العروسه حكايات انجي

شاورتا لعربية تاكسي كانت معدية بالصدفة، السواق بص لها باستغراب شديد وهو بيشوف عروسة بفستانها المتبهدل ومعاها طفل ماشي في الشارع في وقت متأخر كده. أول ما التاكسي وقف، سارة فتحت الباب وركبت ورا وشدت يوسف في حضنها وقفت الباب بقوة.
السواق بص لها في المراية وجبينه متقطّع: “على فين يا مدام؟”
سارة بلعت ريقها بالعافية، صوتها كان مخنوق بس ثابت: “على وسط البلد يا أسطى… المقطم… أي مكان بعيد عن هنا.”
التاكسيتحرك، وسارة كانت بتبص من الشباك الوراني. شاف المعادي بتبعد ببطء، كشافات الشارع كانت بتعدي على وشها زي السكاطات، ويوسف حاطط راسه على حجرها ومغمض عينه كأنه ما صدق يخرج من الجو المكتوم ده.
في الوقت ده، جوه بيت المعادي، الصوت كان زي المأتم.
محمود سحب أمه من على الأرض وقعدها على الكنبة في الصالة، والناس اللي كانت معزومة بدأت تتسحب واحدة واحدة من الباب وهم بيبصوا لبعض بنظرات كلها همس وتكهنات. محدش فاهم حاجة، بس الكل عارف إن في مصيبة كبيرة حصلت.
محمود طلع السلم بضربات جزمة قوية، خبط على باب أوضة النوم بعنف: “افتح يا حسن! افتح بدل ما أكسر الباب فوق دماغك!”
مفيش رد.
محمود زق الباب برجله بقوة، الباب اتفتح وخبط في الحيطة.
حسن كان قاعد على طرف السرير، ماسك الورق في إيده وبيبص فيه بجمود غريب. الدموع كانت جفت على وشها، بس عينيه كانت فاضية تماماً، كأنه أخيرًا استوعب حجم المصيبة اللي عملها.
محمود قرب منه وسحب الورق من إيده بعنف: “إيه اللي إنت عملته ده؟ إنت متخيل إنت بوظت إيه؟ إنت مش بس خسرت سارة… إنت نهيت اسم العيلة دي! طارق أخوك اللي مات، جاي تتهمه في شرفه بعد ما مات بـ3 سنين؟”
حسن رفع عينه ببطء، وصوته كان طالع خفيف ومكسور زي الشبح: “أنا ماكنتش قادر أتحمل يا محمود… كل ما أصحى الصبح وأشوف يوسف بيلعب قدامي، وأشوف سارة بتبصلي بنظرة عطف… بحس إني ولا حاجة. بحس إن طارق لسه عايش وموجود بينهم، وأنا مجرد ظل… خيال مآتة شارينه عشان يستر عليهم.”
محمود مسك حسن من قميصه وهزه بقوة: “طالع من بؤك الكلام ده؟! طارق ضحى باسمه وساب عينته في السر عشان خاطر إنت ما تتكسرش قدام الناس! سارة سكتت وشالت الهم ده كله وعاشت معاك وت استحملت قرفك وشكك عشان تحافظ على بيتك! إنت اللي كنت مريض بنقصك… إنت اللي بعت الكل عشان ترضي جرح كبريائك المريض!”
حسن سكت، ونزل راسه بين إيديه وبدأ يعيط بصوت مكتوم وهستيري.
في التاكسي، التليفون في شباك سارة بدأ يرن. كانت الحاجة فاطمة.
سارة بصت للشاشة، الشاشة كانت بتنور باسم “أمي التانية”. مسحت دموعها بأصابعها، وبصت ليوسف اللي كان بدأ ينام، وبعدين سحبت الشاشة وقفلت التليفون خالص.
السواق وقف التاكسي قدام بيت قديم في المقطم، بيت أهل سارة اللي مقفول من يوم ما أبوها اتوفى.
سارة نزلت، شالت يوسف على دراعها رغم ثقل الفستان، وطلعت السلم الخشب اللي بيزيّق. فتحت الشقة المفتاح اللي كان في شنطتها الصغيرة.
الريحة كانت ريحة تراب وذكريات قديمة، بس بالنسبة لها، كانت أول مكان تحس فيه بالأمان من سنين.
حطت يوسف على السرير في الأوضة القديمة، وغطته بكوفرتة سميكة. الولد فتح عينه نص فتحة وبص لها: “ماما… هما مش هيجوا هنا صح؟”
سارة وطت وپست دماغه، وابتسمت له بهدوء: “محدش يقدر يلمسك ولا يلمسني تاني يا يوسف… نام يا حبيبي.”
سارة خرجت الصالة، وقفت قدام المراية الكبيرة. بصت لنفسها بكتير من الحسرة… الفستان الأبيض المتبهدل، المكياج السايح، والشعر المنكوش. مسكت سوستة الفستان من ورا، ونزلتها ببطء، وخلعت الفستان ورمته على الأرض في نص الصالة.
قعدت على الكنبة الخشب، ولفت بملاية قديمة، وبصت للسقف وهي بتتنفس ببطء.
السر اتكشف، والعيلة اتدمرت، والليلة اللي كان المفروض تكون ليلة العمر بقت كابوس… بس لأول مرة من سنين، سارة حسّت إن طوق الخناق اللي كان على رقبتها اتفك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *