بعد ما اطلقنا
بصت لشريف، كانت مستنية منه كلمة واحدة يوقف بيها أمه عند حدها.
ما فتحش بقه.
ندى مسكت القلم، وامضت على ورقة الطلاق بس.
لمت بقية حاجتها في شنطة صغيرة، وراحت على بيت أبوها، عم أمين بسيوني، جواهرجي قديم من بتوع زمان، قاضي عمره كله أكتر من أربعين سنة بين الماس والأحجار الكريمة.
بالليل، وصلتها دعوة إلكترونية على موبايلها:
”افتتاح فرع مجوهرات الجبالي الجديد في فندق أربع فصول النيل.”
شريف عمل البراند باسم عيلته بس، وهيفتتحه في أكبر فندق في القاهرة على النيل.
واحتد العك في السطر اللي مكتوب تحت الدعوة:
”ضيفة الشرف الأولى: الأستاذة ندى بسيوني.”
— عاوز يستغلني قدام الناس والإعلام عشان يبين إن كل حاجة انتهت بالود وبشياكة — ندى قالتها وهي بتعيط بحرقة.
عم أمين مسك الموبايل، قرا الدعوة، وابتسم ابتسامة غريبة كلها غموض.
— روحي يا بنتي.
— أروح يا بابا؟! أروح أشوفه وهو بيحتفل بعد ما مسح اسمي وتلغي وجودي؟!
— روحي يا ندى.. بابا عارف قايل إيه، وواثق إن الحفلة دي هيكون فيها شو مش هتنسيه طول عمرك.
بعد يومين، ندى راحت فرع الشركة في الزمالك عشان تاخد كشكول تصاميمها القديم.
الكارت بتاعها ما فتحش الباب.
صورها اللي كانت متعلقة في المدخل اتشالت.
اسمها اتمسح تمامًا من الكتالوجات والدعاية.
وفي Vitrine العرض الرئيسية في نص المحل، المكان اللي كان مكتوب فيه زمان إن “الـ 13 قطرة ندى” ملكية خاصة لـ ندى بسيوني، كانت متعلقة يافطة نحاس جديدة مكتوب عليها:
”إرث الجبالي.. أصل وإمبراطورية مجوهراتنا.”
ندى وقفت متنحة في مكانها ومش مصدقة الجرأة.
في اللحظة دي، داليا بنت صغيرة شغالة في المخزن والحرص، عدت من جنبها وفي ثانية كانتزقة ورقة مطوية في شنطة ندى بسرعة ومشيت.
ندى خرجت الشارع وفتحت الورقة بإيد بتترعش..
كان مكتوب فيها بخط إيد داليا:
”دفتر Inventaire الأصلي لسه معايا ومحدش يعرف. أوعي تصدقي الأحجار اللي معروضة جوه الواجهة!”
محدش كان يتخيل إيه المصيبة اللي مستنياهم في الحفلة…الجزء الثاني
عم أمين قرا الورقة ثلاث مرات بتركيز شديد.
بعدها مشى لحد مكتب خشب قديم، طلع مفتاح كان مستخبي ورا صورة المرحومة “كريمة”، وفتح أرشيف ندى ما شفتهوش من سنين.
جوه الأرشيف كانت في وصية أمها، والشهادات المعتمدة للأحجار الكريمة، وصور ميكروسكوبية لكل حجر، وأهم من ده كله: العقد الأصلي اللي شريف ماضيه بإيده.
— أمك الله يرحمها خلتني أوعدها إن أشيل نسخ من كل حاجة — عم أمين قالها وهو بيمسح بنظارته — كانت دايماً تقول: المجوهرات الغالية بتجيب المعجبين، بس بتصحّي فيهم الجشع والنفس الأمارة بالسوء.
البند في العقد كان صريح ومافيهوش فصال: ممنوع بيع أي قطعة، أو التنازل عنها، أو تقديمها كضمانة للبنك، أو إدخالها في أصول الشركة من غير حضور ندى وتوقيعها شخصياً.
وشريف كان عارف كويس أوي إن الأحجار دي عمرها ما كانت ملك للشركة.
الأستاذة فريدة الجبالي، المحامية، نصحتهم ما يعملوش أي بلاغ أو شوشرة إعلامية دلوقتي:
— طالما بيجذب المستثمرين والبنوك وشركات التأمين بأكاذيب، سيبوه يكمل. كل كدبة متوثقة هتبقى حبل بيتلف حوالين رقبته.
الصدمة التانية جت من عميلة ثقيلة في السوق.
مدام كاميليا، سيدة أعمال من الإسكندرية، جت لبيت عم أمين ومسكاة خاتم كانت اشتريته من المحل من كام شهر بـ 6 مليون جنيه.
شركة التأمين طلبوا إعادة تقييم للخاتم، والمفاجأة إن الحجر مش هو اللي مكتوب في الشهادة الأصلية!
ندى فحصت الحجر بالعدسة المكبرة وقالت بذهول:
— الألماسة دي مش هي اللي أنا نقيتها بنفسي!
مدام كاميليا أشتعلت غضباً:
— أنا اشتريت الخاتم ده عشان وثقت في اسمك وذوقك يا ندى!
— ومن حقك تاخدي حقك وتعرفي الحقيقة.
وده كان معناه حاجة واحدة بس: في حد جوه الشركة بيبدل الأحجار الأصلية النظيفة بأحجار تانية أقل جودة، وبيحتفظ بالشهادات الأصلية لحسابه!
الفجر، داليا كلمت ندى من رقم غريب.
اتقابلوا الساعة 6:30 الصبح في كافيه صغنن جنب مستشفى الساحل. داليا كانت مرعوبة وبترتعش؛ أمها مريضة فشل كلوي وشغلها هو المصدر الوحيد لعلاجها.
طلعت ظرق من شنطتها:
— شريف بيه أجبرني أمضي على دفتر جُرد جديد.. وهددني يطردني لو رفضت.
نسخ الجُرد القديم كانت بتاكد إن “الـ 13 قطرة ندى” أمانة شخصية.
بس في السجلات الجديدة، العبارات اتعدلت.. وفي صفحة كاملة مقطوعة ومختفية!
الصفحة الخاصة بياقوتة “دم الغزال”.. أغلى حجر في المجموعة.
— الياقوتة فين يا داليا؟ — ندى سألت بلهفة.
داليا هزت رأسها بنفي:
— معرفش والله، بس من كام شهر شفت شريف بيه طالع من الخزنة بصندوق مع فريدة زهران.
فريدة زهران كانت مديرة العلاقات العامة الجديدة في الشركة.. وهي هي نفس الست اللي الحاجة فاطمة بدأت تعزمها في البيت وفي العزومات العائلية، وبتعامل ندى قدامها كأنها غريبة.
الشك الشكوك ما بقتش مجرد ظنون، دي بقت حقيقة واضحة.
قبل يوم الافتتاح، الحاجة فاطمة عزمت ندى على العشاء في بيتها في مصر الجديدة. على السفرة كان قاعد شريف، وفريدة زهران، وبعض الأقارب.
بعد الأكل، شريف طلع وثيقة وحطها قدام ندى:
— تنازلي رسمياً عن أي مطالبات في براند “الجبالي”، وهديكِ 2 مليون جنيه كمان فوق الـ 5.
— أنت بتحاول تشتري سكاتي بفلوس أصلها من شركتي وشقايا؟
الحاجة فاطمة ضربت الترابيزة بإيدها:
— أنتِ خلاص ما بقتيش من العيلة دي!
ندى وقفت بثبات:
— فعلاً.. بس ورث أمي كمان مش من حق عيلتكوا.