة عليك بدعوى الإثراء بلا سبب وتجميد الأموال؟ المحامي بتاعي بلّغني إن في حجز تحفظي عاجل بيتم تجهيزه على حصتك في الشركة لحين سداد المديونيات المثبتة للست اللي كانت زوجتك!” سقطت الصدمة على حسن كالصاعقة. تجمّد لسانه وهو يحاول التلعثم: “يا ميرفت دي مشاكل عائلية بسيطة… دي مراتي… قصدي طليقتي بتتبلى عليا…” ردت ميرفت بقسوة وصرامة تجار السوق: “أنا ماليش دعوة بمشاكلك العائلية! أنا داخلة شراكة بفلوسي في مشروع نضيف، مش مستعدة اسمي يتقرن بقضايا ضرب واعتداء وتبديد أموال! الـ 8000 دولار اللي كنت طلبتهم مني سيولة للشغل، أنا سحبتهم، وجميع الأوراق التنفيذية للشركة متوقفة لحد ما تخلص بلاويك دي بعيد عني!” أغلقت ميرفت الخط في وجهه، ليقف حسن وسطه صالة الشقة، يرى زجاج زجاجة العطر الفاخرة المكسور على الأرض، الزجاج الذي ضربني من أجله، وكان سبباً في نهاية كل شيء. انهيار القلعة الزائفة لم تتوقف الضغوط عند هذا الحد. في اليوم نفسه، وصل إحضار رسمي من النيابة العامة يطلب حسناً بشخصه للتحقيق في محضر الاعتداء والضرب المرفق بالتقرير الطبي. في البيت، تحولت الحياة إلى جحيم لا يطاق: * أم حسن، التي كانت تضحك وتصفق له بالأمس عندما أهانني بالميدالية المجانية، أصبحت تتلوى من الآلام والجروح الناتجة عن قلة النظافة وعدم تقليبها في السرير، وصارت تبكي وتنادي باسمي: “هاتولي صباح… تصدق يا حسن إنها كانت شايلاني شيل وما كانتش بتشتكي… حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب!” * أخته شيماء، التي خطفت الشنطة الماركة، اكتشفت أن البيت بلا طعام ولا نظام، وعندما طلب منها حسن أن تطبخ لأبيها وأمها، صرخت في وجهه وقالت: “أنا مش خدامة حد!
روح هاتلك شغالة ولا رجّع خادمتك القديمة اللي طردتها!” عندها فقط، شعر حسن بالندم الأكل، واكتشف أن “صباح” لم تكن مجرد زوجة، بل كانت العمود الفقري الذي يحمل هذا البيت المتهالك على كتفيها، بينما كان الجميع يرفسون الخير بأقدامهم. الجلسة الأولى: مواجهة الحقيقة جاء يوم الجلسة في المحكمة. حضر حسن برفقة محاميه، وهو يحمل الأجندة السوداء التي سجل فيها حسابه الوهمي، ظاناً أنها ستنقذه. وعلى الجانب الآخر، حضرتُ أنا، برفقة المحامي الكبير وابن الحاجة أم أمل. كنتُ أرتدي ثياباً أنيقة ونظيفة، مرفوعة الرأس، والهدوء يكسو وجهي بعد أن فارقتني علامات القهر والتعب. وقف المحامي أم القاضي، وقدم ملفاً ضخماً يحتوي على المستندات: “سيدي القاضي، المدعى عليه يزعم أن موكلتي كانت تعيش على نفقته خلال ثلاث سنوات من السفر. ونحن بنقدم لسيادتكم كشوفات الحساب البنكية الرسمية الموثقة، التي تثبت أن المدعى عليه لم يحول جنيهاً واحداً طوال هذه المدة! بل إن المبالغ المصروفة على علاج والده ووالدته، ومصاريف ابنه، تم سحبها بالكامل من الحساب الشخصي لموكلتي، وهو المال الذي ورثته عن والدها!” وأضاف المحامي بثقة: “فضلاً عن ذلك، بنقدم للعدالة أدلة تثبت أن المدعى عليه استخدم أموال موكلتي لبدء مشروعه الخاص خارج مصر، ممثلاً في تحويلات مالية تمت بعلمه وبشهادة الشهود. ونطالب بالآتي: * إلزام المدعى عليه بسداد كافة المبالغ المصروفة وقدرها نصف مليون جنيه مصري. * التمكين الكامل من شقة الزوجية بحكم حضانة الطفل. * فرض نفقة متعة وسكن وملبس للطفل. * إحالة محضر الاعتداء والضرب إلى محكمة الجنايات.” ذهل محامي حسن، ولم يجد ما يرد به سوى إبراز الأجندة السوداء. نظر القاضي إلى الأجندة المكتوبة بخط اليد، ثم نظر إلى الكشوفات البنكية الموثقة بالأختام الرسمية، وقال بنبرة حازمة: “الأوراق العرفية لا تقابل المستندات البنكية الرسمية. تُؤجل الجلسة للاطلاع وإعادة التقييم المالي مع استمرار الحجز التحفظي!” السقوط الكلي والترجي خرج حسن من القاعة كالمستجير من رمضاء إلى النار. سرت في جسده رعدة الخوف الحقيقي. ركض خلفي في الممر، وتناسى كل كبريائه وغروره، وصاح بصوت خافض يملؤه الانكسار: “صباح! استني يا صباح… نتكلم يا بنت الناس! العلبة والميدالية والمشاكل دي كلها نحلها بينّا وبين بعض… بلاش المحاكم والفضايح!” التفتُّ إليه، وبصصتُ في عينيه المكسورتين، وقُلتُ له ببرود أشد من الموت: “عايز تحل يا حسن؟ الحساب كان بالأجندة… دلوقتي الحساب بالقانون. أنت قلتلي إني ما أستاهلش أكتر من ميدالية ببلاش… وأنا دلوقتي بقولك إنك ما تستاهلش حتى إن أديك ظهري وأكلمك.” حاول أن يمسك بيدي متوسلاً: “أمي تموت في البيت يا صباح! محدش عارف يخدمها ولا يصرف عليها، والشركة هتضيع مني… ارجعي عشان خاطر ابننا!” ابتسمتُ ابتسامة سخرية مريرة وقُلت: “ابننا معايا وفي أمان… وأمك اللي ضحكت وصقفت لما أهنتني، خلي شيماء وشنطتها الفخمة ينفعوها. اللي يبيع الكرامة، يدفع تمنها كاش يا حسن.”
جلستُ في الغرفة الهادئة ببيت الحاجة أم أمل، وأمامي المستندات التجارية الجديدة التي تسلمتها من المحامي. كانت الأوراق تكشف المستور وتعرّي المستنقع الذي حاول حسن وشركاؤه التستر عليه. لم تكن الشركة في الخارج مجرد عمل تجاري صغير كما أدعى، بل كانت منظومة مالية مسجلة باسم صوري، استخدم فيها حسن مدخراتي ليغطي بها على تحويلات ضخمة، هرباً من الضرائب ومن التزاماته المالية تجاهي وتجاه طفله. كان يظن أن تحايله الذكي سيبقى بعيداً عن أيدي القانون المصري، لكنه نسي أن العقود والتحويلات التي جرت بين حسابي وحسابه كانت تحمل توقيعات وأرقام تتبّع استطاع خبير الخبراء في المحكمة الاقتصادية فك شفراتها بسهولة. الضربة القاضية في المحكمة الاقتصادية في صباح اليوم التالي، انعقدت الجلسة في المحكمة الاقتصادية لمراجعة الحجز التحفظي وتتبع الأصول المالية. حضر حسن من محبسه برفقة حراسة المشددة، ووجهه الذابل يحمل علامات الانكسار والقلة. كانت ملابسه مجعدة، وعيناه غائرتين، وقد زالت عنه كل مظاهر الخيلاء والبرود التي واجهني بها يوم عودته. وقف محاميّ أمام القاضي وأبرز مستنداً رسمياً مختوماً من جهات التحقيق المالي: “سيدي القاضي، نحن لا نطالب فقط بنفقة ومبالغ مسلوبة بغير وجه حق، بل بنقدم للعدالة أدلة قطعية على قيام المدعى عليه بعمليات غسيل أموال وتدليس تجاري، بتمويل مباشر من الحساب الشخصي لموكلتي، وتأسيس كيانات تجارية وهمية بهدف التهرب من السداد وإخفاء ذمته المالية.
ونطالب بالتحفظ الشامل على كافة حصصه وأصوله وأرباحه داخل البلاد وخارجها بالتنسيق مع الجهات المختصة.” وقع الخبر على حسن كالصاعقة. اتسعت عينها برعب، ونظر إلى محاميه بقلة حيلة. حاول محاميه التلعثم والمطالبة بأجل للاطلاع، لكن القاضي كان حازماً بعد الاطلاع على الأدلة الدامغة: “تُحجز كافة الحسابات والأصول الخاصة بالمدعى عليه، ويُحيل الملف إلى النيابة العامة لاستكمال التحقيقات في شبهة التدليس المالي وتزوير المحررات العرفية، مع استمرار حبسه على ذمة القضايا القائمة.” سقط حسن على الكرسي خلفه كالجثة الهامدة. ضربة واحدة أطاحت بكل ما جمع في غربته، وجعلت أمواله وشراكته هباءً منثوراً. سقوط قلعة الظلم بينما كان حسن يواجه مصيره خلف القضبان، كانت الأوضاع في بيته القديم قد وصلت إلى الانهيار الكامل: * أخته شيماء، التي ظنت أن الشنطة الفخمة ستجعل منها هانم، وجدت نفسها عاجزة عن سداد إيجار البيت أو توفير الطعام. اضطرت إلى بيع الحقيبة الماركة والهدايا التي أحضرها حسن بأسعار بخسة لتدفع ثمن العلاج الأولي لأمها. * أم حسن، المقعدة التي صقفت لإهانتي، أصبحت تبكي ليلاً ونهاراً من شدة ألم الفراش والمهانة. أدركت أن الشغالة التي استأجروها يومين سرقت ما تبقى من طعام ومال وهربت، وأن ابنتها شيماء لا تطيق النظر إليها. وفي يوم حار، جاءت شيماء إلى بيت الحاجة أم أمل للمرة الثانية، لكن هذه المرة لم تكن تصرخ، بل كانت تجر قدميها بكسرة ونفس زكية. وقفت على الباب وصوتها يتلعثم بالدموع: “يا صباح… أمي بتموت في البيت.
الدكاترة قالوا عندها تقرحات خطيرة ومحتاجة مستشفى ونظافة ودوا مش موجود… حسن محبوس والفلوس اتجمدت وما حيلتناش جنيه… أرجوكي يا صباح، أنتِ قلبك كبير، تعالي انقذي أمي حتى لو مش عشان حسن… عشان ربنا!” خرجتُ إليها وأنا أقف بكل ثبات وقوة، ونظرتُ إليها بنظرة فارغة من العاطفة: “لما كنتُ بشيلها على كفوف الراحة، كنتوا بتقولوا عليا خدامة وتدوني ميدالية ببلاش… لما كنت بصرف عليها من شقايا، كتبتوا مصاريفي في أجندة سودة وشتمتوني… أنا مش هعامل أمك بقسوتكم، ولا هسيب ست مريضة تموت… بس مش هرجع بيتكم ولا هكون خدامة لحد.” الرحمة في موضع القوة بمساعدة الحاجة أم أمل وابنها، قمتُ بنقل أم حسن إلى دار رعاية متخصصة لكبار السن، وتم سداد التكاليف الأولى من المبالغ التي استرددتها رسمياً وبحكم محكمة من أصول حسن المحجوزة. عندما دخلتُ على أم حسن في غرفة المستشفى قبل نقلها، بكت العجوز بحرقة، ومسكت يدي المبلولة بدموعها: “سامحيني يا صباح… يا بنتي سامحيني! ظلمناكي وأنتِ الأصيلة الوحيدة في البيت ده… حسن ضاع وشيماء ضاعت، وأنتِ الوحيدة اللي صنتينا لما الكل باعنا…” سحبتُ يدي ببطء وهدوء وقُلتُ لها: “أنا عملت ده عشان ربنا وعشان ضميري… مش عشان حسن ولا عشانكم. حقك عليا في المرض أخدتيه، وحقي في الإهانة والضرب أخدته بالقانون.” المواجهة الأخيرة قبل الزلزال ذهبتُ لمقابلة حسن في محبسه بطلب منه، بعد أن توسل للمحامي كي يراني ولو لخمس دقائق.
/> جلستُ أمامه يفصل بيننا حاجز سلكي. كان وجهه شاحباً، وقد فقد كل مظاهر الغرور والعنجهية. قال بصوت مكسور يملؤه التوسل: “صباح… التنازل يا صباح! أرجوكي تنازلي عن القضايا… أنا خسرت كل حاجة! الشركة راحت، والفلوس اتجمدت، وأنا هنا بموت كل يوم ألف مرة… خدي كل اللي أنتِ عايزاه بس خرجيني من هنا!” ابتسمتُ ابتسامة هادئة ورصينة، وقُلتُ له: “فاكر لما قلتلي إيدك بلاش تلفحي بيها العلبة عشان مش نضيفة؟ إيدي دي هي اللي جابتلك حاسبك بالمليم… وفاكر الميدالية المجانية؟ الميدالية دي بقت ذكرى أعلقها في بيتي الجديد عشان تفكرني دايماً إني أخرجت نفسي من حفرة الظلم.” سألني بلهفة وخوف: “يعني مش هتتنازلي؟” رددتُ عليه بثبات يزلزل الجبال: “التنازل ده للرجال اللي يصونوا الأصول يا حسن… مش للي يضرب مراته ويبيع شقاها عشان هدايا لشريكته. أنت هتفضل هنا لحد ما تسدد آخر جنيه من عرق سنواتي، والقضية الكبيرة لسه جلساتها تبدأ الشهر الجاي.” قام حسن يصرخ ويبكي خلف السلك وهو يناديني، بينما مشيتُ بخطوات واثقة نحو الخارج، والشمس تشرق على وجهي بأمل جديد. لكن ما لم أكن أعرفه، هو أن شيماء، وفي لحظة يأس وجنون بعد إفلاسهم الكامل، قررت أن تلجأ لشخص غامض من الماضي… شخص كان يكره حسن ويسعى لتدميره منذ سنوات، وكانت هذه الخطوة هي البداية لمأساة جديدة س تهدد الجميع!

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *