اختفى ابني
بلا لوحات تقف أمام المدخل.
وترجل منها ثلاثة رجال.
كانوا يتحركون بسرعة وكأنهم يعرفون المكان جيدًا.
استدار الرجل نحونا وقال
ليس لدينا وقت.
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا، ووضعه في يد الشاب.
وأضاف
إذا حدث لي شيء… افتح الخزنة الموجودة خلف اللوحة الكبيرة في القبو.
سألته بلهفة
أي خزنة؟
قال
ستجدون فيها كل الأدلة… أسماء… صور… وتسجيلًا سيغير كل ما تعتقدونه عن يوم اختفاء بلال.
وفي تلك اللحظة…
دوّى صوت ارتطام قوي.
تحطم باب العمارة في الأسفل.
ثم بدأت خطوات سريعة تصعد السلم…
درجة…
بعد درجة…
متجهة مباشرة نحو الشقة توقفت أنفاسنا.
كان صوت الأقدام يقترب بسرعة.
درجة…
ثم أخرى…
ثم أخرى…
حتى أصبحنا نسمع أصواتهم بوضوح خلف باب الشقة.
نظر الرجل إلى الشاب وقال بحزم
أغلق الأنوار.
في لحظة واحدة، غرق المكان في الظلام.
لم يعد يُسمع إلا صوت أنفاسنا.
ثم…
دق… دق… دق…
ثلاث طرقات هادئة على الباب.
على غير المتوقع، لم يحاول أحد كسره.
بل جاء صوت رجل من الخارج يقول
نعرف أن عماد عندكم… افتحوا، ولن يصيبكم أذى.
ارتجفت يداي.
همس عماد
لا تصدقوهم… إذا دخلوا، فلن يخرج أحد من هنا حيًا.
نظر الشاب حوله بسرعة، ثم قادنا إلى المطبخ.
أزاح الثلاجة قليلًا.
وظهرت خلفها فتحة ضيقة لم نكن لنلاحظها أبدًا.
قال
الرجل الذي رباني كان يمنعني من الاقتراب منها.
انحنى عماد، وفتح الفتحة بمفتاح صغير.
ظهر ممر ضيق داخل الجدار.
قال بصوت متوتر
ادخلوا… بسرعة.
دخلنا واحدًا تلو الآخر.
وما إن دخل آخرنا…
حتى سمعنا صوت تحطم باب الشقة بعنف.
صرخ أحد الرجال
فتشوا كل غرفة!
حبست أنفاسي.
كنا خلف الجدار مباشرة.
كنت أسمع خطواتهم فوق رأسي.
وأصوات الأدراج وهي تُفتح.
والأثاث وهو يُقلب.
ثم…
توقف كل شيء فجأة.
قال أحدهم
وجدتها!
تسارعت دقات قلبي.
ظننت أنهم وجدونا.
لكن الرجل أكمل
وجدت الرسالة… لكنها مفتوحة.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم قال صوت آخر بحدة
إذًا وصلوا إلى الحقيقة الأولى… أسرعوا، لا بد أنهم ما زالوا داخل المنزل.
في تلك اللحظة…
ضغط عماد على حجر بارز داخل الممر.
فتح باب سري في نهايته.
خرجنا إلى غرفة صغيرة لم نرها من قبل.
كانت فارغة تقريبًا…
إلا من خزانة حديدية ضخمة مثبتة في الحائط.
أخرج الشاب المفتاح الذي أعطاه له عماد قبل دقائق.
أدخله في القفل.
دار المفتاح بصعوبة…
ثم انفتح الباب الحديدي ببطء.
وفي الداخل…
لم تكن هناك أموال…
ولا مجوهرات…
بل عشرات الملفات، وأجهزة تخزين، وصندوق أسود صغير.
رفع عماد الصندوق بيد مرتجفة، وقال
هذا هو السبب الحقيقي وراء اختفاء بلال.
وقبل أن يفتحه…
صدر من أحد الملفات المفتوحة تلقائيًا صوت تسجيل قديم.
ثم جاء صوت طفل واضح جدًا…
أنا اسمي بلال… وإذا حد سمع التسجيل ده، يبقى فيه حد كذب عليكم طول السنين…
وانقطع التسجيل فجأة…
بعد أن سمعنا في الخلفية صوت شخص يفتح الباب، ثم صرخة بلال المدوية تجمدنا جميعًا.
لم ينبس أحد بكلمة.
كان صوت بلال… رغم مرور خمسة عشر عامًا… لا يزال يحمل البراءة نفسها.
مددت يدي نحو جهاز التسجيل، وأعدت المقطع من البداية.
خرج صوت بلال أوضح هذه المرة
أنا اسمي بلال… ولو حد بيسمع التسجيل ده، يبقى فيه حد كذب عليكم طول السنين… أنا مش تايه…
ثم انقطع صوته فجأة.
وسُمعت صرخة قوية.
تلتها جملة قالها رجل بحدة
اقفل التسجيل… بسرعة!
انتهى الشريط.
ساد صمت ثقيل.
قال مصطفى بصوت مبحوح
هذا يعني أنه كان يحاول يترك دليلًا…
هز عماد رأسه ببطء.
نعم… لكنه لم ينجح.
اقترب الشاب من الصندوق الأسود، ولاحظ شيئًا لم ننتبه إليه.
كان هناك تجويف صغير في جانبه.
قال
هذا ليس صندوقًا عاديًا… يحتاج إلى مفتاح ثانٍ.
قطب عماد حاجبيه.
مفتاح ثانٍ؟
أخرج الشاب المفتاح الذي كان حول عنقه منذ طفولته.
جربه.
لم يدخل.
ثم أخرج عماد مفتاحًا آخر من جيبه.
لم يدخل هو أيضًا.
شعرت بالإحباط.
لكن فجأة…
قال مصطفى بهدوء غريب
انتظروا…
ووضع يده داخل جيب سترته.
أخرج سلسلة فضية قديمة، كانت معلقة بها قطعة معدنية صغيرة تشبه نصف مفتاح.
نظرت إليه بدهشة.
من أين جاءت هذه؟
تردد للحظة، ثم قال
وجدتها في ملابس بلال… يوم اختفائه.
اتسعت عيناي.
ولماذا لم تخبرني طوال هذه السنوات؟!
لم يجب.
بل وضع القطعة المعدنية في التجويف.
ثم أمسك الشاب بمفتاحه.
ركّبه بجوارها.
طَق!
صدر صوت فتح القفل.
انشق الصندوق الأسود ببطء.
وفي داخله…
وجدنا ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وعليه عبارة واحدة مكتوبة بخط واضح
يُفتح فقط إذا اجتمع الأربعة.
نظرنا إلى بعضنا.
أنا…
ومصطفى…
والشاب…
وعماد.
قال عماد بصوت خافت
إذًا… كنا جميعًا جزءًا من هذه القصة منذ البداية.
مددت يدي ببطء نحو الظرف.
كسرت ختم الشمع.
وسحبت أول ورقة.
لكن قبل أن أقرأ حرفًا واحدًا…
سقطت من داخل الظرف صورة قديمة على الأرض.
التقطها الشاب أولًا.
وبمجرد أن نظر إليها…
تراجع خطوة إلى الخلف وكأن صاعقة أصابته.
همس وهو يرتجف
لا… هذا مستحيل…
أخذت الصورة منه بسرعة.
وما رأيته فيها…
جعل الدم يتجمد في عروقي.
كانت صورة لبلال وهو في العاشرة…
يقف مبتسمًا بين رجلين.
أحدهما عماد…
أما الآخر…
فكان شخصًا ظنناه ميتًا منذ أكثر من عشرين عامًا شهقت بقوة.
حدقت في الصورة مرة… ثم مرتين… ثم ثالثة.
لم أصدق عيني.
كان الرجل الثاني هو…
سليم.
شقيق مصطفى الأكبر.
الرجل الذي شيعناه إلى قبره قبل أكثر من عشرين عامًا، بعد أن قيل إنه توفي في حادث سيارة واحترقت جثته بالكامل.
همس مصطفى وهو يتراجع للخلف
لا… هذا مستحيل… أخي مات.
لكن عماد لم يبدُ مصدومًا.
بل أغلق عينيه للحظة، وكأنه كان يخشى أن نصل إلى هذه اللحظة.
صرخت فيه
تكلم!
فتح عينيه ببطء وقال
سليم… لم يمت في ذلك الحادث.
ساد الصمت.
حتى الشاب لم يعد قادرًا على الكلام.
تابع عماد بصوت مثقل
الحادث كان مدبرًا… والجثة التي دُفنت لم تكن جثة سليم.
شعرت بأن كل ما عرفته في حياتي بدأ ينهار.
سألت وأنا ألهث
ولماذا يفعل كل هذا؟
أجاب
لأنه كان يهرب من أشخاص أخطر منه… وعندما اختفى، ظن أنهم سيتوقفون عن ملاحقته.
ثم أشار إلى الصورة.
لكنهم لم يتوقفوا.
قلبت الصورة بيدي المرتجفتين.
كان على ظهرها تاريخ…
وبجانبه عبارة مكتوبة بقلم أزرق
إذا رأيتم هذه الصورة، فلا تبحثوا عن سليم… بل ابحثوا عن المكان الذي التُقطت فيه.
نظر الشاب إلى الخلفية في الصورة.
ثم اقترب منها أكثر.
وفجأة قال
انتظروا…
وأشار إلى زاوية بعيدة في الصورة.
كانت هناك لافتة صغيرة نصفها مخفي خلف شجرة.
كبرناها باستخدام هاتفه.
ظهرت عليها كلمات باهتة.
لكن كلمة واحدة كانت مقروءة بوضوح
الواحة.
قال عماد فورًا
إذن… ما زالت موجودة.
سألته بسرعة
ما هي الواحة؟
تنهد طويلًا، ثم قال
ليست واحة… بل اسم مزرعة قديمة خارج المدينة.
وفي اللحظة نفسها…
اهتز هاتف الشاب بإشعار جديد.
فتح التطبيق.
كان حساب تيك توك الذي أغلق البث قبل أيام قد نشر مقطعًا جديدًا…
رغم أن الشاب كان واقفًا معنا والهاتف في يده.
فتح الفيديو ببطء.
ظهر رجل ملثم يقف أمام الكاميرا.
ثم رفع صورة قديمة لبلال.
وقال بصوت مشوش
إذا وصلتم إلى الصورة… فهذا يعني أنكم تأخرتم.
ثم أنزل الصورة…
لتظهر خلفه مزرعة قديمة، وعلى بوابتها الحديدية لافتة صدئة مكتوب عليها
الواحة.
وقبل أن ينتهي المقطع…
سمعنا صوتًا مألوفًا يأتي من خلف الكاميرا.
صوت رجل يقول
أخبرتهم بما يكفي يا سليم…
فتجمد عماد في مكانه، وهمس
إذن… هو حي فعلًا تبادلنا النظرات في صمت.
لم يعد أحد يشك أن سليم ما زال على قيد الحياة.
لكن السؤال الذي مزق رأسي كان
إذا كان حيًا… فلماذا لم يعد؟ ولماذا ظل مختبئًا كل هذه السنوات؟
أمسك عماد الهاتف من يد الشاب، وأعاد تشغيل الفيديو ببطء.
هذه المرة لم يكن ينظر إلى الرجل الملثم…
بل إلى الخلفية.
ثم قال فجأة
أوقف هنا.
أوقفنا المقطع عند ثانية واحدة فقط.
في زاوية الشاشة، خلف البوابة الحديدية، ظهرت سيارة بيضاء.
كانت صغيرة جدًا في الصورة.
لكن عماد ابتسم ابتسامة باهتة لأول مرة.
قال
عرفتها.
سألته بسرعة
ماذا عرفت؟
أجاب
ليست السيارة… لوحة السيارة.
نظرنا إليه باستغراب.
قال
كنت أعمل في المرور قبل أن أصبح أخصائيًا اجتماعيًا… وأحفظ أول أرقام المحافظات من النظرة.
كبر الشاب الصورة أكثر.
وبالفعل…
ظهر أول رقمين من اللوحة.
ابتلع عماد ريقه.
هذه ليست المزرعة التي نعرفها…
إنها مزرعة أخرى تحمل الاسم نفسه.
شعرت بأننا عدنا إلى نقطة الصفر.
لكن قبل أن نتحدث…
رن هاتف عماد.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلقها فورًا.
بعد ثانية…
رن مرة أخرى.
ثم ثالثة.
قلت
من المتصل؟
تنهد ببطء، ثم قلب الهاتف نحونا.
كان الاسم ظاهرًا هذه المرة.
سليم.
ساد الصمت.
قال الشاب وهو يرتجف
رد عليه.
ضغط عماد زر الإجابة ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
لم يتكلم أحد.
ثم جاء صوت رجل هادئ جدًا
أعرف أنكم فتحتم الصندوق.
لم يرد عماد.
تابع الرجل
وأعرف أن منى معكم.
تسارعت أنفاسي.
كيف يعرف كل هذا؟
قال الرجل
منى… إذا كنت تسمعينني، فأنا مدين لك باعتذار منذ خمسة عشر عامًا.
صرخت في الهاتف
أين ابني؟!
سكت الرجل لثوانٍ.
ثم قال جملة واحدة قلبت كل شيء
بلال ليس ابن الشخص الذي تعتقدين.
ساد صمت مرعب.
التفتُّ ببطء نحو مصطفى.
أما مصطفى…
فأغلق عينيه، وانهمرت دمعة لأول مرة منذ اختفاء بلال.
لكن قبل أن ينطق بحرف واحد…
انقطع الاتصال.
ولمعت على هاتف عماد رسالة جديدة تحتوي على إحداثيات موقع واحد فقط…
ومرفقًا معها عبارة قصيرة
إذا أردتم الحقيقة كاملة… تعالوا قبل غروب الشمس. بعد ذلك… لن تجدوا أحدًا نظرنا جميعًا إلى شاشة الهاتف.
كانت الإحداثيات واضحة.
لكن لم يكن معها اسم مكان… ولا أي تفسير.
قال الشاب بسرعة
سنذهب الآن.
لكن عماد أمسك بذراعه بقوة.
لا.
التفتنا إليه.
قال وهو يحدق في الإحداثيات
هذه ليست دعوة… إنها اختبار.
سألته بحدة
أي اختبار؟!
أجاب
سليم لا يرسل موقعًا حقيقيًا أبدًا. كان دائمًا يغيّر آخر رقم في الإحداثيات. من يذهب كما هي… يصل إلى مكان خاطئ.
أخذ الهاتف، وعدّل الرقم الأخير.
وفجأة ظهرت على الخريطة مزرعة قديمة وسط منطقة معزولة.
همس
هناك…
انطلقنا جميعًا في السيارة.
كنت طوال الطريق أقبض على صورة بلال بقوة حتى كادت تتمزق بين أصابعي.
كل دقيقة كانت تمر أشعر أنها سنة.
وبعد أكثر من ساعة…
وصلنا إلى بوابة حديدية صدئة.
كانت اللوحة المعلقة فوقها تحمل الاسم نفسه
الواحة.
لكن المكان بدا مهجورًا تمامًا.
لا أصوات.
لا سيارات.
لا أثر لأي إنسان.
قال مصطفى
هل تأخرنا؟
وقبل أن يجيبه أحد…
تحرك باب المزرعة ببطء من تلقاء نفسه، مصدِرًا صريرًا طويلًا.
دخلنا بحذر.
كان في منتصف الساحة بيت قديم.
وعلى بابه ورقة مثبتة بمسمار.
اقتربت منها.
كانت مكتوبة بخط اليد
منى… ادخلي وحدك.
صرخ مصطفى فورًا
مستحيل!
لكنني لم أستطع التراجع.
شعرت أنني إن لم أدخل الآن… فسأفقد بلال إلى الأبد.
دفعت الباب.
ودخلت.
كانت الغرفة مظلمة إلا من نافذة صغيرة.
وفي منتصفها…
كرسي خشبي.
يجلس عليه رجل يدير ظهره لي.
قال بصوت هادئ
تأخرتِ