روايه لؤلؤه الدنجوان الحلقه التاسعه بقلم الكاتبه نور محمد

“على فين يا هشام؟” سألت بفضول طفولي وهي تمسك بيده بقوة.

“ماتسأليش.. سيبي نفسك ليا النهارده وبس، زي ما سلمتيلي قلبك.” قالها وهو يغمز لها بجاذبية قاتلة جعلت الدماء تتورد في وجنتيها.

انطلقت السيارات في موكب مهيب نحو أطراف القاهرة الراقية، وتوقفت أمام مبنى طبي ضخم وفائق التطور، يحيط به حديقة شاسعة وأشجار نخيل عالية. لفت نظر لؤلؤ لافتة رخامية ضخمة أعلى المبنى، مغطاة بستار مخملي أحمر.

نزل هشام من السيارة، وأمسك بيد لؤلؤ المرتجفة قليلاً، واقترب من اللافتة. وبحركة مسرحية تحمل الكثير من الفخر، جذب الحبل ليسقط الستار، وتظهر الكلمات محفورة بماء الذهب الخالص:

**”مستشفى (فاطمة الزهراء) التخصصي لعلاج أمراض القلب بالمجان – صدقة جارية وإهداء من لؤلؤ وهشام الشافعي”**

تسمرت لؤلؤ في مكانها وكأن صاعقة ضربتها. “فاطمة الزهراء”… هو اسم والدتها الراحلة.

شعرت بغصة حادة في حلقها، وانهمرت الدموع من عينيها كالسيل الجارف، لكنها لم تكن دموع قهر أو حزن هذه المرة، بل كانت دموع امتنان أسطوري، وحب فاق كل حدود التخيل لرجل لم يتوقع قلبها الصغير أن يحمل كل هذه الرحمة.

“هشام… إنت… إنت عملت كده؟” لم تستطع إكمال الكلمة من شدة التأثر، وصوتها يتقطع بالبكاء.

احتضنها هشام من الخلف، ولف ذراعيه القويتين حولها، ووضع ذقنه على كتفها وهمس بصوت دافئ يقطر صدقاً: “ده حق أمك عليا يا لؤلؤ. هي سابتلي أغلى أمانة في الوجود، وكان لازم أخلد اسمها في المكان اللي هي كانت محتاجة زيه وملاقتهوش بسبب قسوة البشر. المستشفى ده هيشيل وجع ناس كتير أوي غلابة، ودعواتهم هتوصل لروحها في الجنة وتخليها مرتاحة وفرحانة وهي شايفة بنتها ملكة متوجة.”

التفتت لؤلؤ إليه، وارتمت في أحضانه تبكي بقوة وعاطفة جياشة، تمسكت بقميصه وكأنها تحاول استمداد الحياة من أنفاسه. “أنا بحبك أوي يا هشام.. بحبك أكتر من روحي. إنت عوض ربنا ليا عن كل حاجة وحشة شفتها.”

هزت هذه الكلمات كيان هشام بأكمله. هو الذي استمع لكلمة “أحبك” من مئات الجميلات في ماضيه، لكنها كانت دائماً جوفاء، مزيفة، تطمع في ماله أو نفوذه. أما من شفتي لؤلؤ، فقد اخترقت الكلمة جدار قلبه الأسمنتي واستقرت في أعمق نقطة في روحه. رفع وجهها ومسح دموعها بإبهامه بحنان بالغ: “وأنا بعشقك يا لؤلؤة قلبي.. بعشق كل تفصيلة فيكي، وبعاهدك قدام ربنا إن مفيش دمعة حزن هتنزل من عينيكي طول ما فيا نفس.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *