حكايه اسر وحور الجزء الاول للكاتبه سهر محمد

​حور بصوت يرتجف، بالكاد يخرج من حنجرتها: “آسر… إيه… إيه الرسالة دي؟ قضية إيه؟ ومين دول اللي عايزين يخطفوني؟”

​لم يُجب آسر فوراً. اقترب حتى أصبح على بُعد إنشات منها. مد يده القوية، وبحركة سريعة وحاسمة سحب الهاتف من يدها المرتعشة. ألقى نظرة سريعة على الشاشة، فتبدلت ملامحه الغاضبة إلى شيء آخر تماماً.. شيء يشبه الذعر المكتوم، الألم، والعجز.

​ألقى الهاتف بقوة على السرير، وفي حركة مباغتة، جذب حور من خصرها واحتضنها بقوة وكأنه يخبئها من العالم بأسره. دفن وجهه في عنقها، وتنهد بتنهيدة طويلة، مهتزة، وكأن جبلاً من الهموم يكسر ظهره.

​آسر بصوت مخنوق ومبحوح، يتناقض تماماً مع قسوته المعتادة: “ليه دورتي في تليفوني يا حور؟ ليه شيلتي نفسك هم أنا بحاول أدفنه بعيد عنك؟”

​حور حاولت دفعه بخفة، لكن حضنه كان كطوق حديدي. بكت بانهيار وهي تضرب على صدره بضعف: “عشان أفهم! عشان أعرف أنا ليه عايشة في سجن! كنت فكراك بتتحكم فيا، كنت فكراك مريض بحب التملك.. بس الحقيقة إنك مخبي مصيبة! أبويا… أبويا مات بسبب القضية دي، صح؟ قولي الحقيقة يا آسر أرجوك!”

​رفع آسر رأسه، وأمسك وجهها بين كفيه الكبيرتين. كانت عيناه تلمعان بدموع يرفض إسقاطها.

آسر بصرامة ممزوجة بحنان قاتل: “أبوكي مات وهو بيحمي الحق، وأنا وعدته إني هكمل طريقه، والأهم إني وعدته إني هحميكي بروحي. الناس دي مافيا، حيتان مبترحمش.. لو عرفوا نقطة ضعفي هيستغلوها. وأنتي… أنتي مش بس نقطة ضعفي يا حور..”

​توقفت الكلمات في حلقه، فمرر إبهامه ليمسح دموعها الساخنة.

آسر بهمس أقرب للرجاء: “أنتي روحي اللي ماشية على الأرض. فهمتي ليه منعتك من الشغل؟ فهمتي ليه لما شوفتك في الشارع النهارده الدم غلي في عروقي وكنت هموت من الرعب عليكي؟ أنا مش سجانك يا حور.. أنا حارسك، حتى لو كرهتيني، المهم إنك تعيشي.”

​انهارت حصون حور تماماً. كل الغضب، كل التمرد الذي كان بداخلها ذاب في حرارة كلماته وصدق خوفه. لأول مرة ترى آسر الجبار، المحامي الذي ترتعد منه المحاكم، ضعيفاً هكذا، وضعفه كان بسببها. لفت ذراعيها حول خصره واختبأت في صدره وهي تبكي بصمت، بينما هو يمسح على شعرها بحنان بالغ وكأنه يهدئ طفلة مذعورة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *