جوزي يوم الجمعه

بحثت في الخزانة عن حقيبة، لكن غروري ومنطقي منعاني من أخذ أي شيء ذي قيمة من الفاخرة التي اشترتها لي. أخذت بعض البسيطة، حزمت أمتعتي في حقيبة ظهر صغيرة، وخرجت من ، أمشي .

عندما نزلت إلى مدخل العمارة، وجد الحارس ينظر إليّ بنظرة غريبة، حاولت أخذ السيارة، لكنه وقف أمامي شديد وقال:

“آسف يا حامد بيه.. شادية هانم بلغتني إن العربية مش هتتحرك، واستلمت مني المفتاح الاحتياطي.”

كانت تلك أول صفعة من الواقع. خرجت إلى الشارع مشياً على الأقدام، الهواء البارد يلفح وجهي، والليل . لم يكن في جيبي سوى بضعة آلاف من الجنيهات، وهي كل ما أملكه في هذه الدنيا بعد سنتين من الثراء المزيف.

ت وجهت فوراً إلى المقاهي القريبة، جلست هناك أفكار في رأسي كالعاصفة. كيف تحولت شادية من الحمل الوديع الشديد الحنان إلى هذه الصخرة الصماء؟ هل كانت تنتظر هذه اللحظة؟ أم أن جرح كبريائها كان أعمق مما تخيلت؟

مع بزوغ الفجر، لم يكن أمامي سوى ملاذ واحد.. “سلمى”.

قالت بلهفة:

“خير يا حامد؟ كلمت مدام شادية؟ وافقت؟”

انتظرت أن أرى في عيني سلمى نظرة التعاطف، أو أن تمسك بيدي وتقول لي: “أنا بحبك أنت مش فلوسك، وهنبدأ من الصفر سوا”.

لكن ملامح سلمى بدأت تتغير تدريجياً مع كل كلمة أقولها. اختفت الابتسامة، وحلت محلها نظرة استغراب وجفاء.

عندما انتهيت من حديثي، سادت لحظة صمت ثقيلة، ثم قالت سلمى بصوت بارد لم أعهده فيها:

“يعني أنت دلوقتي.. حاف؟ مفيش ؟ مفيش شغل؟ مفيش عربية؟”

قلت لها بلهفة ورجاء:

“سلمى.. أنا عندي خبرة دلوقتي، أنا أقدر أشتغل في أي مكان وأقف على رجلي تاني! المهم إننا مع بعض، أنتِ مش كنتِ بتحبيني؟”

ضحت سلمى ضحكة قصيرة فيها الكثير من ، وقامت من مجلسها وهي تعدل وقالت:

“أحبك؟ طبعاً كنت بحبك لما كنت حامد بيه، صاحب الفرن واللي راكب عربية أحدث موديل وعايش في فخمة! لكن أرجع أتجوز واحد مش حيلته لقمة يومه وعايش في الشارع؟ أنت عندك 29 سنة دلوقتي، هتبدأ من الصفر إزاي؟ وعلى ما تعمل نفسك هكون أنا كبرت!”

سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة، قلت بصدمة:

“سلمى! أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ كنتِ بتقوليلي إنك معجبة بيا لشخصي!”

“شخصك؟ هو أنت شخصك إيه من غير الفلوس والجاه اللي الست دي عملتهولك؟ أنت حتى عندك الجرأة تصون النعمة اللي كانت في إيدك! ست كتبتك كل حاجة وشالتك من الفقر، بعتها عشان واحدة شافت حركة عينها في الفرن؟ إذا كنت أنت أكلت العيش الترابيزة مع اللي خلتك بني آدم.. هتحافظ عليا أنا إزاي لما الدنيا تضيق بيك؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *