اختفى ابني
إلى مصطفى، فإذا به قد شحب وجهه تمامًا.
همست
هذه الساعة…
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال
كانت معي… قبل خمسة عشر عامًا.
لم أستوعب ما قاله.
ماذا تقصد؟!
أجاب بسرعة وكأنه يحاول الدفاع عن نفسه
بعتها قبل اختفاء بلال بأيام… أقسم لك.
لكن صوته لم يكن مطمئنًا.
كان يرتجف.
وفي تلك اللحظة…
قال الشاب بهدوء
هناك شيء آخر يجب أن تروه.
اتجه إلى خزانة صغيرة في آخر المخزن، وأخرج صندوقًا خشبيًا مغبرًا.
وضعه أمامنا.
ثم قال
الرجل الذي رباني منعني من فتحه طوال حياته.
فتح الغطاء ببطء…
فوجدنا عشرات الأشرطة القديمة، وصندوقًا صغيرًا مليئًا بصور فوتوغرافية، وفي الأسفل…
كاميرا فيديو قديمة.
أدارها الشاب بدهشة.
والمفاجأة…
أن بداخلها شريطًا لا يزال في مكانه.
نظر إلينا وقال
أظن أن هذا آخر ما صوره.
تبادلنا النظرات في صمت.
ثم بحث عن جهاز تشغيل قديم كان بجوار الصندوق.
وبعد دقائق من المحاولات…
اشتغلت الشاشة أخيرًا.
ظهرت صورة مهزوزة.
ثم سُمِع صوت طفل يضحك…
كان صوت بلال.
اغرورقت عيناي بالدموع.
لكن الضحكة توقفت فجأة…
وحل محلها صوت رجل يقول بوضوح
لا تخف يا بلال… والدك وافق على كل شيء.
في تلك اللحظة…
التفتُّ ببطء نحو مصطفى.
كان واقفًا كالصنم.
وجهه شاحب…
وجبينه يتصبب عرقًا…
وكأنه يعرف هذا الصوت أكثر منا جميعًا…حبس مصطفى أنفاسه.
أما أنا، فلم أعد أنظر إلى الشاشة…
كنت أنظر إليه.
همست بصوت مكسور
مصطفى… لماذا ارتبكت؟
لم يجب.
ظل محدقًا في الأرض.
أعاد الشاب تشغيل المقطع من البداية، ورفع الصوت قليلًا.
عاد صوت بلال يضحك…
ثم ظهر رجل يحمل الكاميرا، لكن وجهه كان خارج الإطار.
وقال مرة أخرى
لا تخف يا بلال… والدك وافق على كل شيء.
وفجأة…
جاء صوت آخر.
صوت امرأة تصرخ من بعيد
أسرع… أحدهم قادم!
انقطع التسجيل فجأة، وامتلأت الشاشة بالتشويش.
ساد الصمت.
ثم قال الشاب
هناك أشرطة أخرى.
أخذ شريطًا ثانيًا ووضعه في الجهاز.
هذه المرة بدأت اللقطات داخل منزل قديم.
بلال كان يجلس على الأرض ويرسم.
لم يكن يبكي.
كان هادئًا بشكل غريب.
اقترب منه الرجل الذي يصور، وسأله
ارسم البيت الذي تتذكره.
بدأ الطفل يرسم بسرعة.
كنت أتابع الورقة بعينين دامعتين.
رسم بابًا…
ثم نافذة…
ثم شجرة ليمون كبيرة أمام المنزل.
شهقت.
ذلك كان منزلنا القديم.
لكن بعد ثوانٍ…
رسم شيئًا إضافيًا.
بابًا صغيرًا في الحديقة الخلفية.
تجمدت.
التفتُّ إلى مصطفى.
نحن لم يكن لدينا باب هناك.
لكن مصطفى لم ينظر إلى الرسمة.
كان يحدق في الأرض، وكأنه يحاول إخفاء شيء.
قال الشاب باستغراب
الغريب أن الرجل الذي رباني كان كلما رأى هذه الرسمة يمزقها ويجعلني أرسمها من جديد.
ثم فتح درجًا صغيرًا في الخزانة.
أخرج منه عشرات الرسومات الممزقة، وكلها للمنزل نفسه…
وفي كل مرة كان بلال يرسم ذلك الباب السري نفسه.
همست
هذا ليس خيال طفل…
وفي اللحظة نفسها…
سقط من بين الأوراق ظرف قديم مغلق.
كان عليه بخط واضح
يُفتح فقط إذا عادت الأم.
نظرنا جميعًا إلى الظرف.
لم يجرؤ أحد على لمسه.
ثم مدّ الشاب يده نحوه ببطء، وهو يقول
الرجل الذي رباني أقسم عليّ ألا أفتحه إلا إذا جاءت المرأة التي تظهر في أحلامي…
ووضع الظرف بين يدي.
شعرت بأن قلبي يكاد يخرج من صدري.
كسرت الختم القديم ببطء…
وبمجرد أن أخرجت أول ورقة من داخله…
اتسعت عيناي في ذهول.
لأن أول سطر فيها كان يقول
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أن مصطفى لم يعد يستطيع إخفاء الحقيقة…
وانقطع نفسي قبل أن أكمل السطر التالي…ارتعشت يداي حتى كادت الورقة تسقط من بين أصابعي.
رفعت عيني ببطء نحو مصطفى.
كان واقفًا مكانه، لكن ملامحه لم تعد كما عرفتها طوال خمسة عشر عامًا.
لم يقل كلمة.
لم يحاول أن يقترب.
فقط ظل ينظر إلى الرسالة وكأنه يعرف ما كُتب فيها قبل أن أقرأها.
ابتلعت ريقي، وأكملت القراءة بصوت مرتجف
إذا وصلت هذه الرسالة إلى الأم، فلا تصدقي أول ما يخطر في بالك. الحقيقة أعقد بكثير مما تتخيلين.
نظرت إلى الشاب، فوجدته يحدق في وجهي بقلق شديد، وكأنه يسمع هذه الكلمات للمرة الأولى.
تابعت القراءة
أنا لستُ الرجل الذي خطف بلال… لكنني كنت الرجل الذي أخفاه.
ساد صمت ثقيل.
شعرت بأن الغرفة أصبحت أضيق، وأن الهواء اختفى.
سأل الشاب بسرعة
من كتب الرسالة؟
قلبت الصفحة الأخيرة.
كان التوقيع مجرد حرف واحد…
س.
ليس اسمًا كاملًا.
ولا أي دليل آخر.
قال مصطفى فجأة
حرف السين…
ثم سكت فورًا، كأنه ندم على كلامه.
التفتُّ إليه بسرعة.
تعرفه؟
هز رأسه بعنف.
لا… فقط شعرت أنه مألوف.
لكن قبل أن أضغط عليه أكثر…
رن هاتف الشاب.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.
قال بصوت خافت
هذا مستحيل…
سألته
من المتصل؟
أدار الهاتف نحونا.
كان الرقم مجهولًا.
لكنه أجاب.
وما إن فتح الخط، حتى جاء صوت رجل مسن، متعب، لكنه واضح
إذا كانت أم بلال عندك الآن… فأخرجوا من المنزل فورًا.
تجمدنا جميعًا.
أكمل الرجل
ولا تفتحوا القبو… مهما وجدتم مفتاحه.
نظر الشاب إلينا بذهول.
ثم همس
لكن… لا يوجد قبو في هذا المنزل.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم ضحك الرجل في الطرف الآخر ضحكة قصيرة، وقال
إذا كنت تظن أنه لا يوجد… فهذا يعني أنكم لم تجدوا الباب بعد.
وفجأة…
انقطع الاتصال.
وفي اللحظة نفسها تمامًا…
سمعنا صوتًا مكتومًا…
طرقات…
ثلاث طرقات بطيئة…
قادمة من أسفل أرضية المخزن.
وكأن أحدًا…
أو شيئًا…
كان يحاول الخروج نظرنا إلى بعضنا في ذهول.
ثم تكرر الصوت.
طق… طق… طق…
لكن هذه المرة كان أوضح.
انحنى الشاب على الأرض، وأخذ يطرق بقبضته في المكان نفسه.
كان هناك فرق واضح في الصوت.
جزء من الأرضية كان مجوفًا.
قال بصوت مرتجف
أنا عشت هنا أكثر من عشرين سنة… ولم ألاحظ هذا أبدًا.
أمسك مصطفى بمصباح يدوي، وبدأ يمرره على ألواح الخشب القديمة.
وفجأة…
توقف.
كانت هناك حلقة حديدية صغيرة مخفية تحت سجادة بالية، مغطاة بطبقة سميكة من الغبار.
نظر إليّ، ثم أمسك بها.
قلت بسرعة
لا… الرجل في الهاتف قال لا تفتحوه.
لكن مصطفى لم يستمع.
شد الحلقة بكل قوته.
صدر صوت احتكاك ثقيل…
ثم ارتفع لوح خشبي كبير، ليكشف عن درج حجري ينزل إلى الأسفل.
خرجت منه رائحة رطوبة خانقة، وكأن المكان ظل مغلقًا لعقود.
أضاء الشاب المصباح، وبدأنا ننزل بحذر.
كل درجة كنا نخطوها كانت تزيد شعوري بأننا نقترب من الحقيقة… أو من كارثة.
وصلنا إلى غرفة صغيرة تحت الأرض.
لم تكن فارغة.
كان فيها سرير حديدي قديم.
وطاولة.
وخزانة.
وكأن أحدًا كان يعيش هنا.
لكن أكثر ما شد انتباهي…
كان الجدار.
امتلأ بخطوط طولية وتواريخ محفورة بآلة حادة.
مثلما يفعل السجناء لحساب الأيام.
اقتربت أكثر.
قرأت أول تاريخ.
كان بعد أسبوع من اختفاء بلال.
ثم تواريخ أخرى…
استمرت سنوات.
همست والدموع تملأ عيني
يا رب… هل كان محتجزًا هنا؟
وقبل أن يجيب أحد…
فتح الشاب باب الخزانة ببطء.
كانت بداخلها ملابس أطفال قديمة.
وحذاء صغير.
وحقيبة مدرسية زرقاء.
أخرجتها وأنا أرتجف.
فتحت السحاب…
فوجدت كراسة رسم.
على الصفحة الأولى كُتب بخط طفل
اسمي بلال مصطفى.
لم أتمالك نفسي، وانهرت باكية.
لكن مصطفى لم يكن ينظر إلى الكراسة.
كان يحدق في شيء آخر داخل الخزانة.
مد يده ببطء، وأخرج ملفًا بنيًا مغلقًا.
وعندما فتحه…
سقطت منه صورة واحدة.
التقطها الشاب أولًا.
ثم تغير وجهه تمامًا.
ناولني الصورة دون أن يتكلم.
نظرت إليها…
فشعرت بأن قلبي توقف.
كانت صورة قديمة التُقطت يوم اختفاء بلال.
ظهر فيها بلال واقفًا…
وبجواره رجل يمسك بيده.
كان وجه الرجل واضحًا هذه المرة.
لكن الصدمة…
أن الرجل لم يكن غريبًا.
ولم يكن مصطفى.
بل شخصًا كنت أراه كل أسبوع، وأثق به أكثر من أي إنسان…
شخصًا لم يخطر ببالي يومًا أنه قد يكون جزءًا من هذا اللغز تجمدت عيناي على الصورة.
شعرت أن أنفاسي تتقطع.
همست بصوت لا يكاد يُسمع
لا… مستحيل.
اقترب مصطفى مني بسرعة.
من هو؟
لم أستطع الإجابة.
كنت أحدق في الوجه وكأنني أراه لأول مرة، رغم أنني عرفته سنوات طويلة.
كان…
عماد.
الأخصائي الاجتماعي الذي كان يزورنا باستمرار بعد اختفاء بلال.
الرجل الذي كان يواسيني كلما انهرت.
والذي كان يقول لي دائمًا
لا تفقدي الأمل يا أخت منى… سنجده.
بل إنه هو من كان يطبع صور بلال ويوزعها بنفسه في الشوارع.
سقطت الصورة من يدي.
قلت وأنا أرتجف
كان يدخل بيتنا… ويشرب معنا الشاي… ويبكي أمامي.
أمسك الشاب الصورة، وحدق فيها طويلًا.
ثم قال فجأة
أنا أعرف هذا الرجل.
التفتنا إليه في لحظة واحدة.
كيف تعرفه؟
أجاب وهو يزداد شحوبًا
لم يكن اسمه عماد عندي.
حبسنا أنفاسنا.
كان يناديني دائمًا يا بني… وكان الجميع يعرفه باسم الحاج سامي.
ساد الصمت.
شعرت بأن كل خيط أمسكنا به قبل قليل بدأ يتشابك.
قال الشاب
هو الرجل الذي كان يزورنا مرة كل شهر.
وكان كلما جاء، يأخذ مني رسومات معينة… ويحرقها في المدفأة.
سألته بسرعة
أي رسومات؟
أجاب
كل الرسومات التي كنت أرسم فيها وجوهًا… أو أرسم بيتًا… أو أرسم امرأة تشبهك.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وفجأة…
رن جرس باب الشقة.
رنّة واحدة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
نظرنا جميعًا إلى الباب.
لم يكن أحد يتوقع أي زائر.
اقترب الشاب بحذر من العين السحرية.
نظر لثوانٍ…
ثم ابتعد فجأة، وقد اختفى اللون من وجهه.
همس بصوت مرتجف
إنه هو…
تسارعت نبضات قلبي.
من؟
قال وهو بالكاد ينطق
الرجل الموجود في الصورة…
ساد الصمت.
ثم جاء صوته من خلف الباب، هادئًا بشكل مخيف
أعرف أنكم في الداخل…
وتوقف لحظة.
ثم أكمل
وحان الوقت لتسمعوا الحقيقة… لكن افتحوا الباب أولًا تجمدنا جميعًا.
لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الباب.
عاد الصوت من الخارج، أكثر هدوءًا هذه المرة
يا منى… أعرف أنك في الداخل.
اتسعت عيناي.
لم أنطق باسمه، ولم يكن يعلم أننا سنأتي إلى هذا المنزل.
كيف عرف؟
نظر مصطفى إلى الشاب وهمس
لا تفتح.
لكن الرجل تابع
إذا لم تفتحوا خلال دقيقة… سأغادر، وستضيع الحقيقة إلى الأبد.
ساد صمت ثقيل.
ثم تقدم الشاب بخطوات بطيئة، ووضع يده على المقبض.
قلت بسرعة
انتظر…
لكنه كان قد فتح الباب بالفعل.
وقف الرجل أمامنا.
كان أكبر سنًا مما في الصورة، وشعره غزاه الشيب، لكن ملامحه لم تتغير.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال بصوت خافت
آسف… تأخرت خمسة عشر عامًا.
لم أتمالك نفسي.
اندفعت نحوه، وصفعته بكل قوتي.
ارتد رأسه إلى الجانب، لكنه لم يرفع يده ليدافع عن نفسه.
صرخت وأنا أبكي
أين كان ابني؟! لماذا فعلت بنا هذا؟!
أغمض عينيه للحظة، ثم قال
بلال لم يكن الضحية الوحيدة…
وقبل أن يكمل…
خرج صوت محرك سيارة يتوقف بعنف أمام العمارة.
تلاه صوت أبواب تُغلق بسرعة.
اقترب الرجل من النافذة، وألقى نظرة خاطفة إلى الشارع.
ثم تغير وجهه تمامًا.
قال بلهجة ملؤها الخوف
لقد وجدوني.
اقترب مصطفى من النافذة هو الآخر.
كانت هناك سيارة سوداء