حكايه اسر وحور الجزء الاول للكاتبه سهر محمد

​قاطع لحظتهم صوت “فاطمة” من الخارج يطرق باب الغرفة بخفة: “يا ولاد.. الأكل برد، أنتوا بتعملوا إيه كل ده؟”

​انتفضت حور، فمسح آسر على وجهه بسرعة ليستعيد قناع الجمود والقوة.

آسر بصوت هادئ: “اغسلي وشك واخرجي كأن مفيش حاجة حصلت. أمي متعرفش حاجة، ولو عرفت قلبها مش هيستحمل. السر ده يندفن هنا، فاهمة؟”

أومأت حور برأسها طاعةً، وخرجت بخطوات ثقيلة.

​على مائدة الطعام، كان الجو مشحوناً بتوتر غير مرئي. “فاطمة” كانت تضع الطعام بحب، وتتحدث عن تفاصيل يومها البسيطة، بينما كانت حور تعبث بطبقها دون أن تتذوق شيئاً. عيناها كانت تسرق النظرات نحو آسر، الذي كان يجلس بهيبته المعتادة، لكنها الآن ترى ما خلف هذه الهيبة.. ترى رجلاً يحمل كفنه على يده ليحميها.

​فاطمة بابتسامة: “كل يا آسر يا حبيبي، ده أنا عاملك الأكل اللي بتحبه.”

آسر وهو يبتسم ابتسامة باهتة: “تسلم إيدك يا ست الكل، شبعت الحمد لله.” قام من على المائدة، ووجه حديثه لحور بنبرة ذات مغزى: “حور.. متسهريش كتير، ونامي كويس. أنا هقفل على نفسي في المكتب أخلص شوية شغل ومحدش يزعجني.”

​دخل آسر مكتبه وأغلق الباب بالمفتاح. رمى نفسه على الكرسي الجلدي بتعب، وسحب ملفاً أسود ضخماً من الدرج. كان هذا هو “ملف القضية”.. قضية الفساد الكبرى التي اغتيل بسببها عمها (والد حور)، والتي يملك آسر الآن أدلتها القاطعة. سحب هاتفه واتصل برقم خاص.

آسر بنبرة جليدية ووعيد مرعب: “جهّز الرجالة.. وخليهم يطوقوا العمارة من تحت من غير ما حد يحس. لو نملة غريبة قربت من البيت، تترش بالرصاص فوراً.. الكلب اللي بعت الرسالة دي حسسني إن حور في خطر، وأنا هخليه يتمنى الموت وميطولوش.”

​في تلك الأثناء، كانت حور في غرفتها. أطفأت النور واستلقت على سريرها، لكن النوم كان يرفض أن يزور جفنيها. صوت الرياح بالخارج كان يزيد من وحشة الليل. كلما أغمضت عينيها، تذكرت كلمات الرسالة: “هنخطفها من وسط بيتك”.

​الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل. السكون يلف الشقة تماماً.. حتى صوت أوراق آسر في المكتب المجاورة انقطع.

وفجأة… انقطع التيار الكهربائي عن الشقة بالكامل.

​انتفضت حور في سريرها. الظلام كان دامساً. حاولت أن تقنع نفسها أن انقطاع الكهرباء أمر عادي، لكن قلبها كان يدق كطبول الحرب. ابتلعت ريقها وجلست على حافة السرير تبحث عن هاتفها لتضيء الكشاف، لكن يدها اصطدمت بكوب الماء فسقط وتحطم على الأرض بصوت مدوٍ في سكون الليل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *