حماتي حكايات روماني مكرم

أشرقت شمس ذلك اليوم بخيوط من ذهب أذابت آخر رواسب الخوف والظلم التي عاشت في قلبي لسنوات. استيقظتُ في حجرتي الهادئة ببيت الحاجة أم أمل، أعددتُ لإبني طعامه وضممته إلى صدري، وفي عينيّ ثبات الجبال التي لا تهزها الرياح. اليوم هو موعد الجلسة الختامية الحاسمة في المحكمة الاقتصادية والأسرة، اليوم تُطوى الصفحة الأخيرة من كتاب القهر، وتُكتب السطور الأولى من رواية انتصاري الكامل. ارتديتُ ثوباً أنيقاً باللون الأسود يرمز لانتهاء حدادي على كرامتي المنتهكة، ووشاحاً أبيض يرمز لصفاء نياتي ونصر الله لي. خرجتُ برفقة المحامي المعلم وابن الحاجة أم أمل الذي وقف بجانبي كرجل من ظهر رجل. في ساحة العدالة: السقوط الأخير كانت قاعة المحكمة تعج بالحضور. وفي قفص الاتهام، كان المشهد يختصر كل معاني العدالة الإلهية: * حسن: واقفاً وراء القضبان، بجسد هسيل، وجه شاحب، وعينين غائرتين أطفأهما الخزي والندم. لم يعد ذلك الرجل الذي دخل بيته بيستعلي بهدايا مجانية وقسوة قلب؛ بل أصبح مجرد سجين ينتظر مصيره المحتوم. * شيماء: تبكي بزاوية القفص، تدق على صدرها بندم، تتطلع إليّ بنظرات استعطاف بعد أن سقطت عنها كل مظاهر الزيف والغرور. * توفيق البقلي:
يجلس مطأطأ الرأس، بعد أن تبددت أحلامه في السيطرة على السوق ورأى مستقبله التجاري ينهار بسبب جشعه ومكره. اعتلى القاضي منصة القضاء، وساد القاعة صمت كصمت المقابر. فتح المستشار الملف الضخم، ونظر إلى المتهمين بنظرات تحمل كل معاني الصرامة والعدالة، ثم بدأ بقراءة منطوق الحكم التاريخي: “باسم الشعب… بعد الاطلاع على المستندات الرسمية، وكشوف الحسابات البنكية الموثقة، والتقارير الطبية، وبناءً على التحقيقات التي أثبتت التهرب الضريبي، والتدليس المالي، والاعتداء الجسدي، والسرقة وخيانة الأمانة: * حكمت المحكمة حضوريّاً على المتهم حسن: * بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات عن تهم الاعتداء بالضرب، والتهرب الضريبي، وغسيل الأموال. * إلزام المذكور برّد كافة المبالغ المالية المسلوبة من المدعية ‘صباح’ وقدرها نصف مليون جنيه مصري، بالإضافة إلى تعويض مالي قدره مائتا ألف جنيه عن الأضرار النفسية والجسدية. * إلزام المذكور بدفع نفقة شهرية ومؤخر صداق وبدل سكن وحضانة للطفل. * حكمت المحكمة على المتهمة شيماء: * بالسجن لمدة سنة مع وقف التنفيذ والتعهد بمسؤولية رعاية والدتها المريضة، بتهمة الاشتراك في سرقة أوراق محجوز عليها قضائياً وخيانة الأمانة. * حكمت المحكمة على المتهم توفيق البقلي: * بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات بتهمة التهديد وحيازة مستندات مسروقة ومحاولة التزوير. * تثبيت التمكين الكامل للمدعية ‘صباح’: * تمكينها المطلق من شقة الزوجية وحضانة ابنها، وتصفية كافة الحصص المالية للمتهم حسن لصالح سداد ديونها ومستحقات ابنها.” سقطت الكلمات كالصواعق على رؤوس الظالمين. صرخت شيماء وانشقت الأرض تحت قدمي توفيق، بينما انهار حسن وسقط على ركبتيه داخل القفص، يضرب بيده على الحديد ويصرخ بدموع الندم المتأخرة: “سامحيني يا صباح! ارجعيلي يا صباح! أرجوكي يا بنت الناس أصلحي اللي انكسر!” التفتُّ إليه لأول مرة منذ بدء الجلسة، ونظرتُ في عينيه بكل ثبات وقوة، وقلتُ له بصوت هادئ وصلب سمعته القاعة كلها: “اللي انكسر يا حسن ما يتصلحش… الميدالية المجانية اللي رميتها في وشي كانت النهاية لرحلتي معاك، والحكم ده هو الميدالية الحقيقية اللي أخدتها من العدالة.. حقي ورجعلي، وعمري اللي ضاع منكوا ربي هيعوضني عنه.” العودة إلى الحياة خرجتُ من مبنى المحكمة مرفوعة الرأس، والشمس تشرق على وجهي وابتسامة العزة تتلألأ على شفتي. لم أكن مجرد امرأة استردت حقها المالي، بل كنتُ إنسانة استعادت كرامتها وكيانها وجودها. بعد مرور أشهر قليلة: * أخذتُ طفلي وصرفتُ المبالغ التي استرددتها بالقانون، وقمتُ بتأسيس مشروعي الخاص؛
مشروع صغير لإدارة وتجهيز خدمات المنازل والخدمات الفندقية بإدارتي المستقلة وبالتعاون مع الحاجة أم أمل وابنها، وأصبح اسمي يتردد في حي السيدة زينب وما حولها كأم وامرأة عصامية وناجحة. * شقة الزوجية التي طُردت منها بكرامتي المهدورة، قمتُ ببيعها بصفة قانونية واشتريتُ بيتاً جميلاً دافئاً لي ولابني في حي راقٍ، ملأته بالورد والدفء والأمان. * أم حسن عاشت ما تبقى من عمرها في دار الرعاية، أزورها بين الحين والآخر من باب الرحمة والإنسانية التي تربيت عليها، بينما شيماء انزوت في بيتها تحصد ثمار جشعها وتخدم أمها المريضة بذل وانكسار. * حسن في سجنه يمضي أيامه بين أربعة جدران، يحسب الأيام والساعات، ويفكر في الفاتورة الحقيقية التي دفعها من عمره وثروته بسبب غروره. جلسّتُ في مساء أحد الأيام في بلكونة بيتي الجديد، أشرب الشاي بينما ابن يلعب أمامي بضحكات تملا الدنيا أمل. أمسكتُ بالميدالية الصغيرة الرخيصة التي رمى بها حسن في وجهي يوماً ما، والتي احتفظتُ بها في درج مكتبي… لم أعد أنظر إليها بمرارة، بل أصبحتُ أنظر إليها كرمز لللحظة التي استيقظتُ فيها من غفلات الصبر المذل، وأدركتُ أن الكرامة لا تُباع ولا تُهدى، بل تُنتزع بالقانون والعقل والإيمان. ابتسمتُ، ثم ألقيتُ الميدالية في سلة المهملات، وأغلقتُ درج الماضي إلى الأبد. تمت بحمد الله.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *