جوزي حجز تذاكر

مرت أربعة أعوام كاملة على تلك الليلة التي انزلقت فيها قدم طارق نحو الهاوية في محطة أسيوط. أربعة أعوام لم تكن مجرد أيام تقويم تُطوى، بل كانت دهراً من الانكسار والتدحرج المتواصل في قاع المجتمع.
كان طارق قد تحول إلى مجرد ظلال لرجل كان يظن أنه ملك العالم. عاش في ملحق سكني صغير فوق سطح أحد المباني القديمة بحدائق القبة، بعد أن اضطر للعمل كشال بضائع وسائق بديل في إحدى شركات الشحن الداخلية الصغيرة. أكل التعب من ملامحه، وخط الشيب شعره مبكراً وهو لما يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره. كل صباح، كان يستيقظ على صرير أحبال الغسيل وصوت المذياع من البيوت المجاورة، لينظر إلى يديه الخشنتين ويتساءل كيف ينتهي الحال برجل كان يرتدي أفخم البدلات ويعيش في فيلا بمليارات، ليصبح مطارداً بديون لا تنتهي ومصاريف علاج لأخته فاطمة التي أصابها مرض مناعي أعدم بقايا صحتها، وجعلها قعيدة البيت لا تملك حتى قيمة الدواء.
على الجانب الآخر من القاهرة، في حي التجمع الخامس، كانت الحياة تسير بإيقاع آخر تماماً.. إيقاع النجاح والثبات والعظمة.
تضخمت مجموعة “يوسف القابضة” التي أسستها مريم، وأصبحت واحدة من أكبر الكيانات التكنولوجية في الشرق الأوسط. لم تعد مريم مجرد سيدة أعمال، بل أصبحت رمزاً ملهماً يُشار إليه بالبنان في كافة المؤتمرات الاقتصادية. أما ابنها يوسف، فقد بلغ من العمر أربع سنوات؛ طفل ذكي، ناصع البياض، يملك نفس النظرة الهادئة والعميقة التي تملكها أمه، ويتلقى أرقى التعليم في إحدى المدارس الدولية المرموقة.
في صباح يوم من أيام الخريف الشديد، ورد بلاغ لشركة الشحن التي يعمل بها طارق لنقل بضائع ومعدات إلكترونية خاصة بحدث استثماري ضخم يُقام في أحد الفنادق الكبرى بـ “القاهرة الجديدة”.
كان طارق يرتدي زيه الأزرق المتهالك، ويضع كاباً هابطاً على عينيه ليداري ملامحه الشاحبة. حمل الصناديق الثقيلة مع العمال، ونزلوا بها من عربة الشحن الكبيرة إلى الممر الخلفي الخاص بالخدمات والتجهيزات في الفندق.
أثناء نقله لأحد الصناديق الزجاجية الحساسة، أشار عليه مسؤول الفندق بالدخول من ممر القاعة الرئيسية لأن باب الخدمات كان مسدوداً ببعض التجهيزات.
دخل طارق بجسمه المنحني، وهو يلهث وتحت إبطيه الصندوق الثقيل. وما إن خطت قدمه داخل الصالة الفخمة ذات الثريات البلورية والأرضيات الرخامية اللامعة، حتى يتسمر في مكانه كمن ضربته صاعقة.
في منتصف القاعة، وعلى منصة رئيسية تزينها الشاشات التفاعلية وشعار شركة “يوسف القابضة”، كانت تقف مريم.
كانت ترتدي بذلة رسمية باللون الأبيض العاجي، تتزين بعقد ماسي بسيط، وتبدو كملكة غير متوجة. بجوارها كان يقف والدها بنفس الهيبة والوقار، وأمامها طفلها الصغير يوسف، يرتدي بدلة صغيرة ورابطة عنق أنيقة، يضحك وهو يمسك بإصبع أمه.
طارق شعر ببرودة تجري في عروقه. الصندوق الزجاجي كاد يسقط من بين يديه المرتعشتين. وقف خلف إحدى الأعمدة الرخامية الضخمة، يختبئ في الظل كالجرذ، ينظر إلى العالم الذي كان جزءاً منه، أو بالأحرى العالم الذي كان يعتقد أنه يملكه وينعم فيه، والآن أصبح محروماً حتى من النظر إليه!
رأى ابنها.. ابنه هو!
الصبي الذي يتنفس من جيناته، كبر وأصبح يتحرك ويتكلم ويلعب، دون أن يعرف أن الرجل الأزرق المنهك الذي يحمل الصناديق على بعد أمتار منه هو أبوه البيولوجي!
بدأت مريم إلقاء كلمتها أمام الجمع الغفير من الوزراء ورجال الأعمال والصحفيين. كان صوتها ينبعث عبر المكبرات الفخمة ناعماً، قوياً، وممتلئاً بالثقة:
— “عندما يبدأ الإنسان رحلته، قد يتعثر في منتصف الطريق ببعض العقبات.. قد يظن البعض أن طيبتك هي نقطة ضعفك، وأن سكوتك هو دليل عجزك. لكن القوة الحقيقية لا تكمن في رفع الصوت ولا في ممارسة السيطرة الزائفة.. القوة الحقيقية هي أن تملك القدرة على الانسحاب في اللحظة المناسبة، وأن تبني نفسك من جديد بعيداً عن أصحاب النفوس المريضة التي لا تعرف للكرامة معنى.”
صفق الحضور بحرارة شديدة.
طارق كان يبكي خلف العمود بدون صوت. الدموع تسيل على وجهه الملوث بتراب الصناديق. كل كلمة قالتها مريم كانت كالرصاصة التي تخترق صدره وتذكره بجهله وغروره القديم.
أثناء تصفيق الجماهير، تحرك يوسف الصغير ببراأة بعيداً عن المنصة، وجرى خلف كرة صغيرة ملونة سقطت من إحدى الهدايا، لتدحرج الكرة نحو العمود الذي يقف خلفه طارق.
انحنى الصبي ليمسك الكرة، فرفع عينيه الصافيتين البنيتين ليجد طارق واقفا ينظر إليه بذهول ودموع لا تتوقف.
طارق جثا على ركبتيه بسرعة على الرخام الصقيل، ومد يده المرتعشة والملوثة نحو الصبي دون وعي وهو يهمس بصوت مجروح:
— “يوسف.. حبيبي..”
الصبي صغر عينيه باستغراب ونظر إلى ملابس طارق المتهالكة ووجهه الباكي، وقال ببراأة الأطفال:
— “أنت زعلان ليه يا عمو؟ أنت تعبان من الصندوق التقيل ده؟”
طارق لم يستطع الاحتمال، انهمرت دموعه بغزارة وشنقته العبرة:
— “أنا.. أنا آسف يا حبيبي.. أنا آسف أوي..”
في تلك اللحظة، لاحظت مريم غياب يوسف عن المنصة. التفتت بعينين حادتين لتجده واقفاً عند العمود يكلم أحداً من عمال الصيانة والشحن.
تحركت مريم فوراً بخطوات سريعة وواثقة، وتبعها اثنان من أفراد الحراسة الخاصة.
عندما وصلت إلى العمود، صرخت بنبرة حازمة ولكن هادئة:
— “يوسف!”
الصبي التفت وجرى نحو أمه يمسك في ثوبها:
— “مامي! الراجل ده بيعيط وبيقولي إنه آسف!”
رفعت مريم عينيها لتنظر إلى الرجل الجاثي على الرخام..
تلاقت العيون بعد أربعة أعوام كاملة.
طارق رفع رأسه ببطء، وشاح ببصره نحوها وهو يرتجف بالكامل، متمنياً أن تنشق الأرض وتبتلعه في تلك اللحظة. لم يكن يرتدي الـ VIP ولا الساعة الفارهة ولا الحذاء اللامع، بل كان يرتدي خرقاً متهالكة وجسداً هدّه الفقر والتعب.
مريم لم تفزع.. لم تصرخ.. ولم تظهر على وجهها أي علامة من علامات المفاجأة أو الغضب.
كان في عينيها شيء واحد فقط.. “الموت التام”.
نظر إليها كأنها تنظر إلى قطعة خشبة ملقاة على الأرض، أو مجرد غبار لا قيمة له ولا أثر.
طارق حاول أن ينطق، شفتاه الملتصقتان فتحتا بصعوبة:
— “مـ.. مريم..”
مريم لم ترد عليه. لم تنطق اسمه حتى.
التفتت بهدوء إلى رجل الحراسة الواقف بجوارها وقالت بصوت خفيض ونبرة رسمية لا تحمل أي انفعال:
— “يا إبراهيم.. بلّغ إدارة الفندق إن عمال الشحن بيحتكوا بالضيوف والأطفال. خليهم ينقلوا حاجتهم من الباب الخلفي فورا، ونهوا التعامل مع الشركة دي.”
— “تحت أمرك يا هانم.” قال الحارس بصرامة.
مسكت مريم يد ابنها يوسف بثبات، وانحنت له وقبلت رأسه وقالت بابتسامة دافئة:
— “يلا يا حبيب مامي، الناس منتظرانا عشان نقطع التورتة.”
التفتت مريم ومشت بخطوات ثقيلة وواثقة نحو الأضواء والمنصة، دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة. لم تعطِ طارق حتى شرف أن تغضب منه أو تعاتبه!
أما طارق، فقد جاء أفراد أمن الفندق ومسكوه من كفيه بعنف، وسحبوه مسافة طويلة عبر الممرات السفلية وسط نظرات الاحتقار من الجميع، ليرموه خارج البوابة الخلفية للفندق على رصيف الشارع المتسخ.
سقط طارق على وجهه في التراب..
سمع صوت الموسيقى والتصفيق ينبعث من الصالات الفخمة بالداخل، بينما المطر الخفيف بدأ يهطل على رأسه وجسده المنهك.
مسك التراب بيديه، وغطى وجهه وهو يصرخ ويبكي بانهيار لم يذقه في حياته.
في تلك اللحظة بالذات، فهم طارق الحقيقة الكبرى: إن العقاب الحقيقي لم يكن حليق الرأس في السجن ولا سلب أملاكه.. العقاب الحقيقي هو أن تعيش حياً وأنت مت بالكامل في عين الشخص الذي كان يوماً يمنحك كل شيء بدون مقابل!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *