اختفى ابني

كثيرًا يا منى.
عرفت الصوت فورًا.
كان صوت سليم.
تقدمت خطوة.
ثم أخرى.
قلت بصوت مختنق
أين بلال؟
وقف الرجل ببطء.
واستدار نحوي.
كان الشيب قد غزا شعره، لكن ملامحه هي نفسها الموجودة في الصورة.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
قبل أن أسلمك بلال…
توقف للحظة.
وأخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
وأضاف
هناك شخص واحد في الخارج… إذا عرف أن بلال حي… سيقتله في اللحظة نفسها.
شعرت بأن قلبي كاد يتوقف.
سألته بصوت مرتجف
من هو؟
رفع سليم عينيه نحوي…
وأشار بإصبعه نحو باب الغرفة، حيث كان يقف أحد الأشخاص الذين جاؤوا معي…
لكنني لم ألتفت بعد لأرى من يقصد استدرت ببطء…
كانت المفاجأة صادمة.
الشخص الذي كان يشير إليه سليم لم يكن مصطفى…
ولا عماد…
بل الشاب نفسه.
نظر الشاب إلى سليم بذهول وصاح
أنا؟! ماذا تقول؟!
اقترب سليم منه وقال بهدوء
لأنك لست مجرد شاهد على القصة…
ثم أخرج من جيبه صورة صغيرة ووضعها بين يديه.
كانت صورة لطفلين يقفان جنبًا إلى جنب.
أحدهما بلال.
والآخر… الشاب.
قال سليم
لقد تربيتما معًا لمدة خمس سنوات بعد اختفائكما.
تجمد الجميع.
قالت منى وهي تكاد تسقط
اختفاؤكما؟! هل خُطف هو أيضًا؟
أومأ سليم برأسه.
نعم… لكن ذاكرته مُحيت بسبب صدمة شديدة، ولم يتذكر سوى الأحلام.
نظر الشاب إلى الصورة وبدأت دموعه تنهمر.
همس
كنت أرى هذا الطفل في أحلامي… كنت أظنه خيالًا.
تنهد سليم وقال
لم يكن خيالًا… كان بلال.
ثم التفت إلى منى.
بلال حي.
توقفت الدنيا بالنسبة لها.
شهقت وهي تبكي
أين هو؟
خفض سليم رأسه وقال
بعد أن شعرت أن من كانوا يطاردوننا اقتربوا، ساعدته على الهرب قبل ثلاث سنوات، وغيرت اسمه وأوراقه حتى يعيش بأمان.
صرخت منى
خذني إليه… الآن!
ابتسم سليم لأول مرة منذ سنوات.
وأخرج هاتفًا قديمًا من جيبه.
ضغط على زر الاتصال.
وبعد ثوانٍ سُمِع صوت شاب من الطرف الآخر
عمي سليم… هل انتهى كل شيء؟
انهمرت دموع منى.
رغم أن صوته أصبح رجوليًا، إلا أنها عرفته.
همست
بلال…
ساد الصمت على الخط.
ثم جاء صوت متقطع بالبكاء
…ماما؟
لم تستطع الرد.
كانت تبكي فقط.
قال سليم
لم أشأ أن أعيده إليكم قبل أن أتأكد أن الخطر انتهى.
وبعد ساعات قليلة…
وصلت سيارة إلى المزرعة.
نزل منها شاب في الخامسة والعشرين من عمره.
وقف مترددًا للحظات.
أما منى…
فركضت نحوه دون أن تفكر.
احتضنته بكل قوتها، وظلت تبكي وهي تردد
رجعت… الحمد لله إنك رجعت.
ضمها بلال وهو يبكي أيضًا، ثم احتضن مصطفى، الذي انهار باكيًا طالبًا الصفح لأنه استسلم لليأس بينما ظلت أمه متمسكة بالأمل.
أما الشاب الذي رسم منى في أحلامه، فقد عرف أخيرًا حقيقة ماضيه، وبدأ رحلة البحث عن عائلته الحقيقية، بعدما ساعدته الذكريات والصور على استعادة أجزاء من حياته.
وبعد أشهر، ألقت الشرطة القبض على أفراد الشبكة التي كانت وراء خطف الأطفال، بعد أن قادتهم الملفات والتسجيلات التي احتفظ بها سليم طوال تلك السنوات إلى جميع المتورطين.
وفي يوم هادئ، جلس بلال بجوار أمه في الحديقة، يحمل دفتر الرسم نفسه الذي جمعهما بعد خمسة عشر عامًا.
رسم ابتسامة أمه لأول مرة وهي خالية من الحزن.
ابتسم لها وقال
كنت أحلم بهذا اليوم كل ليلة.
ابتسمت منى، وربتت على كتفه، وقالت
وأنا… لم أتوقف يومًا عن انتظارك.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *