جوزي حجز تذاكر

مرت بضعة أشهر أخرى على ليلة الفندق الشديدة البرودة، وتضاعفت قسوة الشتاء على القاهرة. أصبحت أسطح العمارات القديمة في حدائق القبة ملاذاً للأرواح التي لفظها المجتمع، وكان طارق يمر بأصعب أيام حياته على الإطلاق. لم تعد مسألة الفقر والضياع هي ما يؤرقه فحسب، بل إن حقيقة طرده من شركة الشحن عقب حادثة الفندق قد قطعت آخر حبل نجاة كان يقتوت منه.
تدهورت حالة أخته فاطمة بشكل مفاجئ؛ المرض المناعي الذي أصابها التهب في جوفها ورئتيها، وأصبحت طريحة الفراش في ذلك الملحق الضيق، لا تجد ثمن الدواء ولا حتى وسيلة تدفئة تُبعد عنها قرس البرد. طارق كان يخرج كل صباح ليطوف على ورش السيارات ومحلات الخضار والمقاهي في المنطقة، يترجى أصحابها ليحصل على أي عمل يومي، لو حتى حمل أكياس الفحم أو مسح الأرضيات مقابل بضع جنيهات يسد بها رمق أخته ويشتري لها علبة مسكنات رخيصة.
وفي إحدى الليالي المطيرة، كان طارق يهرول في الحارة والماء ينسكب من حذائه الممزق، يحمل في يده كيسًا بلاستيكيًا فيه بضع رغفات وجبن، وعلبة دواء واحدة استطاع جمع ثمنها بعد عمل دام 14 ساعة متواصلة في مسح السيارات.
أول ما فتح باب الملحق، سمع صوت شهقات فاطمة العالية وهي بتتلوى على المفرش المتهالك:
— “طارق.. أنا بموت يا طارق! صدري مقفول ومش قادرة أتنفس! الحقني يا طارق نزلني أي مستشفى حكومي!”
طارق جرى عليها، حط إيده على جبهتها لقاها زي النار المشتعلة. مسك إيدها المرعوشة وهو بيبكي بقلة حيلة شديدة:
— “فاطمة! امسكي نفسك يا فاطمة.. أنا جيبت الدوا أهو! خدي بؤ مية واشربيه!”
فاطمة زقت إيده بضعف وبدأت تنتفض، وصوتها بيطلع بالعافية:
— “الدوا ده مش هينفع.. أنا محتاجة أوكسجين ومحتاجة مستشفى يا طارق.. ربنا بياخد حقه مننا يا طارق! ربنا بياخد حق مريم وابنها اللي حرمناهم من أبسط حقوقهم وأنا كنت بقعد أضحك وأتريق عليها وهي واقفة بتتلوى من الوجع في القطر! ذنبها بياكل في جسمي يا طارق!”
طارق اتسمر في مكانه والدموع نازلة تغسل التراب اللي على وشّه. الجملة دي كانت بتضربه زي الساطور في دماغه.
شال أخته على دراعاته بالرغم من تعبه وهزاله، ونزل بيها السلالم المظلمة بتاعة العمارة القديمة في وسط المطر الشديد. خرج للشارع العادي يصرخ في التاكسيات عشان حد يرضى يقف ياخدهم، لكن كل تاكسي كان بيعدي ويرش عليهم المية الملوثة ويمشي.
بعد أكثر من ساعة من المعاناة، وقف له راجل طيب بسحر سيارته النصف نقل، ونقلهم لمستشفى القصر العيني الفرنساوي (المبنى المجاني).
في صالة الإستقبال العادي، الأطباء والممرضين كانوا بيجروا بين المئات من الحالات الحطرة. طارق صرخ في الممرضين:
— “أختي بتموت! محتاجة عناية مركزة وأوكسجين فوراً!”
طبيب الطوارئ كشف عليها بسرعة، وهز رأسه بأسف شديد وقال لطارق:
— “الحالة متأخرة جداً يا أستاذ، الرئة شبه متوقفة والمناعة صفر. هي محتاجة سرير عناية مركزة مجهز بتنفس صناعي فوراً، والأسِرّة المجانية هنا كلها مشغولة للأسف. لازم تتنقل العناية المركزة بباب الاستثمار أو مستشفى خاص، وده بيكلف مبالغ كبيرة في اليوم الواحد.”
طارق انهار على كفوفه، صوته خرج كصوت الذبيح:
— “فلوس إيه يا دكتور؟! أنا حيلتيش ولا مليم! أنا معاييش غير 30 جنيه في جيبي! اتصرفوا أرجوكم دي أختي الوحيدة!”
الطبيب بص له بحزن وقال:
— “إحنا حطيناها على جهاز تنفس يدوي مؤقت، بس ده مش هيصمد أكتر من ساعات. حاول تتصرف في أي مكان أو أي واسطة تدبرها في أي مستشفى تاني.”
طارق خرج برة مبنى الطوارئ، المطر كان ينزل بغزارة والبرد بيشق عظامه. وقفت في الشارع والناس رايحة وجاية، التليفون القديم في إيده اللي مفيهاش غير كارت شحن بواقي بضع قروش.
ساعتها.. طارق مالقاش قدامه غير خيار واحد، خيار كان أحرم عليه من الموت نفسه، بس الموقف كان حياة أو موت.
طلب رقم الأستاذ طاهر المحامي.. الرقم اللي كان محفوظ في ذاكرته زي الوشم.
الخط رن.. ورن.. وفي الرنة الأخيرة رد الأستاذ طاهر بصوت جاد ورسمي:
— “أهلاً يا طارق بيه.”
طارق انهار في التليفون وبدأ ينتحب بصوت هستيري يقطع القلب:
— “أستاذ طاهر! أرجوك يا أستاذ طاهر يبوس إيدك ورجلك! فاطمة أختي بتموت في القصر العيني! محتاجة سرير عناية مركزة فوراً وأنا حيلتيش المليم! أرجوك كلم مريم.. قولها تصفح عننا! قولها تخلي مستشفياتها أو مؤسستها تدفع ثمن السرير ده لله! والله العظيم فاطمة بتموت يا أستاذ طاهر!”
على الناحية التانية، كان الأستاذ طاهر قاعد في مكتبه الفخم، وقدامه ملفات وأوراق عمل. أخذ نفس عميق وقال بمنتهى الثبات والهدوء:
— “طارق.. مدام مريم مش متفرغة متابعة أخبارك أو أخبار أختك. وبعدين أنت جاي تطلب منها الإنسانية والرحمة دلوقتي؟ هي فاطمة نسيت لما مريم كانت حامل في الشهر السابع وضهرها بينكسر ورجلها وارمة زي البلونة، وقعدت تتطلع رأسها من عربية الـ VIP وتتريق عليها وتقولك ‘أكيد حد هينزل المحطة اللي جاية’ وتطلبوا حلويات وعصاير وفرش؟!”
طارق صرخ بأعلى صوته في الشارع وهو بيلطم على وشه:
— “أنا الغلطان! أنا الجزس وأنا الخاين وأنا اللي نست إني راجل! أختي ملهاش ذنب، هي كانت بتسمع كلامي! خلوا العقاب عليا أنا! اضطردوني، ارموني في السجن، اعملوا فيا أي حاجة بس أنقذوا فاطمة!”
الأستاذ طاهر سكت ثواني معدودة، وصوت المطر والدموع كان هو الوحيد المسموع، وبعدها قال بصوت بارد:
— “مدام مريم أسست جمعية خيرية لعلاج الحالات الحرجة من سنتين، والجمعية دي بتعالج أي إنسان محتاج بدون النظر لشخصه أو تاريخه، لأن مريم بتعامل ربنا مش بتعامل البشر. أنا هبلغ إدارة الجمعية تحول حالة أختك لمركز عناية خاص على نفقة الجمعية فوراً.”
طارق حس بغصة خنقت حنجرته، ودموعه نزل أكتر من الخجل والكسوف:
— “جد.. بجد يا أستاذ طاهر؟ مريم هتعالج فاطمة؟”
رد المحامي بنبرة كانت أشد قسوة من الرفض نفسه:
— “أيوة هتعالجها.. بس مش عشان خاطرك ولا عشان سامحتكم. مريم هتعالجها عشان تثبت لنفسها وللعالم كله الفرق الشاسع بين أصلها وأصلكم.. الفرق بين الست اللي لما تملك القوة ترحم وتنقذ الأرواح، وبين الراجل اللي لما مسك قرشين ساب مراته الحامل تتلوي من الوجع في عربية البضايع. التغطية الطبية هتوصل حالا للطوارئ، وادعي لأختك بالشفاء.”
قفل الأستاذ طاهر الخط.
بعد أقل من نص ساعة، دخل فريق طبي متكامل من إحدى المستشفيات الاستثمارية الكبرى التابعة لمؤسسة مريم الخيرية، ونقلوا فاطمة في سيارة إسعاف مجهزة بالكامل ومزودة بكل أجهزة التنفس الصناعي الحديثة، وتم إدخالها غرفة عناية مركزة فاخرة، وتولى أطباء استشاريون متابعة حالتها على مدار الساعة.
طارق كان واقف برة زجاج غرفة العناية المركزة في المستشفى الاستثماري الفخم.
كان بيبص لأخته وهي نايمة تحت الأجهزة والمحاليل، بملابسها النظيفة والرعاية التامة اللي اتوفرت لها بلمسة زر واحدة من مريم.. الست اللي سابوها واقفة على رجلها وضحكوا عليها!
قعد طارق على الكرسي في الاستراحة الفخمة للمستشفى، مسك رأسه بإيديه، وكانت دموعه بتنزل بسكوت قاتل.
كان بيحس بإهانة وخجل لم يذقهم إنسان من قبل. الصفحة ما كانتش انتقام بالضرب أو السجن أو الأذى.. الانتقام الحقيقي كان بالنبل والإحسان! مريم ردت على الجحود بالإحسان، وعلى القسوة بالرحمة، وعلى النذالة برقية الأصل.
كل جهاز بيتحرك في غرفة أخته، وكل دواء بيدخل جسمها، كان عبارة عن دين وذل حقيقي يطوق رقبته ورقبة أخته طوال العمر، يذكرهم في كل لحظة بتفاهتهم وضآلتهم أمام هذه المرأة الجبل.
وفجأة.. التليفون في إيده رن.
كان الأستاذ طاهر.
طارق حط التليفون على أذنه بصوت مرتعش ومكسور:
— “أستاذ طاهر.. أنا مش عارف أقول إيه.. أنا مش عارف أشكر مريم إزاي..”
رد الأستاذ طاهر بصوت جاد وواضح:
— “ما تشكرش حد يا طارق. أختك هتتلقى العلاج الكامل لحد ما تشفى تماماً وتخرج على رجلها. بس الأوراق اللي هتوصلك بكرة مع المندوب لازم تتوقع فوراً.”
— “ورق إيه يا أستاذ طاهر؟”
— “ورق تنازل رسمي وأبدي عن أي محاولة للتعرض أو السؤال عن يوسف أو مريم، وإقرار بعدم وجود أي صلة عائلية أو قانونية بينك وبينهم للأبد. بالإضافة لإقرار خروج نهائي من القاهرة وتعهد بعدم التواجد في النطاق السكني أو العملي لمدام مريم أو ابنها.”
طارق بص لغرفة أخته، وبص للورق الخيالي اللي كان عايش فيه، وقال بنبرة ميتة تماماً:
— “أنا موافق يا أستاذ طاهر.. هوقع على أي ورقة.. بس قول لمريم.. قولها إنها قتلتني بحسنتها دي أكتر ألف مرة من لو كانت سجناني.”
رد الأستاذ طاهر قبل ما يقفل:
— “مريم مش محتاجة تقهرك يا طارق.. أنت قهرت نفسك من يوم ما اخترت تكون نذل.”
مر عامان آخران على تلك الليلة التي أُنقذت فيها حياة فاطمة في المستشفى الاستثماري، لتستقر أقدام الجميع على خريطة المصائر التي رُسمت بمداد العدالة والمواقف.
كانت القاهرة قد ودّعت فصل الشتاء ودخلت في صيف لاهب، لكن طارق وأخته كانا قد ابتعدا تماماً عن صخب العاصمة وزحامها. بعد أن وقع طارق على إقرار الجلاء النهائي والتنازل الأبدي، انتقل برفقة أخته التي استردت جزءاً من عافيتها الجسدية —وإن ظلت روحها مكسورة بالكامل— إلى قرية نائية في أطراف محافظة الفيوم.
هناك، عاشا في بيت طيني صغير بستار من القش. عمل طارق أجيرًا في أحد أراضي الاستصلاح الزراعي، يحرث الأرض تحت شمس النهار الحارقة، ببدن منهك وجسد نحف حتى برزت عظامه. لم يعد يملك من الماضي سوى ذكريات تلتهم عقله كل ليلة، وصورة قديمة لمريم كانت قد سقطت من إحدى المجلات الاقتصادية، يحتفظ بها في صندوق خشب صغير تحت سريره المتهالك.
أما فاطمة، فقد انقلبت حياتها إلى عزلة تامة. كانت تجلس طوال اليوم أمام باب البيت الطيني، تتأمل الأفق الممتد، ولا تنطق إلا بقليل من الكلمات. كلما مرت أمامها امرأة حامل أو سمعت صوت قطار يمر من خط السكة الحديد البعيد في أطراف القرية، كانت تغطي وجهها بثرائها وتبكي في صمت قاتل. لقد تحولت “ضحكتها الساخرة” في عربة الـ VIP إلى كابوس يطاردها في كل لحظة يقظة أو منام.
في المقابل، كانت إمبراطورية “يوسف القابضة” تتمدد وتتألق في سماء الاقتصاد العربي والدولي.
وصل يوسف إلى سن السادسة، وأصبح صبياً ك كحيل العينين، ذكياً ومرحاً، يفيض أدباً ورجولة مبكرة زرعتها فيه أمه وأنيسها والدها. لم يكن يوسف يعرف شيئاً عن طارق سوى أنه “إنسان من الماضي انتهى أثره”.
في صبيحة أحد أيام شهر يوليو، أقيمت احتفالية ضخمة في العاصمة الإدارية الجديدة، بمناسبة تدشين أكبر مركز للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي في أفريقيا، وهو المشروع القومي الضخم الذي أوكلت الدولة إدارته بالكامل لمؤسسة مريم الألفي.
كان الحفل محضوراً بكبار رجال الدولة، والوزراء، وسفراء الدول الأجنبية. وقفت مريم على المنصة الرئيسية في قاعة المؤتمرات الكبرى، بلباس رسمي يفيض بالأناقة والهيبة، والضوء المسلط عليها يعكس طاقة امرأة لم تهزمها الخيانة، ولم ينل من كرامتها الغدر.
بجوار المنصة، كان والدها يقف متكئاً على عصاه الأنيقة، وبجواره يوسف الصغير الذي كان يرتدي بذلة رسمية أنيقة، ويحمل في يده باقة ورد حمراء ليقدمها لأمه بعد انتهاء كلمتها.
وقفت مريم أمام المكبرات، وبدأت كلمتها التي بُثت على الهواء مباشرة عبر كافة القنوات الفضائية المصرية والعربية:
— “عندما يبني الإنسان حياته على الزيف والأوهام، فإن أول عاصفة هادئة كفيلة بإسقاط جدرانه المتهالكة. الحياة لا تُقاس بما نملكه من مظاهر، بل بما نحمله في قلوبنا من أصل ونبل وقدرة على التحمل. أهدتني الحياة مجدداً هذا النجاح، لأنني اخترت أن أكون صادقة مع نفسي، ولأنني لم أسمح لأي يد جائرة بأن تسرق مني إيماني بربي وبإنسانيتي.”
صفقت القاعة بالكامل في نوبة رديت استمرت لدقائق.
في تلك اللحظة بالذات، وفي المقهى الشعبي الوحيد في تلك القرية النائية بالفيوم، كان التلفاز المتهالك المعلق على الحائط يعرض البث المباشر للاحتفالية.
كان طارق يجلس في الزاوية المعتمة للمقهى، يرتدي جلباباً ممتلئاً بتراب الأرض، ويحمل في يده كوب شاي أسود. كانت عيناه الشاحبتان معلقتين بالشاشة.
رأى مريم.. رأى وجهها الصافي الذي لا تفارقه الثقة..
ورأى ابنه يوسف وهو يصعد على المنصة، ويحتضن أمه ويقبل يدها، ثم يلتفت للكاميرا ليحيي الجمهور بابتسامة مشرقة.
الناس في المقهى قعدوا يتكلموا بإعجاب شديد:
— “ما شاء الله عليها! ست بـ مية راجل.. شوف إزاي بتبني وتعمل مشروعات للبلد، وشوف ابنها المؤدب إزاي مرفوع الرأس!”
— “أيوة والله، العز والأصل باين عليهم.. ربنا يحفظهم ويرزقنا نصيب من نجاحهم.”
طارق كان قاعد بيسمع الكلام ده وكل كلمة كانت بتدخل في قلبه زي المبرد الصديء. الدموع انهمرت من عينيه بغير إرادة منه، وتساقطت في كوب الشاي الذي يحمله.
لم يستطع الاحتمال. قام ببطء، وجر قدميه الحافيتين تقريباً وخرج من المقهى، يمشى في الحقول المظلمة تحت أنوار القمر الخافتة.
رفع رأسه للسما وصصرخ بصوت خافت ومكتوم:
— “يا رب.. يا رب أنا اتعاقبت.. أنا اتعاقبت أشد عقاب! حرمتني من ابني، وحرمتني من هيبتي، وسيبتني عايش زي الميت بشوفهم في التليفزيون ومش قادر أقول للولد ‘أنا أباك’!”
وفجأة، جاؤه صوت هاتفه القديم المتربي في جيبه..
فتح الخط بلسان ثقيل:
— “ألو..”
كان الصوت للأستاذ طاهر المحامي، نبرته كانت قاطعة ورسمية كالعادة:
— “مساء الخير يا طارق.”
طارق بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح:
— “أهلاً أستاذ طاهر.. خير؟ فيه حاجة تاني؟ أنا بعيد والله ومبنزلش القاهرة خالص وماشي جنب الحيط..”
— “أنا بكلمك عشان أبلغك إن الاستحواذ النهائي على شقتك القديمة في حدائق القبة، والتصرف في كل متعلقاتك الباقية تم بصفة رسمية ونهائية. والمبلغ المتبقي من تسوية الديون السابقة (وهو مبلغ صغير جداً) تم تحويله على حساب بريدي باسم أختك فاطمة عشان تقدر تصرف منه على علاجها الشهري.”
طارق غمض عينيه وقال بمنتهى الاستسلام:
— “شكراً يا أستاذ طاهر.. شكراً لمريم إنها لسه فاكرة علاج فاطمة..”
رد المحامي ببرود:
— “مريم مش فاكرة أختك ولا فاكراك يا طارق.. الملفات دي بتدار تلقائياً من خلال قسم الشؤون الاجتماعية في المؤسسة. مريم حالياً بتستعد للسفر لسويسرا لحضور قمة الاقتصاد العالمي، وهي المحاضر الرئيسي في المؤتمر.”
سكت طارق ثواني، وبعدها سأل بصوت يشبه الهمس:
— “أستاذ طاهر.. هو يوسف.. يوسف بيسأل عليا؟ عارف أي حاجة عني؟”
جاءه رد المحامي كالسيف القاطع الذي حسم كل شيء:
— “يوسف بيسأل عن أجداده وأمه وأبناء عيلته المحترمين يا طارق.. يوسف كبر وعارف إن أمه ست مكافحة وعظيمة، وما يعرفش إن فيه إنسان في الدنيا اسمه طارق ساب أمه الحامل في الشهر السابع واقفة على رجلها في القطر عشان يقعد أخته ويطلب عصاير فريش. يوسف بيتربى يكون راجل.. والرجال ما بيشبهوكش.”
قفل الأستاذ طاهر الخط، وترك طارق واقفاً في وسط الغيط المظلم.
جلس طارق على الأرض الترابية، وحضن ركبتيه بفرقعة شديدة من البكاء. كان الهواء البارد يلفه، وصوت صرار الليل هو الوحيد المسموع حوله.
لقد أدرك في تلك اللحظة الأخيرة أن قطار حياته الحقيقي قد فاته في أسيوط، وأن ما بقى منه ليس إلا أشباحاً تتألم وتعيش على هامش الوجود، بينما القطار الذي ترك فيه مريم قد وصل إلى قمة العالم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *