روایه لؤلؤه الدنجدان الحلقه العاشره بقلم نور محمد

تحطمت الصينية الفضية على الأرضية الرخامية، وتناثرت قطع الزجاج، ومعها تناثرت آخر ذرات الأمان التي بنتها لؤلؤ في قلبها. الصوت المدوي لم يكن مجرد انكسار لأكواب الزجاج، بل كان إعلاناً بانهيار عالمها الزجاجي الهش الذي ظنت أنها احتمت به.
التفت هشام بحدة، وتوقف الدم في عروقه وهو يراها تقف هناك. كانت شاحبة كالأموات، ترتجف بعنف وكأن تياراً كهربائياً يضرب جسدها النحيل. عيناها الواسعتان، اللتان كانتا تفيضان بالحب منذ دقائق، تحولتا إلى بئر من الرعب والضياع.
“لؤلؤ…” ناداها هشام بصوت مختنق، متجاهلاً عادل والصندوق والعداوة، واندفع نحوها.
تراجعت خطوة للخلف، وتعثرت في شظايا الزجاج التي جرحت قدمها العارية، لكنها لم تشعر بأي ألم جسدي. الألم الذي يمزق روحها كان أعظم.
“متقربش!” صرخت بصوت باكي، هيستيري، ورفعت يديها المرتجفتين لتمنعه من الاقتراب. “أنا… أنا بنت الناس اللي قت/لوا عيلتك؟ أنا من دم أعدائك؟ أنا السبب في الوجع اللي في حياتك يا هشام؟”
لم يكترث هشام لصرخاتها ولا للزجاج المتناثر تحت قدميه الحافيتين. تقدم بخطوات واسعة، وبحركة خاطفة، أحاط خصرها بذراعيه الفولاذيتين، وجذبها بقوة ساحقة نحو صدره، رافعاً إياها عن الأرض المليئة بالشظايا.
“إنتي مجنونة؟ بتدوسي على القزاز؟” زأر هشام بغضب ممزوج برعب حقيقي عليها، متجاهلاً كل هراء الأنساب والعداوات.
حملها بين ذراعيه وعاد بها إلى داخل غرفة النوم، ووضعها برفق على السرير الوثير. جثا على ركبتيه أمامها، وأمسك بقدمها النازفة، وبدأ يمسح الدماء برقة متناهية بقطعة قماش قطنية، غير عابئ بمكانته أو كبريائه.
“سيبني يا هشام…” كانت تبكي بحرقة، دموعها تحرق وجنتيها السمراوين. “أنا حاسة إني ملعونة.. كل ما أفرح الدنيا تكسرني. إزاي أكون من عيلة المنشاوي؟ إزاي أمي فاطمة تطلع مش أمي؟ أنا مين؟ وليه الدم بينكم؟ أنا خايفة أكون لعنة في حياتك!”
ترك هشام قدمها، ونهض ليجلس بجوارها. أحاط وجهها بكفيه الكبيرتين، وأجبرها على النظر في عينيه. كانت عيناه المظلمتان تشتعلان بنار غريبة، ليست نار الانتقام، بل نار عشق لا يقبل المساومة.
“اسمعيني كويس، وافتحي ودانك وقلبك للكلمتين دول،” قال هشام بصوت أجش، حازم، يزلزل كيانها. “إنتي ولا منشاوي ولا غيره. إنتي لؤلؤ… لؤلؤ هشام الشافعي. الورقة اللي بره دي حتة زبالة متسواش عندي مليم. الدم اللي بيجري في عروقك ده دمي أنا، والنبض اللي في قلبك ده ملكي أنا. عيلتك الحقيقية هي حضني، وتاريخك بدأ من يوم ما عيونك جت في عيوني.”