منقذي حكايات انجي
أكتر من أي وقت فات.
تاني يوم الصبح، الشمس كانت طالعة صافية من شباك الأوضة. قمت من النوم لأول مرة من سنين وأنا مش حاسة بتعب في ضهري ولا تقل في صدري. مفيش صوت مواعين بتتغسل، ولا صوت زعاق من الصالون، ولا نظرات تقليل من حد.
نزلت تحت، لقيت ياسين مستنيني في السفرة، لابس بدلة كحلي أنيقة جدًا، وقدامه قهوته والجرائد. أول ما شافني نازلة ولابسة بدلة الشغل الجديدة، ابتسم ووقف، وقدم لي الكرسي بنفسه.
صباح الخير يا شريكتي.. جاهزة لأول يوم في حياتك الجديدة؟ قالها بنبرة مليانة أمل وثقة.
رديت بابتسامة حقيقية صباح النور يا ياسين.. جاهزة أكتر مما تتخيل.
فطرنا في هدوء، وبعدها تحركنا على الشركة. لما العربية وقفت قدام البرج الزجاجي الضخم في التجمع الخامس، ومكتوب عليه بخط ذهبي كبير مجموعة الدمنهوري للاستثمار، قلبي دق بسرعة. دي الشركة اللي كنت بجيها من سنتين كموظفة بسيطة، أقف في الأسانسير ورا كل الناس، وأتمنى بس محدش يلاحظني عشان محدش يسألني عن قرايبي أو قصة السرقة القديمة.
دخلت جنب ياسين. الأمن والمديرين والمهندسين كانوا واقفين طابور في الممر، أول ما ياسين دخل، الكل وقف انتباه وبدأوا يحيوه. لكن الصدمة على وشوشهم كانت لما شافوه ماسك إيدي، ومشي بيا لحد نص الصالة الرئيسية.
وقف ياسين، وبص للجميع وقال بصوت حاسم يرن في المكان كله صباح الخير يا جماعة. أحب أقدم لكم الأستاذة سارة الشافعي.. شريكتي ورئيس مجلس إدارة قطاع الرقابة المالية والحسابات في مجموعة الدمنهوري. أي قرار مالي، أي تدقيق، وأي عقد جديد مش هيتم إلا بإمضاء الأستاذة سارة شخصيًا. ويا ريت الكل يلتزم بتعليماتها.
التصفيق ملا المكان، والموظفين القدامى اللي كانوا بيشوفوني وبيدوني الشغل الثقيل عشان أعمله مكانهم، عينيهم كانت هتطلع من مكانها من الصدمة.
دخلنا المكتب الكبير اللي كان مجهز لي بنفسي.. مكتب فخم بيطل على التجمع كله، عليه اليافطة النحاس اللي مكتوب عليها اسمي. قعدت على الكرسي الجلدي، وياسين حط إيديه الاثنين على المكتب وقرب مني بابتسامة المكان ده اتعمل عشانك.. والكرسي ده حقك اللي اتأخر سبع سنين.
قبل ما أرد، تليفون المكتب رن. رفعت السماعة بثبات أيوة؟
صوت السكرتيرة خرج متوتر أستاذة سارة.. فيه واحد اسمه كريم الشافعي واقف تحت في الاستقبال، ومعه مدام منى أخت حضرتك.. بيترجوا الأمن يسيبوهم يطلعوا يقابلوكي، وبيقولوا إن الموضوع حياة أو موت بعد ما البنك حجز على شركة الحاج محمود النهاردة الصبح.
بصيت لياسين اللي كان بيتابعني ببرود وثقة، وبعدين رجعت بصيت للشارع من شباك مكتبي العالي.
تنفست بعمق وقلت للسكرتيرة بنبرة حازمة ومفيهاش تردد قوليلهم الأستاذة سارة معندهاش وقت لمقابلات شخصية أثناء ساعات العمل.. وإذا عندهم أي طلب ماليات أو تسوية ديون، يقدموا طلب رسمي للرقابة المالية وهيتم دراسته زي أي شركة متعثرة في السوق.
قفلت السماعة، ورجعت ضهري لورا. ياسين ابتسم ابتسامة عريضة وقال كده قفلتِ الصفحة القديمة بجد.
مسكت أول ملف على المكتب، فتحته بثقة وقُلت بالعکس يا ياسين.. الصفحة القديمة اتقفلت لما خرجت من البيت.. دلوقتي إحنا بنكتب أول حبل في كتاب جديد خالص.
مرت ست شهور، والحياة مشيت في مجراها الصح بكل هدوء وثبات.
الشركة تحت إدارتي المالية حققت أرباح غير سباقة، واسمي بقى يتردد في السوق كواحدة من أقوى العقليات المالية في مصر. أما شركة بابا، فالمحكمة حجزت عليها بالفعل لعدم سداد الديون، وكريم اتقضى عليه بسنة سجن مع الشغل في قضايا الشيكات، ومنى جوزها انفصل عنها بعد ما انكشفت كل ألاعيبهم وفضيحتهم بقت على كل لسان.
ماما وبابا انتقلوا يعيشوا في شقة صغيرة بالإيجار، ومبقاش حيلتهم غير الحسرة على النعمة والبركة اللي طردوها بأيديهم لما ظلموني. حاولوا يتصلوا بيّا كتير، بس القساوة اللي زرعوها في قلبي سبع سنين، كانت كفيلة تخلي ردّي عليهم مجرد نفقة شهرية بتوصلهم بانتظام عشان ربنا ما يكتبنيش عاقة، من غير ما أشوفهم أو أدخلهم حياتي تاني.
في مسا يوم جميل، كان القصر في التجمع متزين بالورود البيضاء والأنوار الهادية. الصوت النقي بتاع الموسيقى كان مالي المكان، والضحكات الطالعة من الجنينة مش زي ضحكات زمان المليانة نفاق وحقد.. المرة دي كانت حقيقية.
كنت واقفة قدام المراية الكبيرة في الأوضة، لابسة فستان الفرح الأبيض الطويل، طرحتي نازلة بنعومة، وشكلي ردت فيه الروح والجمال اللي اندفن زمان تحت التعب والهم.
الباب اتفتح ببطء، ودخل ياسين.
أول ما شافني، خطواته وقفت مكانها، وعينيه لمعت بنظرة حب وفخر هزت قلبي. قرب مني بكل هدوء، مسك إيدي بثبات ورفعها لشفايفه، وباسها بنفس الطريقة ونفس اللمسة اللي بدأ بيها كل حاجة.
بص في عيني وقال بصوت عميق ودافي جاهزة يا عروسة؟
ابتسمت من كل قلبي، وعيني دمعت بس المرة دي دموع فرحة حقيقية جاهزة يا ياسين.. معاك وفي حماك وللأبد.
مسك إيدي، ونزلنا سوى للدفا والعز والحياة الجديدة اللي بعوض ربنا تبنتلي، وأنا رافعة راسي، وعارفة إن الحق لو اتأخر.. لابد في يوم يرجع لأصحابه، وإن اللي بيصبر على الظلم ويثبت، ربنا بيكافئه بأكتر مما كان يتمنى.
تمت
حكايات انجى الخطيب