لمده خمسه وثلاثين عام

​ساد الصمت الغرفة، حتى كأن صوت ضربات قلبي وقلب إيمي كان يتردد بين الجدران. نظرتُ إلى الدكتور أرثر بشرود، وقلتُ بصوت خافت:

“إنقاذ حياتي؟ عما تتحدث؟ أنا لم أكن مريضة قط!”

​تنهد الدكتور أرثر، وأخرج من حقيبته ملفًا آخر أصفر القدَم، ووضعه أمامنا.

“قبل خمسة وثلاثين عامًا، وبعد زواجكما بأسابيع قليلة، أغشي عليكِ ونُقلتِ إلى المستشفى. الفحوصات العادية لم تظهر شيئًا، لكن فيكتور -بصفته عالم كيمياء حيوية عبقريًا- أخذ عينة من دمِكِ وفحصها في مختبره الخاص. واكتشف الحقيقة المرعبة التي أخذت حياة والدكِ في سن مبكرة… كنتِ تحملين طفرة جينية نادرة وجينًا وراثيًا يسبب تآكلًا مفاجئًا وسريعًا في جدران الشرايين الرئيسية. الأطباء يومها أكدوا لـ فيكتور أن أملَكِ في الحياة لا يتعدى خمس سنوات على الأكثر، وأن أي انفعال أو توتر قد يؤدي إلى انفجار الشريان الأورطي وفقدان حياتِكِ في لحظات.”

​شهقت إيمي وضمتني إليها بقوة، بينما اتسعت عينَاي بالذهول والدكتور أرثر يواصل حديثه:

“فيكتور رفض أن يستسلم للقدر. رفض أن يخسركِ وأنتِ في زهرة شبابك. كرس كل دقيقة من حياته لتخليق مركب كيميائي نادر يستطيع تجميد هذا الجين الملعون وترميم الشرايين أولاً بأول. ولكن لأن المركب كان يحتوي على مستخلصات نباتية نادرة وإنزيمات معقدة غير معتمدة رسميًا، لم يكن يستطيع استخراج تصريح طبي بتداولها. لهذا السبب كان يتلقى الطرود السرية شهريًا من مختبري الخاص بعد أن نقوم بتقطير المادة الخام، وكان يخلطها بنفسه في القبو ليصنع الدواء الصافي.”

​شعر رأسي بالقشعريرة، وسألته بصوت يرتجف:

“ولكن… لماذا لم يخبرني؟! لماذا كان يجبرني على الشرب بقسوة؟ ولماذا كان يحرص على الساعة التاسعة تمامًا؟ ولماذا ذبلت النبتة عندما سكبتُ المشروب فيها؟!”

​ابتسم الدكتور أرثر بحزن، وأجابني بنبرة مليئة بالشفقة:

“المستخلص يحتوي على مركب كيميائي يرتبط باليخضور (الكلوروفيل) في النباتات فيدمرها فورًا، ولكنه في جسم الإنسان يلتصق بالبروتينات الضارة في الدم وينظف الشرايين. أما عن الساعة التاسعة مساءً… فلأن الدورة الدموية للإنسان تبدأ في إفراز الإنزيمات الضارة مع بداية ساعات النوم العميق، وكان لا بد أن تسري المادة في دمِكِ قبل النوم بسبعين دقيقة بالضبط لتكتمل الحماية! لو تفوتِ جرعة واحدة، كانت حياتكِ ستصبح في خطر داهم.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *