اختفى ابني
التعليقات.
وامتلأت الشاشة بالرسائل.
الجميع يسأل، والجميع في حالة ذهول.
أما الشاب، فقد تبدلت ملامحه واختفى اللون من وجهه، وظل يحدق في تعليقي لثوانٍ طويلة..
ثم أغلق البث فجأة.
في لحظة واحدة تحولت الشاشة إلى السواد.
قفزت من سريري وذهبت أوقظ مصطفى وأنا أصرخ
استيقظ! استيقظ حالًا يا مصطفى!
نهض مذعورًا وظن أنني أعيش نوبة جديدة من الوهم، حتى أريته الرسم وصورة الشاب ولقطة الشاشة.
عندها ظهر الذهول على وجهه أيضًا واختفى الدم من ملامحه.
همس مصطفى وهو غير مصدّق
إذا كان هذا بلال.. إذا كان فعلًا ابننا..
فقاطعته قائلة
يجب أن نقابله.
لم يفكر أيٌّ منا مرتين، ولم يشك أحدنا في الأمر ولو للحظة.
أرسلت إليه رسالة خاصة وأصابعي ترتجف فوق لوحة المفاتيح
مرحبًا.. لقد رسمتني الليلة. أشعر أننا نعرف بعضنا جيدًا.. هل يمكن أن نتقابل؟
ثم جلست أنتظر.
أنتظر وكأنني فوق الجمر.
لم أنم دقيقة واحدة تلك الليلة.
وكلما أضاء الهاتف أو أصدر صوتًا، شعرت أن قلبي سيقفز من صدري.
وأخيرًا، قبل الفجر بقليل، وصل الرد.
ثلاث كلمات فقط
هذا هو العنوان..
كان العنوان في محافظة بعيدة جدًا، تحتاج إلى ساعات طويلة من السفر.
وفي الصباح الباكر، حجزنا وانطلقنا في الرحلة، وكانت الرحلة كلها تبدو غير حقيقية، وكأننا نعيش حلمًا.
كنت أنظر من نافذة القطار، فيما كانت ذكرياتي مع بلال تمر أمام عينيّ واحدة تلو الأخرى..
ضحكته.
ونمش وجهه.
وشقاوته.
وركضه في أرجاء المنزل.
وكنت أسأل نفسي السؤال المستحيل
ماذا لو كان هو فعلًا؟
وبعد ساعات طويلة، وصلنا أخيرًا إلى المنزل.
لم أستطع الانتظار ولو ثانية واحدة.
وقبل أن يوقف مصطفى السيارة جيدًا، فتحت الباب وخرجت مسرعة.
صعدت الدرج ووقفت أمام باب الشقة، وقلبي يخفق بقوة حتى شعرت بألم في صدري.
ضغطت جرس الباب.
فُتح الباب.
وكان يقف أمامي الشاب نفسه الذي رأيته في البث المباشر.
كان ينظر إلى وجهي ويتأملني..
بنفس العينين البنيتين اللتين كنت أقبلهما كل ليلة قبل أن ينام وهو صغير.
في تلك اللحظة، توقف العالم كله من حولي، ولم أعد أسمع شيئًا.
لكنني لم أستطع حتى أن أضمه إلى صدري…
لأن عيني وقعتا على تفصيلة خلفه في الصالة جعلتني أتجمد في مكاني تمامًا وأفقد القدرة على الحركة…
صلِّ على الحبيب ﷺ
تجمدت قدماي في مكانهما.
لم يكن السبب هو الشاب… بل ما رأيته خلفه.
على الحائط المقابل للباب، كانت هناك عشرات الإطارات المعلقة بعناية.
كلها رسومات.
وجوه لأشخاص.
نساء… رجال… أطفال.
لكن إطارًا واحدًا فقط هو الذي خطف أنفاسي.
كانت صورة لبلال…
بلال كما كان في العاشرة من عمره، مرتديًا نفس القميص الأزرق الذي اختفى به منذ خمسة عشر عامًا.
حتى الخدش الصغير فوق حاجبه الأيسر كان مرسومًا بدقة لا يمكن أن يعرفها إلا من رآه في ذلك اليوم.
شهقت وأنا أضع يدي على فمي.
التفت الشاب بسرعة إلى الخلف، ثم عاد ينظر إليّ وقد بدا عليه الارتباك.
قال بصوت خافت
عرفت… أنك ستلاحظينها.
تقدم مصطفى خطوة إلى الداخل، لكنه توقف هو الآخر عندما رأى الرسمة.
تغير لون وجهه فجأة.
أما أنا فلم أتمالك نفسي.
قلت وأنا أشير إلى اللوحة
من أين جئت بهذه الصورة؟!
ساد الصمت.
ثوانٍ طويلة.
ثم أجاب الشاب بهدوء غريب
أنا الذي رسمتها… لكنني لم أر هذا الطفل في حياتي.
ارتجفت يداي.
كيف لم تره؟! هذه نسخة من ابني… لا يمكن لأي شخص أن يرسم هذه التفاصيل من خياله.
خفض رأسه، ثم قال
منذ طفولتي… تأتيني أحلام متكررة.
ابتلع ريقه بصعوبة وأكمل
كل حلم يبدأ بالطريقة نفسها… طفل يبكي داخل غرفة مظلمة… ورجل يصرخ… وامرأة تنادي اسم بلال.
تجمد الدم في عروقي.
نظر مصطفى إليه بحدة وسأله
من أخبرك باسم بلال؟
رفع الشاب رأسه ببطء، وقد بدا الذهول على وجهه.
بلال؟… هل هذا اسمه فعلًا؟
ثم أضاف بصوت مرتعش
لأن هذا هو الاسم الذي أسمعه في الحلم كل ليلة.
شعرت بدوار شديد، واضطررت للإمساك بحافة الباب حتى لا أسقط.
لكن قبل أن أطرح سؤالًا آخر…
لفت انتباهي شيء فوق رف خشبي في زاوية الصالة.
صندوق معدني قديم…
باهت اللون.
وعليه ملصق نصف ممزق.
عرفته في اللحظة نفسها.
كان صندوق الغداء الذي اشتريناه لبلال قبل اختفائه بأسبوع…
حتى الملصق الصغير الذي يحمل حرف ب بخط يدي كان لا يزال في مكانه.
تقدمت نحوه وأنا أرتجف، بينما صاح الشاب بسرعة
لا تفتحيه!
لكنني كنت قد وضعت يدي بالفعل على الغطاء…
وما إن بدأ الغطاء يرتفع ببطء…
حتى ظهر شيء في الداخل جعل عينيّ تتسعان من الرعب…
وتراجعت خطوة إلى الخلف دون أن أنطق بكلمة…ارتطم ظهري بالحائط من شدة الصدمة.
لم أستطع أن أصرخ…
ولم أستطع أن أشيح بنظري.
داخل الصندوق كانت توجد عشرات القصاصات الورقية، مربوطة بخيط أحمر قديم، وفوقها سيارة لعبة صغيرة مكسور أحد إطاراتها.
شهقت بقوة.
يا إلهي… هذه سيارة بلال!
كانت لعبته المفضلة، وكنت قد اشتريتها له في عيد ميلاده العاشر.
لكن الشيء الذي جعل قلبي يتوقف لم يكن السيارة…
بل الورقة الموضوعة تحتها.
كانت مطوية بعناية، وقد اصفرّ لونها من الزمن.
فتحتها بأصابع مرتجفة.
كان الخط مألوفًا جدًا…
خط طفل.
بدأت أقرأ بصوت بالكاد يُسمع
لو ماما لقت الورقة دي… متزعليش مني… أنا كنت رايح مع الراجل اللي قال إنه يعرف بابا…
توقفت الكلمات في حلقي.
شعرت بأن الأرض تميد بي.
التفتُّ إلى مصطفى ببطء.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه معلقتين بالرسالة.
همس بصوت مبحوح
مستحيل…
رفعت الورقة أمامه.
بلال كتب اسمك… قال إنه راح مع رجل قال إنه يعرف أباه.
نظر الشاب بيننا في حيرة.
ثم قال
هذه الرسالة كانت داخل الصندوق منذ أول يوم أتذكره… لم أجرؤ يومًا على رميها، لكنني لم أفهم معناها.
اقتربت منه بسرعة.
من الذي أعطاك هذا الصندوق؟
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال
الرجل الذي رباني…
سأل مصطفى بلهفة
وأين هو الآن؟
أجاب الشاب وهو يشيح ببصره
مات منذ ثلاث سنوات…
ساد الصمت.
لكن الشاب أكمل فجأة
قبل موته بيومين، سلمني مفتاحًا نحاسيًا، وقال لي إذا ظهرت لك المرأة التي تراها في أحلامك… افتح المخزن.
عقدت حاجبي.
أي مخزن؟
أشار إلى باب خشبي صغير في نهاية الممر.
كان بابًا قديمًا، عليه قفل صدئ لم يُفتح منذ سنوات.
أخرج الشاب المفتاح من سلسلة كانت حول عنقه طوال الوقت.
ارتجفت يده وهو يضعه في القفل.
صدر صوت احتكاك معدني ثقيل…
ثم انفتح الباب ببطء.
وانبعثت منه رائحة رطوبة قديمة.
أضاء الشاب المصباح…
وفي اللحظة التي دخل فيها الضوء إلى الداخل…
شهقت أنا ومصطفى في وقت واحد.
لأن أول شيء رأيناه على الجدار…
كان عشرات الصور المعلقة لبلال…
من عمر عشر سنوات…
حتى عمر الخامسة عشرة…
وكأن أحدًا كان يراقبه ويصور كل لحظة من حياته…
رغم أننا كنا نظن أنه اختفى منذ اليوم الأول!شعرت بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
تقدمت نحو الصور ببطء، وأنا أمرر أصابعي المرتجفة فوق إحداها.
كانت مؤرخة.
الأولى بعد اختفاء بلال بثلاثة أيام.
الثانية بعد أسبوع.
ثم بعد شهر…
ثم بعد عام.
كل صورة تحمل تاريخًا ومكانًا مختلفًا.
لكن الشيء المرعب…
أن بلال كان يكبر في الصور، بينما ملامحه كانت مليئة بالخوف، وكأنه ينظر دائمًا إلى الشخص الذي يلتقط الصورة مجبرًا.
همست وأنا أكاد أبكي
كان حيًا… طوال هذه السنوات كان حيًا…
رفع مصطفى إحدى الصور فجأة، ثم تصلبت ملامحه.
قال بصوت مرتعش
منى… انظري هنا.
اقتربت منه.
في زاوية الصورة، خلف بلال مباشرة…
ظهر جزء من ذراع رجل.
لم يظهر وجهه.
لكن ما ظهر كان كافيًا ليصيبنا بالذهول.
كانت في معصمه ساعة فضية قديمة.
ساعة أعرفها جيدًا.
بل أعرفها أكثر من أي شيء آخر.
نظرت
لمحة نيوز