حماتي حكايات روماني مكرم

خرجتُ من سجن النساء بخطوات واثقة، وأصداء صراخ حسن خلف السلك الفاصل تتردد في أذني كأنه صدى لصوت زجاج العطر الفاخر عندما انكسر على أرض الصالة يوم عودته. كان ينادي باسمي، يتوسل ويترجى، بعدما أدرك أن السجن ليس مجرد جدران وأغلال، بل هو ثمن الفواتير الحقيقية التي دفعها من كبريائه وماله وعمره. لكن خارج أسوار السجن، كانت هناك نيران أخرى تتململ تحت الرماد. خطوة اليأس واللجوء للعدو القديم شيماء، التي طالما ارتدت ثوب الكبرياء والغرور، وجدت نفسها فجأة في مهب الريح. البيت خاوٍ، الأم في دار الرعاية تتلقى العلاج من أموال أخيها المحجوزة بالقانون، وحسن يقبع خلف القضبان، وجميع الهدايا الفخمة والشنط الماركة تم بيعها بأسعار بخسة لسداد أبسط مصاريف الحياة. في هذه اللحظة المظلمة من حياتها، لم تجد شيماء أمامها سوى ملجأ واحد، ملجأ طالما حذرها حسن منه في أيام عزه: “توفيق البقلي”. توفيق لم يكن شخصاً عادياً، بل كان التاجر الذي دخل مع حسن في منافسة شرسة قبل سفره للخارج، وانتهت تلك المنافسة بخسارة توفيق لصفقة كبرى وتوعده لحسن بالانتقام يوم تُتاح له الفرصة. كان يعلم أن حسن بنى ثروته على شقاء غيره، وكان ينتظر لحظة انكساره ليضع يده على كل ما يملك. تسللت شيماء إلى مكتبه في حارة الجمالية، والدموع تمحو بقايا التبرج من وجهها: “يا أستاذ توفيق… أنا جياك ومفيش قدامي غيرك. حسن أخويا مظلوم ومحبوس، ومراته صباح قفلت في وشنا كل الأبواب وأخدت كل الفلوس بحكم محكمة!” ابتسم توفيق ابتسامة خبيثة، ومسح على شاربه وهو ينظر إليها بنظرات تقطر مَكراً: “حسن مظلوم؟ ده حسن طمع في القريب والغريب! بس قوليلى يا شيماء… صباح دي قدرت توصل لكل أوراق حسابه وشركته إزاي؟ أصل أنا عارف إن حسن كان مسجل نص أصوله بره باسم شركة وهمية، وبأوراق عرفية محدش يعرف طريقها غيره!” قالت شيماء بلهفة وجهل تام بالعواقب:
/> “أنا معايا نسختي من مفاتيح الخزنة القديمة اللي في شقة حسن! وفيها شوية أوراق وعقود هو كان مخبيها عن صباح وعن الحكومة كلها… لو ساعدتنا تخرّج حسن أو تضغط على صباح، يديك الأوراق دي وتعمل بيها اللي أنت عايزه!” لم يصدق توفيق ما سمعته أذناه. كانت هذه هي الثغرة التي انتظرها لسنوات: العقود العرفية والأوراق السرية التي تؤكد ملكية حسن للكيانات التجارية الوهمية في الخارج، والتي يمكن استغلالها لرفع قضايا تزوير واستيلاء مباشر على ما تبقى من أمواله قبل أن تسترد صباح حقوقها كاملة! الترتيب للخديعة الكبرى اتفق توفيق مع شيماء على مخطط خبيث: * تسليمه كافة العقود والأوراق السرية الموجودة في خزنة حسن ببيت الزوجية المهجور. * استخدام تلك الأوراق لإعادة رفع قضايا مطالبة مالية وهمية ضد حسن، تتهم فيها شركته القديمة بالدين والاستيلاء، مما يُربك حسابات المحكمة الاقتصادية ويُعطل حصول صباح على مستحقاتها المتبقية. * ممارسة ضغط ميداني وشخصي على صباح في حي السيدة زينب لتهديدها وإجبارها على التنازل عن المحاضر وقضايا النفقة. في اليوم التالي، تسللت شيماء مع أحد أتباع توفيق إلى شقة الزوجية المغلقة. فتحت الخزنة واستخرجت الملفات السرية التي كان حسن يحفظها كرتيل أخيرة لمستقبله. تسلم توفيق المجلدات، وهو يشعر أنه ملك السوق وسحب البساط من تحت أقدام الجميع. لكنهما نسيا شيئاً واحداً: أن الشقة كانت تحت مراقبة حراس الحي وأعين القانون، وأن الحركة الغريبة داخل بيت مهجور ومحجوز عليه تحفظياً لم تمر مرور الكرام! الاستدراج المتقن في السيدة زينب وصلتني الأخبار فوراً من المعلم ابن الحاجة أم أمل: “يا أبلة صباح… أخت حسن اتسللت للشقة القديمة ومعاها واحد غريب ونزلوا ومعاهم شنطة أوراق ثقيلة!” لم أرتجف، بل ابتسمتُ بثبات وقدرة على إدارة الأزمة أذهلت المحامي نفسه. قلتُ له: “توفيق البقلي افتكر إن شيماء طوق نجاة، وما يعرفش إنها المسمار الأخير في نعشه ونعش أخوها. الأوراق اللي في الخزنة دي أنا كنت مصوراها فيديو وموثقاها عندي قبل ما أخرج من البيت يوم ما حسن ضربني، وعارفة كل كلمة فيها!” في عصر اليوم نفسه، حاصر توفيق حيينا الشعبي في السيدة زينب. جاء بظهر قوي وعدد من رجاله، ووقف أمام بيت الحاجة أم أمل يطلب مقابلتي بصلف وتحدٍ، وظناً منه أن العقود السرية في جيبه ستجعلني أركع. خرجتُ إليه برفقة المحامي ورجال الحي الذين وقفوا كالجبال خلفي. قال توفيق بنبرة حادة وابتسامة ساخرة: “يا مدام صباح… اللعبة كبرت عليكي! الأوراق اللي فاكرة إنك هتاخدي بيها بقية الملايين بقت في إيدي، وعندي عقود بدين قديم على حسن بأكثر من مليون دولار! يعني لا هتشوفي جنيه ولا هتنفعك محاكم… التنازل عن القضايا هو الحل الوحيد ليكي ولابنك، بدل ما تطلعي من المولد بلا حمّص!” نظر إليه المحامي ثم نظر إليّ، فربدتُ على ذراعه وتقدمتُ خطوة نحو توفيق، وقُلتُ ببرود يقصم الظهر: “أنت فاكر إنك شاطر يا توفيق؟ الأوراق اللي شيماء سرقتها لك من الشقة المحجوز عليها رسمياً بتهمة الخيانة والأمانة، هي عقود مزورة ومتهربة من الضرائب، وحسن كان كاتبها كغطاء عشان يهرب من الديون! وأنا قدمت أصل الصورة الضوئية الرسمية للنيابة العامة من أسبوع كامل بصفة بلاغ رسمي عن التهرب الضريبي وغسيل الأموال!” اتسعت عينا توفيق وصُدم، وتراجع خطوة للخلف وهو يستوعب الكارثة. أكملتُ بصوت حاسم يزلزل الأرض تحت قدميه: “أنت دلوقتي مش بس بتهددني… أنت دخلت شريكة في قضية تستر وسرقة أوراق محجوز عليها قضائياً، والسرقة دي تمت بالاشتراك مع شيماء! والشرطة زمانها طالعة على مكتبك في الجمالية بتهمة حيازة مستندات مسروقة والاشتراك في التزوير!” السقوط الجماعي لم يكد توفيق ينطق بكلمة واحدة حتى سُمعت سرينات سيارات الشرطة تنهال على الحارة!
/> فقد أعددنا كميناً محكماً بالتنسيق مع النيابة العامة لضبط توفيق وشيماء متلبسين باستخدام أوراق مسروقة من شقة خاضعة للحجز التحفظي. تغيرت ملامح توفيق من الطغيان إلى الرعب الخالص. حاول التراجع وركوب سيارته، لكن رجال الحي وقوات الشرطة كانوا أسرع منه. تم إلقاء القبض عليه وعلى أتباعه وسط ذهول شيماء التي كانت تقف على رأس الحارة تنظر للرعب وهو يبتلع الجميع. سقطت شيماء على الأرض تبكي وتصرخ: “أنا ماليش دعوة! هو اللي قال لي هاتي الأوراق عشان نخرج حسن!” رد عليها ضابط الشرطة وهو يضع الأغلال في يديها: “الجهل بالقانون لا يحمي المغفلين يا هانم… السرقة والتزوير والاشتراك مع محبوس دي قضايا تؤدي للسجن المشدد!” النهاية القريبة للظالمين في اليوم التالي، كان المشهد في سرايا النيابة يمثل الانهيار الكامل لقلعة الظلم: * حسن خلف القضبان يواجه أحكاماً بالسجن في قضايا الضرب، والتهرب الضريبي، وغسيل الأموال بناءً على العقود التي قدمتها وعرق السنين الذي استرددته. * توفيق البقلي محبوس على ذمة قضية حيازة مستندات مسروقة والاشتراك في التزوير والتهديد. * شيماء، التي كانت تتباهى بالشنطة الماركة، أصبحت متهمة رسمياً بالسرقة وخيانة الأمانة وتنتظر محاكمتها بجانب أخيها. وقفتُ أمام مبنى النيابة، وأنا أحمل طفلي الصغير بين ذراعي، وبجانبي الحاجة أم أمل والمحامي. نظرتُ إلى السماء وشعرتُ بنسيم الحرية والكرامة يملأ صدري. قال لي المحامي وهو يبتسم: “خلاص يا مدام صباح… الأسبوع الجاي هيصدر الحكم النهائي بتمكينك الكامل من كافة حقوقك المالية، والقصة المأساوية دي قربت تخلص بالكامل.” ابتسمتُ وقُلتُ بوقار: “هي فعلاً قربت تخلص بالنسبة ليهم… بس بالنسبة لي أنا وابني، دي مجرد البداية لحياة جديدة مفيهاش مكان لظالم ولا لخائن.” لكن القاضي في الجلسة الختامية الحاسمة كان يخبئ في جعبته منطوق الحكم الأخير الذي سيزلزل كافة الأطراف ويضع القصة في فضلها النهائي والمنتظر!

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *