روايه لؤلؤه الدنجوان الحلقه التاسعه بقلم الكاتبه نور محمد

ابتلع عادل ريقه بصعوبة بالغة، ونظر إلى الصندوق في يده بخوف. “هشام.. أنا أسف جداً.. بس إنت اللي أمرتني إمبارح بالليل إني أروح بيت الست فاطمة القديم في الحارة، ألم كل متعلقاتها الشخصية وأقفل البيت، عشان تجيبهم للؤلؤ كمفاجأة تانية وتحتفظ بريحة أمها.”
“أيوه حصل، في إيه بقى؟ لقيت إيه يخليك مرعوب كده؟” سأل هشام بحدة.
“الرجالة وهما بيشيلوا الدولاب القديم، لقوا لوح خشب مكسور في الأرضية.. وتحته الصندوق ده.” وضع عادل الصندوق على الطاولة وفتحه بيدين ترتجفان. “أنا فتحته عشان أتأكد لو فيه فلوس أو دهب يخصوا لؤلؤ.. بس لقيت فيه كارثة يا هشام.. كارثة هتقلب الدنيا فوق دماغنا كلنا.”
تجاهل هشام خوف عادل، وسحب ورقة قديمة ومتهالكة من الصندوق، ومعها مذكرات صغيرة بخط اليد. بدأ هشام يقرأ مذكرات فاطمة، ومع كل سطر، كانت ملامحه تتغير من الغضب إلى الصدمة، ثم إلى رعب حقيقي.
كانت فاطمة تكتب اعترافاً قبل موتها بسنوات:
*”أنا مخلفتش.. لؤلؤ مش بنتي من صلبي. من ٢٢ سنة، أنا كنت بشتغل خادمة في قصر عيلة ‘المنشاوي’. وفي ليلة الدم والمجزرة اللي حصلت بين عيلة الشافعي وعيلة المنشاوي، أنا لقيت الطفلة دي هتتق/تل في وسط الرصاص.. هربت بيها وخبيتها، وكتبتها باسمي عشان أحميها من نار التار اللي مابيرحمش. لؤلؤ تبقى البنت الضايعة لكبير عيلة المنشاوي.”*
وفي قاع الصندوق، كانت هناك شهادة ميلاد أصلية قديمة، وسلسلة ذهبية تحمل شعار عائلة المنشاوي العريق.
تجمد الدم في عروق هشام. الأوراق تسقط من يده ببطء.
لؤلؤ… حب عمره، ونقطة ضعفه، والزوجة التي نامت بين أحضانه البارحة.. ليست ابنة خادمة فقيرة! إنها ابنة عائلة “المنشاوي”… أكبر وأشرس منافسيه، وألد أعداء عائلة “الشافعي”. العائلة التي بينه وبينهم “ثأر دماء” قديم وحرب لا تنتهي أكلت الأخضر واليابس.
“يعني… يعني مراتي تبقى بنت عدوي اللي دمه مباح ليا؟” همس هشام بصوت مرعب وهو ينظر للفراغ.
وفي تلك اللحظة القاتلة، ومن خلف باب غرفة النوم الموارب، سقطت صينية الإفطار من يدي لؤلؤ لتتحطم على الأرضية الرخامية بصوت مدوي، تماماً كما تحطم عالمها وحبها في ثانية واحدة.
كانت تقف شاحبة كالأموات، ترتجف بعنف، وقد سمعت كل كلمة! هل يعقل أن ملاذها الآمن هو في الحقيقة غريم عائلتها الحقيقية التي لا تعرفها؟ وكيف سيواجه عشق هشام الشافعي هذا المصير الأسود الذي يجمع بين نار الحب.. وثأر الدماء؟