العروسه حكايات انجي

النهار بدأ ينور بجد، وسارة شمرت عن دراعاتها. مسكت الشنطة القديمة اللي كانت مركونة في الدولاب، وطلعت منها هدوم خروج بسيطة كان سايباها هنا من زمان. قلعت الملاية اللي كانت لافّة بيها، ولبست بنطلون جينز وبلوزة كحلي وسادة، ولمّت شعرها كعكة لفي فوق.
يوسف كان قاعد على السرير بيلعب بفرشة الشعر، بص لها وقال بصوت بريء: “ماما… هنسيب فستان الفرح هنا؟”
سارة بصت للفستان الأبيض المرمي في نص الصالة، الفستان اللي صرفت عليه ألوفات وكان حلمها لسنين. قربت منه، مسكته من الطوق ورفعت، وبعدين فتحت باب البلكونة القديمة ورمته في زبالة الشارع تحت من غير ما ترمش لها عين.
“الفستان ده ملوش مكان معانا تاني يا يوسف.”
في الوقت ده، عربية حسن كانت بتجري بأقصى سرعة على طريق الأوتوستراد. حسن كان سايق وهو مش شايف قدامه، عينيه زغللت من كتر الدموع والعرق، دماغه كانت بتغلي بتفاصيل الليلة اللي فاتت. كل كلمة قالها محمود، وكل نظرة انكسار شافها في عين أمه، كانت بتتعاد في دماغه زي شريط ملوش نهاية.
فجأة، تليفونه رن… الشاشة نورت باسم “محمود”.
حسنرد بصوت طالع بالعافية: “عايز إيه تاني يا محمود؟ خلاص… أنا سيبت لكم البيت والمكان كله.”
صوت محمود على الناحية التانية ما كانش صوت غضب، كان صوت هادي بطريقة تخوف: “سارة كلمت المحامي يا حسن. أستاذ مجدي كلمني وقال إنها طلبت ترفع قضية خلع وتطلب حظر عدم تعرض.”
حسن مسك الطارة بقوة حتى صوابعه ابيضت: “خلع؟! هي فاكرة إنها هتمشي بالبساطة دي بعد ما فضحتني؟”
محمود اتنفس بصوت عالي وقال بحدة: “إنت اللي فضحت نفسك يا غبي! سارة ما قالتش كلمة واحدة لأي حد من القرايب ولا الناس اللي كانوا في الفرح. الناس بره فاكرين إنكم اختلفتم على شقة ولا خناقة عادية… هي صانتك حتى وهي ماشية وتسيبك! إنت اللي خرجت التحاليل ورميتها في وش الكل!”
حسن سكت، ورجليه اتراخت على بدال البنزين، العربية بدأت تهدي سرعتها ببطء.
“محمود… هي فين؟”
“ما أعرفش، وحتى لو اعرف مش هقولك. سارة ويوسف في أمان، وإنت لازم تروح لدكتور يتعالج يا حسن… علاج نفسي قبل أي حاجة، عشان إنت دمرت نفسك ودمرتنا معاك.”
محمود قفل الخط في وش حسن.
حسن ركن العربية على جانب الطريق، وحط راسه على الطارة وبدأ يعيط بصوت عالي جداً، عياط راجل اكتشف إنه في لحظة غل ونقص دمر كل حاجة حلوة كانت في إيده.
في المقطم، سارة كانت مسكة إيد يوسف ونازلين على السلم. الشمس كانت مالية الشارع، وريحة الفول والطعمية طالعة من المحل اللي تحت البيت.
يوسف بص لسارة وابتسم: “ماما… أنا جائع.”
سارة ضحكت من قلبها، ضحكة صافية كانت غايبة عنها من سنتين كاملين، وطت وپست خده: “من عينيا يا حبيب ماما… هناكل أحلى فطور النهاردة، وبعد كده نروح نعمل ورق مدرستك الجديدة.”
مشيوا في الشارع وسط الناس، خطوات سارة كانت ثقيلة من التعب بس ثابتة، وإيدها ضاغطة على إيد ابنها… كانت عارفة إن الطريق مش هيبكون سهل، وإن كلام الناس مش هيرحم، بس كانت عارفة كمان إنها كسبت أهم حاجة: حريتها، وكرامتها، وابنها اللي حمت سر أبوه الحقيقي لحد آخر لحظة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *