العروسه حكايات انجي

النور بدأ يتسرب ببطء من شباك الصالة القديم، شعاع شمس أصفر باهت نزل على الفستان الأبيض المرمي على الأرض زي جثة ذكريات خلاص.
سارة كانت قاعدة في مكانها على الكنبة، عينيها مبلمة في السقف، ما غفلتش دقيقة واحدة. صوت عربيات الشارع وهي بتبدأ تصحى كان بيذّكرها إن الدنيا مش بتوقف عشان مصيبة حد، وإن الصبح جه بالواقع الجديد اللي لازم تواجهه.
قامت ببطء، كله كان بيوجعها كأنها طالعة من معركة. دخلت الأوضة، لقيت يوسف نايم بعمق، إيده الصغيرة مضمومة جنب وشه، ملامحه كانت هادية تماماً بعيد عن التوتر والجنان اللي عاشه إمبارح. سارت على أطراف صوابعها، غطته كويس، وخرجت للمطبخ تحضر كوباية شاي دافية تحاول بيها تلم اللي بيرتعش من البرد والتعب.
في المعادي، البيت كان بيعيش أسوأ نهار مر عليه من سنين.
الشمس لما طلعت، كشفت حجم الخراب. الصالة كانت لسه مليانة كراسي الفرح المترتبة، وورد استقبال الضيوف اللي بدأ يدبل. الحاجة فاطمة كانت قاعدة على السباك في الصالة، طرحتها ملفوفة بإهمال على راسها، وعينيها متنفخة من العياط. محمود كان رايح جاي في الصالة، شرب علبة سجاير كاملة من الفجر، وعينيه كانت بتطق شرار.
فجأة، باب الأوضة فوق اتفتح.
حسن نزل على السلم ببطء شديد. كان غير هدومه، لبس بنطلون وقميص عاديين، بس وشه كان باهت، وعينيه غاطسة لجوه، كأنه كبر عشر سنين في ليلة واحدة.
محمود أول ما شافه نزل، وقف مكانه وضغط على إيده بقوة: “طالع فين؟”
حسن ما بصش لمحمود، بص لأمه اللي كانت بتبص له بعتاب وجع يهد الحيل. صوته طلع واطي ومبحوح: “ماشي… مش هقعد هنا تاني.”
محمود قرب منه وضربه على صدره بحدة: “هتمشي تروح فين؟! هتهرب من القرف اللي عملته؟ فاكر لما تمشي السر ده هيدفن؟ الشارع كله والمنطقة بيتكلموا! كل الناس بتسأل العروسة هربت ليه في ليلة دخلتها!”
حسن نزل راسه للأرض وصوته المكسور خرج بالعافية: “أنا دمرت كل حاجة… عارف. بس أنا ماكنتش قادر أعيش في الكدبة دي أكتر من كده. كل ما كنت ببص لـ يوسف كنت بشوف طارق… كنت بحس إن طارق بيبصلي بيضحك عليا، وبيقولي إنت مجرد راجل بالاسم.”
الحاجة فاطمة اتكلمت لأول مرة، بصوت ضعيف ومرتعش بس كل كلمة فيه كانت زي السكين: “طارق أخوك الميت يا حسن… طارق اللي ضحى وساب كل حاجة عشان حمايتك إنت… عشان ما تبقاش مكسور قدام الناس. إنت ما ضربتش سارة يا حسن… إنت ضربت طارق في تربته، وضربتني أنا في قلبي.”
حسن بلع ريقه بمرارة، بص لأمه نظرة أخيرة مليانة ندم وعار، وسحب مفاتيح عربيته وخرج من البيت بسرعة قبل ما محمود يمسك فيه تاني.
في المقطم، التليفون بتاع سارة فتحته بعد ما شربت الشاي. أول ما الشاشة نورت، الانفجار بدأ… عشرات المكالمات الفائتة، رسائل من أصحابها، من قرايبها، ومن محمود.
سارة ما ردتش على حد، مسحت الرسائل كلها، وطلبت رقم واحد بس… رقم محامي العيلة القديم.
“ألو… أستاذ مجدي؟ أنا سارة… عايزاك ترفعلي قضية خلع فوراً، وعايزة أطلب حماية وقضية إثبات نسب لو حاول يلعب في الورق.”
الراجل على الناحية التانية اتصدم: “سارة؟! إنتِ مش كان فرحك إمبارح؟”
سارة بصت من الشباك على المقطم من فوق، وابتسامة ثقة وارتياح ظهرت على وشها لأول مرة: “كان إمبارح يا أستاذ مجدي… النهاردة أنا ببدأ حياتي الحقيقية.”
قفت التليفون، ولفت لقيت يوسف واصل عند باب المطبخ، فرك عينيه بابتسامة صغيرة وقال: “صباح الخير يا ماما… هنعمل إيه النهاردة؟”
سارة وطت، حضنته بقوة واستنشقت ريحة شعره، وقالت بنبرة قوية ومفيهاش أي تردد: “النهاردة يا يوسف… هننزل نشتري هدوم جديدة، ونفتح صفحة جديدة خالص.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *