منقذي حكايات انجي

هيستغلوا اسمي عشان ينقذوا نفسهم.
بصيت له باستغراب يعني.. العقد اللي بابا كان مستنيه منك؟
ضحك ياسين ضحكة خفيفة وقال العقد كان حجة عشان أدخل البيت وأكشفهم قدام بعض. الشركة بتاعت باباكي كانت بتغرق بسبب السرقة والإدارة الفاشلة بتاعة كريم، وكانوا فاكرين إن زواجي منك أو ضغطهم عليكي هيبصمني على العقد.. ما يعرفوش إن الشخص الوحيد اللي يهمني في العيلة دي هو أنتِ.
تليفوني في الشنطة بدأ يرن ومفيش فاصل.. شاشة التليفون كانت بتنور باسم بابا، وبعدها ماما، وبعدها منى.
بصيت للتليفون وكنت هتردد، بس ياسين حط إيده على الشاشة ببطء وقال متعديش اللي فات تاني يا سارة. اللي سابوكي تتكسري سنين، ما يستاهلوش لحظة واحدة من تفكيرك دلوقتي. خليهم ينشغلوا باللي عملوه في بعض.
قفلت التليفون خالص وحطيته في الشنطة. بصيت من شباك العربية على الطريق.. كان الشروق بيطلع، ولأول مرة من سبع سنين، حسيت إن الشمس بتطلع عليا أنا.. مش عشان أروح أقف في مطبخ أو أدفع ثمن ذنب ما عملتوش، بس عشان أبدأ حياتي بجد.
وصلنا الفيلا في التجمع. مكان هادي جداً، الخضرة محاوطاه من كل ناحية، وصوت النافورة في الجنينة يهدّي الأعصاب. ياسين نزل ونزلني معاه، مشي جنبي وهو مسك إيدي بثبات، ودخلنا من الباب الكريستال الكبير.
أول ما دخلنا، لقيت ست طيبة بشوشة في الخمسينات واقفة مستنيانا، لقتني داخلة بالمريلة المتبهدلة ووشي مطفي، بصتلي بعينين مليانة حنية ورقة.
ياسين بصلي وقال بصوت دافي دي دادة فاطمة.. دي اللي مربياني من وأنا صغير، وهي اللي هتكون معاكي هنا. دادة فاطمة.. سارة هانم وصلت، سيدة البيت ده من النهاردة.
دادة فاطمة قربت مني، سلمت عليا بابتسامة حنونة وقالت نورتي بيتك يا بنتي.. والله ياسين بيه ما كان بيفكر في حاجة بقاله أسبوعين غير اليوم ده.. أدخلي ارتاحي، أنا جهزتلك الأوضة اللي فوق وحضرتلك حمام دافي وهدوم جديدة.
بصيت لياسين ومش مصدقة. الراجل ده مش بس جابلي حقي، ده ترتيب كل تفصيلة صغنونة عشان يرجعلي كرامتي وإنسانيتي اللي اتهانت لسنين.
طلعت الأوضة فوق.. كانت واسعة بشكل يفتح النفس، الإضاءة هادية، وفيها بلكونة كبيرة بتطل على الجنينة. دخلت الحمام، وقفت قدام المراية وفتحت المية. مسحت أثارة الصابون والزفر اللي كان لازق في إيدي من مطبخ بابا، وغيرت هدومي القديمة ولعنت سنين الخوف والكسرة.
لما نزلت الصالون تحت، لقيت ياسين قاعد قدام اللابتوب، وفي إيده فنجان قهوة. أول ما شافني طالعة، قفل اللابتوب ووقف، عينه كانت بتلمع بإعجاب وتقدير حقيقي مش زيف.
أيوة كده.. سارة الشافعي الحقيقية. قالها وهو بيشاورلي أقعد جنبه.
قعدت، وكان فيه ترابيزة قدامي عليها ملفات أوراق كتير. بصيتله بفضول إيه الورق ده يا ياسين؟
قرب الأوراق مني وقال بجدية دي أوراق نقل ملكية 30 من أسهام شركتي الجديدة باسمك، بالإضافة لمنصب مدير قطاع المراجعة المالية والحسابات.. أنتِ بكرة الصبح نازلة معايا الشركة، بس المرة دي مش كموظفة مطحونة بتداري عينها من الناس.. المرة دي كشريكة وقيادية بالحق والخبرة اللي عندك.
دموعي نزلت تاني، بس مسحتها بسرعة. ردّيت بثقة لأول مرة في حياتي أنا مش هخذلك يا ياسين.. وأوعدك إن الشركة دي هتكبر أكتر وأكتر.
ابتسم بثقة وقال عارف.. وعشان كده اخترتك.
فجأة، جرس الفيلا رن. السواق دخل يبلغ ياسين إن فيه عربية واقفة بره، وبابا وماما وعمي داخلين في حالة انهيار وبيترجوا البوابين يدخلوهم عشان يشوفوني.
ياسين بصلي بهدوء وسألني القرار قرارك يا سارة.. تحبي أخليهم يدخلوا ولا أطردهم؟
وقفت على حيلي، وبصيت ناحية الباب بثبات. تنفست بعمق وقُلت لأ يا ياسين.. خليهم يدخلوا. أنا مش خايفة ولا هربانة.. خليهم يدخلوا عشان يشوفوا البنت اللي استقلوا بيها وهانوها بقت فين، وعشان أسمعهم كلام كان لازم يتقال من سبع سنين.
ياسين بصلي بنظرة كلها فخر وتقدير، وهز رأسه بهدوء. مشي ناحية السواق وقال له بنبرة حازمة افتح الباب يا عم علي، وخليهم يدخلوا.
قعدت على الكرسي الرئيسي في الصالون، حطيت رجل على رجل، وتنفست بعمق. إيدي كانت ثابتة، ووشي مفيش فيه أي أثر للخوف.
بعد ثواني، دخل بابا وماما وعمي. ملامحهم كانت متبهدلة، عينيهم زي اللي راجعين من جنازة. ماما أول ما شافتني قاعدة بالهدوم الشيك دي وفي المكان الفخم ده، خطواتها اتجلطت مكانها، وبابا كان بيطلع ونزل في أنفاسه بصعوبة وكأنه مش قادر يصدق إن دي نفس البنت اللي كانت واقفة قدام حوض المطبخ من كام ساعة.
بابا قرب خطوتين، وصوته طالع مكسور وبيترعش سارة… يا بنتي… أنتي تهوني عليكِ تسيبي بيتك وتنزلي من غير ما تتكلمي؟ أنتي عارفة إحنا حصل فينا إيه بعد ما مشيتي؟
رديت عليه بصوت هادي جدًا، بس كل كلمة كانت تطلع زي الرصاصة بيتي؟ هو أنا كان ليا بيت عندكم أصلاً يا حاج محمود؟ البيت اللي يتسق فيه حق البريئ ويتداس فيه على الإنسانية عشان تداروا على الخايب، ده مش بيت… ده كان سجن.
ماما قربت وهي بتعيط وبتحاول تمسك إيدي يا سارة يا بنتي… أنا أمك! أنتي فاهمة غلط، أنا كنت خايفة على أخوكي من السجن، قلت أنتي بنت وهتستحملي لكن هو مستقبله كان هيضيع!
سحبت إيدي منها ببرود، وبصيت في عينها مباشرة أنتي ما خفتيش على ابنك يا أمي… أنتي ربيتي ظالم وطلعتيه بجيح، وضحتِ بالبنت اللي كانت بتصرف عليكم وتدفع فواتيركم من عرقها. السبع سنين اللي ضاعوا من عمري، والتعب والذل والكلمات المحفورة في قلبي… مين هيعوضني عنهم؟
عمي اتدخل وهو بيحاول يلطّف الجو يا سارة يا بنتي، عفا الله عما سلف… إحنا أهل، وباباكي شركته بتنهار دلوقتي، البنوك بتطالبه بالديون وكريم مقبوض عليه في قسم الشرطة بقضايا شيكات قديمة ظهرت فجأة! الأستاذ ياسين هو الوحيد اللي يقدر ينقذ العيلة دي من الفضيحة والإفلاس.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة استنكار، وقفت من مكاني ومسكت الملفات اللي ياسين حطها قدامي.
أنتم مش جايين عشان تسألوا عليا ولا عشان تتأسفوا… قلتها وأنا ببص لبابا أنتم جايين عشان الشغل والعقد والفلوس! جايين عشان خايفين من الفضيحة! بس اسمعوا القول الفصل بقى…
ياسين قرب وقف جنبي، وحط إيده على كتفي بدعم.
كملت كلامي بثبات أنا مش هتدخل في قضايا كريم، خليه يدفع تمن أفعاله ويتعلم اللي ما اتعلموش في بيتكوا. والشركة… لو عاوز ينقذها الحاج محمود، هيسدد كل مليم أخدتوه مني بالورق والقلم، وهتكتبوا اعتراف رسمي ببراءتي قدام كل العيلة اللي كنتوا بتتفاخروا قدامهم وتصغروني قدامهم.
بابا بصلي بصدمة وشبه انهيار أنتي بتبتزطي أباكي يا سارة؟
لأ يا حاج… رديت عليه وأنا بفتح باب الصالون وبشاورلهم على الخروج أنا باخد حقي بس. والنهاردة سارة القديمة ماتت في مطبخكم… اللي واقفة قدامكم دي شريكة ياسين الدمنهوري، وسيدة المكان ده.
ماما وبابا اتراجعوا لورا بكسرة ما شفتهاش في عينيهم قبل كده. خرجوا ببطء من الفيلا، وصوت خطاويهم تقيل وزي الحلم. أول ما الباب اتقفل وراهم، تنفست بعمق ورجعت بصيت لياسين.
ابتسم ياسين وقال بصوت دافي جاهزة تبدأي حكايتك الحقيقية بكرة يا سارة؟
ابتسمت من قلبي ولأول مرة حسيت بالطمأنينة جاهزة يا ياسين…

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *