جوزي حجز تذاكر
الشمس كانت طالعة في التجمع الخامس بنور دافي، بس الجنينة بتاعة الفيلا كانت زي المقبرة. طارق واقف في أراضيها، وشه شاحب زي الميت، وإيديه بتترعش وهو بيقلب في الأوراق القانونية اللي سابها الأستاذ طاهر على الطاولة الخشب. كل ورقة كانت عبارة عن صفعة بتصحيه من كابوس دام سنتين.. أو بالأحرى بتصحيه من وهم كان عايش فيه وراسمه لنفسه.
فاطمة أخته كانت قاعدة على الكرسي وجسمها كله بيتفض. المشروبات الباردة والحلويات اللي كانت بتطلبها في صالة الـ VIP بالقطر وهي بتتريق على مريم مرّت قدام عينها زي شريط سينما، بس المرة دي بطعم المُر والسم.
— “طارق.. هنعمل إيه؟” صوته طلع مبحوح ومذعور. “يعني إيه نرجع شقة حدائق القبة؟ يعني إيه الشفرة متغيرة والفيلا مش بتاعتنا؟ طارق اتكلم! اتصل بعمك تاني.. اتصل بمريم، خليهم يرحمونا! إحنا ملناش مكان نروح فيه، وأنت عارف إن شقة ماما هناك متأجرة وفيها سكان وبقيلها سنة عشان العقد يخلص!”
طارق ما ردش. صوته كان محبوس في زوره. مسك تليفونه تاني بأصابع متلجة وطلب رقم مريم.. المرة دي التليفون رن!
قلبه دق بفرقعة شديدة من الأمل، حط التليفون على أذنه وهو بيتنفس بسرعة:
— “مريم! مريم ردّي عليا أرجوكِ! مريم أنا أسف.. أنا والله العظيم ما كنت أقصـ—”
— “الخط ده تحت الإدارة القانونية لمكتب الأستاذ طاهر يا طارق بيه.”
الصوت ما كانش صوت مريم. كان صوت السكرتيرة التنفيذية لمكتب المحاماة.
— “مدام مريم موبايلها مقفول بأوامر طبية وممنوع عنها أي اتصالات قد تسبب لها إجهاد عصبي. أي محاولة للتواصل المباشر معها أو الاقتراب من مقر إقامتها الحالية أو المستشفى هتُعتبر مضايقة صريحة وهنصدر ضدك أمر بعدم التعرض فوراً. أرجو إن الرسالة تكون وصلت.”
السكرتيرة قفلت الخط قبل ما ينطق بكلمة.
طارق مسك التليفون ورمى بيه في النجيل بغل وحسرة. القوة اللي كانت عنده، الفشخرة اللي كان بيعملها قدام زمايله في الشركة، الكلمة اللي كان بيمشيها على مريم بكل جبروت لمجرد إنه فاكر إنها “صعبة ومحتاجة له”.. كل ده انهار في لحظة. افتكر يوم الجواز، لما مريم قالت له بابتسامة هادية وهي ماسكة إيده: “أنا مش عايزة منك غير إنك تتقي ربنا فيا يا طارق.. الفلوس والظروف بتروح وتيجي، بس الحنية والأصل هما اللي بيبقوا.”
ساعتها طارق افتكر إنها بتقول كده عشان هي “فقيرة” أو “مكسورة الجناح” ومالهاش عيلة تنصفها، فساق فيها وعاش دور البطل المعطاء اللي بيمن عليها بلقمة العيش!
— “أنا لازم أروح للمستشفى..” قال طارق وهو بيلف حوالين نفسه زي الفرخة المذبوحة. “أنا لازم أشوفها بنفسي. هي أكيد مش هتهون عليها العِشرة.. مريم بتحبني، أنا عارف إنها بتحبني! هي بس زعلانة عشان اللي حصل في القطر.. هروح أركع تحت رجلها وأطلب منها السماح، هي قلبها أبيض وست طيبة وبتسامح!”
فاطمة قامت وقفت وجريت عليه، مسكت في هدومه:
— “أيوة يا طارق! روح لها! استسمحها، اعتذر لها قدام كل الناس، وقولها إن فاطمة أختك كانت غبية وغلطانة وأنا مستعدة أروح أبوس رأسها وأخدمها وهي حامل لحد ما تولد! طارق إحنا لو اتفضحنا في العيلة وعمي عرف، وسر الشركة والتجميد ده اتعرف، إحنا هنسف التراب! شغلك كله يطير!”
طلعت فاطمة وطارق بيجروا على بوابة الكمبوند. أفراد الأمن كانوا واقفين بيبصوا لهم بنظرات ساخرة ومريبة. السائق الخاص اللي كان طارق بيؤمره وينهى عليه ويقوله “جهّز العربية يا حسن” جه وقف قدامه، وبص له بمنتهى البرود:
— “طليق الهانم.. الأستاذ طاهر بلغنا إن مفاتيح العربية الرينج روفر تسلمها فوراً، لأن العربية مسجلة باسم الشركة القابضة المملوكة لوالد مدام مريم، وحضرتك مالكش حق استخدامها بعد النهاردة.”
— “أنت بتكلمني كده إزاي يا جدع أنت؟!” صرخ طارق وهو بيفقد أعصابه. “أنت نسي نفسك ولا إيه؟!”
الحارس الرئيسي للكمبوند قرب بثبات وحط إيده على كتف طارق بقوة:
— “يا أستاذ طارق، بلاش مشاكل ونبي. أستاذ طاهر جابلنا أمر كتابي وإخلاء رسمي. المتعلقات الشخصية بتاعتك أنت وأختك هتتلم في شنط وتتحط برة البوابة الساعة 2 الضهر. لو سمحت سلم المفاتيح واطلع برة الكمبوند بهدوء عشان ما نطلبش النجدة وتعمل لنفسك فضيحة على الفاضي.”
طارق رمى المفاتيح في وش السواق، وجر أخته من إيدها وخرجوا برة الأسوار العالية.
الشمس كانت حارقة، والرصيف كان ناشف ومفيش حتى ظل يقعدوا تحته. طارق وقف على شارع التسعين في التجمع، التاكسيات بتعدي من قدامه وهو مش قادر يستوعب إنه من بضعة أيام كان بيمشي بالعربية الفارهة وبيأمر ويطاع، ودلوقتي واقف على الرصيف مش لاقي مكان يروح فيه!
— “هنروح فين دلوقتي يا طارق؟” فاطمة قعدت على الشنطة الصغيرة اللي كانت حايلاها في القطر وبدأت تعيط بانهيار. “الشارع؟ هنقعد في الشارع بالشنط؟!”
— “اسكتي بقى! اسكتي خالص!” زعق طارق وهو بيمسك دماغه اللي كانت هتتفجر. “على حدائق القبة.. هنروح لشقة ماما. هخلي البواب يكسر القفل أو نطرُد الساكن بأي طريقة.. تصرفي معايا تكسي بسرعة.”
أخدوا تكسي وطلعوا على حدائق القبة. المنطقة الشعبية القديمة اللي طارق كان بيستعار ينطق اسمها قدام صحابه وأصحاب مريم، وكان دايماً بيقولهم: “أنا سكنت في التجمع عشان بحب الهدوء والأماكن الراقية، لكن أملاكي التانية متوزعة.”
وصلوا العمارة القديمة. الشارع ضيق، والمبنى المتهالك والسلالم المكسورة كانت استبصار قاسي للواقع الجديد.
طلعوا الدور التالت، وطارق خبط على الباب بعنف شديد.
فتح الساكن، راجل كبير في السن ولابس جلابية، بص لطارق بضيق:
— “خير يا أستاذ طارق؟ في إيه بتخبط كده ليه كأن البيت بيولع؟”
— “عم إبراهيم.. أنت لازم تفضي الشقة دي فوراً!” قال طارق بصوت مرتعش. “أنا محتاج الشقة ضروري جداً النهاردة!”
الراجل العجوز بص له باستغراب وضحت ضحكة سخرية:
— “أفضي إيه يا ابني؟ أنت شارب حاجة على الصبح؟ أنا دافع الإيجار مقدم لسنة كاملة والعقد بتاعي ينتهي بعد سبع شهور! وفوق ده كله، أنا بكلم المحامي بتاعك وبحول الإيجار شهرياً على المكتـ— استنى كده! هو مش المحامي ده اللي كلمني امبارح بليل؟”
طارق جمد في مكانه:
— “محامي إيه؟ أستاذ طاهر؟!”
— “أيوة! الأستاذ طاهر كلمني وقال إن الشقة دي مكتوبة بعقد تنازل وهيحولي قيمة الإيجار لسنة كمان قدام بشرط إني ما أخرجش منها ولا أسمح لأي حد يدخلها إلا بأمره! وقال لو أنت جيت، أبلغ أمن المنطقة فوراً!”
طارق اتسند على الحيطة الزفرة بتاعة السلم. رجليه ما بقتش شايلاه.
مريم.. مريم ما سابتش ثغرة واحدة!
الست اللي كان فاكرها ساكتة، ومستكينة، ومش فاهمة حاجة في الدنيا غير القعدة في البيت والمطبخ.. طلعت متحكمة في كل خيط من خيوط حياته، ومحاصراه من كل اتجاه بمنتهى الذكاء والهدوء، من غير ما ترفع صوتها ولا تطلع كلمة واحدة العيب!
فاطمة قعدت على الدرج وبدأت تصوت وتلطم على وشها في وسط العمارة:
— “يا لهوي يا فضيحتنا! يا خرابي يا طارق! هنعمل إيه؟ هننام في الشارع؟!”
الجيران بدأوا يفتحوا البيوت ويطلعوا برؤوسهم يتفرجوا عليهم. طارق شد أخته بالقوة ونزلوا على الشارع وهو حاسس إن كرامته ونفسه عريانة قدام العالم كله.
— “لوكاندا..” قال طارق وهو بيهمس لنفسه. “هنأجر أوضة في لوكاندا رخيصة لحد ما الصبح يجي ونروح لمكتب الأستاذ طاهر.. لازم أحل الموضوع ده قانونياً، أصل هي ملهاش حق تعمل كده، أنا جوزها شرعاً وقانوناً ودا ابنها اللي في بطنها!”
قضوا الليل في لوكاندا متهالكة في وسط البلد. الأوضة كانت ضيقة، ريحتها رطوبة وصوت العربيات برة ما بيقفش. طارق ما قدرش ينام ثانية واحدة. كل ما يغمض عينيه، يشوف منظر مريم وهي واقفة جنب عربية البضائع في القطر، صامتة، عينها ثابتة عليه ببرود مرعب.. وبصوت القطر وهو بيبعد في محطة أسيوط.
افتكر كل مرة اتريق عليها قدام أخته، كل مرة طلب منها أكل ومشي وسابها تنضف البيت لوحدها وهي تعبانة، كل مرة تباهى قدام أصحابه إنه “ممشّي كلامه عليها ومقعدها من السايبر سكيورتي عشان تتفرغ لخدمته”.
اتاريها كانت سايقاه.. اتاريها كانت ساكته عشان بتختبر أصله.. ولما لقيت أصله عريان ومفيش فيه خيط رجولة واحد، رفعت إيدها وسابته يقع من الساقية للجريد!
الصبح بدري، الساعة كانت 9:30. طارق كان واقف قدام البرج الإداري الضخم في جاردن سيتي اللي فيه مكتب الأستاذ طاهر.
كان لابس نفس الهدوم بتاعة امبارح، مجعدة وريحتها تعب، وشه ذبلان، وعينيه أحمر زي الدم.
فاطمة كانت ماشية وراه زي الخيال، مرعوبة ومش قادرة تنطق.
طلعوا الأسانسير لـ الدور الـ 18. المكتب كان عبارة عن صرح فخم جداً، أرضيات رخام، وسكرتارية بلبس رسمي، ومحامين رايحين جايين بملفات ثقيلة.
قعد طارق في صالة الانتظار، وكل دقيقة بتعدي كانت زي السكين بتدبح في أعصابه.
الساعة 10:00 بالتمام، خرجت السكرتيرة وقالت ببرود:
— “الأستاذ طاهر منتظركم في المكتب الرئيسي. اتفضلوا.”
دخل طارق وفاطمة.
الأستاذ طاهر كان قاعد ورا مكتبه الخشب العريض، وحواليه أربعة محامين تانيين، كل واحد قدامه جهاز لاب توب وملفات قانونية قد كف الإيد.
طارق أول ما دخل، ما استناش، وقرب من المكتب وصرخ بقلة حيلة:
— “أستاذ طاهر! اللي بتعملوه ده بلطجة قانونية! أنا جوز مريم! وبننا طفل هييجي الدنيا بعد شهرين! أنتم إزاي تطردوني من الفيلا وتمنعوني من الشقة وتقفلوا حساباتي؟ أنت فاكرين إن البلد مفيهاش قانون؟!”
الأستاذ طاهر ما تحركش من مكانه، وبص لطارق بنظرة حادة زي المشرط. شايل إيده وقعد يرجع لورا على كرسيه المتحرك:
— “القانون؟ أنت بتتكلم عن القانون يا طارق بيه؟ طب كويس جداً إنك فتحت السيرة دي.”
أشر المحامي اللي جنبه، فتح ملف أسود كبير وحطه قدام طارق:
— “اتفضل اقرأ.. دي الشكوى المقدمة رسمياً للنيابة العامة وقطاع الأمن الاقتصادي.”
طارق بص للورق برعب:
— “شكوى إيه؟!”
— “استغلال نفوذ غير مشروع، وتزوير توكيلات رسمية لإدارة أصول بدون علم مالكتها، والتصرف في أموال شركة ‘سكيور-تِك’ المحولة لحسابات استثمارية، بالإضافة لرفع دعوى حجر وتعدي جسدي ونفسي على امرأة حامل في شهورها الأخيرة والإضرار بحياة الجنين.”
طارق عينيه اتوسعت وصرخ:
— “تعدي جسدي؟! أنا ما لمستهاش! أنا ما ضربتهاش!”
— “الوقوف لمدة 8 ساعات متواصلة في قطار بضائع، مع منع الخدمات الأساسية والرعاية الطبية، ورغم وجود تحذيرات كتابية من الدكتورة المتابعة للحالة بضرورة الراحة التامة، ده في القانون يُكيف على أنه ‘إضرار عمدي بصحة الحامل والجنين’.” الأستاذ طاهر قالها بنبرة قاطعة هزت الأوضة.
“تقرير الطبيبة الشرعية والاستشارية المتابعة لمدام مريم صدر اليوم الصبح، وفيه إثبات رسمي بإصابتها بتورم حاد في الأطراف السفلى، وانخفاض شديد في ضغط الدم، وهبوط في الدورة الدموية هدد حياة الطفل.. وكل ده ثابت بشهادة الكمساري وشهود العيان وركاب العربية اللي شافوك وأنت قاعد في الـ VIP بتشرب عصاير وأنت سايب مراتك الحامل واقفة جنب الشنط بتتلوى من الوجع!”
فاطمة صرخت من ورا طارق:
— “والله العظيم هو اللي قال يسيبها! والله العظيم أنا ماليش دعوة! هو اللي قال الحركة هتفيدها وتعتبرها تمارين للولادة!”
طارق لف بص لأخته بنظرة كره وذهول، وفاطمة خبت وشها في إيدها وهي بتعيط بخوف على نفسها.
الأستاذ طاهر ابتسم ابتسامة ميتة وقال:
— “شايف؟ حتى أختك اللي قعدتها جنبك وعزمتها على حساب مريم، أول واحدة باعك لما المركب غرق.”
طارق انهار على الركبتين قدام المكتب. الجبروت والتكبر كله طار. الكبرياء اللي كان بيملى بيه صدره قدام الناس اتفتت بقى تراب تحت جزمة المحامي:
— “أستاذ طاهر.. أرجوك. خليني أكلم أبوها. خليني أكلم مريم. أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أوقع على أي تنازل، بس بلاش السجن! بلاش الفضيحة دي! أنا مستعد أكون تحت رجلها طول العمر!”
الأستاذ طاهر وطى برأسه وقرب منه، وقال بصوت واطي جداً بس كل حرف فيه كان زي مسمار بيدق في قلبه:
— “مريم مش عايزاك تكون تحت رجلها يا طارق.. مريم كانت عايزاك تكون راجل في عينها. تتسند عليك لما تتعب، وتحميها لما تخاف. بس أنت أثبتت إنك مجرد عيل صغير، انخدع في القشور وشايف إن الرجولة هي التكشيرة والسيطرة والاهانة.”
وقف المحامي وطلع استمارة تنازل كامل وقلم ذهبي:
— “قدامك خيارين ملهمش تالت يا طارق بيه.
الأول: تتوقع على إقرار التنازل الكلي عن أي حقوق لك في شقة حدائق القبة، وتوقع على ورقة التنازل عن حضانة الطفل وفحوصات النسب، مع الإبرار التام لمدام مريم من أي مؤخر أو نفقة، وتوقع على ورقة الطلاق الرسمي فوراً برضاك.. وفي مقابل ده، مدام مريم هتنازل عن البلاغات الجنائية وقضايا التزوير والإضرار العمدي.”
— “والخيار التاني؟” سأل طارق بصوت بيطلع بالروح.
— “الخيار التاني إنك تخرج من الباب ده، وعلى أول الشارع هتلتقي بعربيات النيابة العامة اللي معاها أمر ضبط وإحضار لك ولأختك بتهمة التزوير والمشاركة في الإضرار العمدي.. والتهم دي عقوبتها مش أقل من 7 لـ 10 سنين سجن مشدد.”
فاطمة جريت على أخوها ومسكت في قميصه وهي بتصرخ بصوت هستيري:
— “وقع يا طارق! وقع الله يخرب بيتك! وقع ونبي أنا مش عايزة أتسجن! أنا خايفة يا طارق وقع!”
طارق بص للقلم.. إيده كانت بتترعش زي أوراق الشجر في العاصفة.
مسك القلم وهو حاسس إن روح بتتسحب منه. مسك الورق، ورقة ورقة.. يوقع اسمه عليها: “طارق عبد الرحمن”.
كل توقيع كان بيقطع خيط من خيوط حياته القديمة، بيمحي مستقبله، بيمحي حلمه في الفيلا، في العربية، في الفلوس، في المركز الاجتماعي، وفي ابنه اللي هيتولد ويشيل اسم عيلة تانية ويتربى بعيد عنه كأنه ما كانش موجود في الدنيا.
بعد ما خلص توقيع، الأستاذ طاهر أخد الورق، راجعه بدقة، وبعدها شاور للمحامي اللي جنبه:
— “جهز إشهار الطلاق ورتب الأوراق الرسمية.”
بص طارق للمحامي وقال وهو بيبكي بدموع حقيقية لأول مرة في حياته:
— “هي مريم.. مريم وقفت في القطر من غير ما تبكي أو تتكلم ليه؟ ليه ما صرختش فيا؟ ليه ما قالتليش أنت بتعمل إيه؟”
الأستاذ طاهر بص له وهو بيلف الملفات:
— “لأن الست لما بتوصل لمرحلة إنها تحس إن الراجل اللي معاها مش راجل، ما بتبكيش يا طارق.. وما بتعاتبش. السكوت ساعتها ما بيكونش ضعف.. بيكون قرار نهائي بالإعدام. وأنت اتعدمت في نظرها من المحطة الأولى.”
طلع طارق وأخته من البرج الإداري.
الشمس كانت في كبد السماء، والحرارة شديدة.
وقفوا على الشارع.. طارق معاه شنطة بلاستيك فيها الموبايل بتاعه وورقة الطلاق، ومفيش في جيبه غير كام جنيه فكة لا تكفي حتى أكل يوم واحد.
فاطمة سابته ومشت وهي بتعيط وبتدعي عليه وتلعن اليوم اللي سفرت فيه معاه أسوان.
طارق قعد على الرصيف في وسط الشارع، والناس رايحة وجاية، العربيات بتعدي وبيضربوا كلكسات.. وهو قاعد حاطط وشه بين إيديه، سامع صوت القطر وهو بيبعد في محطة أسيوط.. وصوت مريم وهو بيتكرر في دماغه: “الطيارة والرجال يرتّبوا أمورهم في ظرف ثلث ساعة يا مريم..”