قبل ولادتي ندي الجميل
بص لبنتنا.
— وكنت خايف أقولك إني مش قادر.
مسكت إيده.
— وأنا كنت خايفة أقولك إني خايفة.
بصلي.
— من إيه؟
— من إني أولد من غير أمي.
سكت.
— كنت كل ما أشوف واحدة أمها جنبها في المستشفى، أتخيل أمي.
دموعي نزلت.
— كنت نفسي حد يقولي ألبس إيه، أجهز إيه، أعمل إيه بعد الولادة.
محمود قرب مني.
— وأنا كنت فاكر إنك محتاجة فلوس.
هزيت رأسي.
— كنت محتاجة حضن.
سكت.
وبعدين باس إيدي.
— أنا آسف.
ابتسمت.
— خلاص.
لكن في اللحظة دي دخلت الممرضة وقالت:
— يا مدام سلمى، في ست كبيرة تحت بتسأل عنك.
— مين؟
— بتقول إنها قريبتك.
بصيت لمحمود.
— يمكن حماتي.
الممرضة هزت رأسها.
— لأ، مش والدته.
استغربنا.
— مين يعني؟
قالت:
— بتقول اسمها الحاجة فاطمة.
قلبي دق بسرعة.
الحاجة فاطمة؟
جارتنا القديمة؟
قلت:
— دخليها.
بعد دقائق دخلت ست كبيرة في السن، ماسكة شنطة قماش قديمة.
أول ما شافتني، دموعها نزلت.
— يا بنتي…
بصيت لها.
— حضرتك؟
قربت مني.
— أنا فاطمة. كنت ساكنة جنب أمك وأبوك زمان.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
— ماما؟
هزت رأسها.
— كنت أعرفهم كويس.
قعدت جنب السرير.
وبعدين طلعت من الشنطة ظرف قديم.
— أمك سايباه عندي من سنين.
اتجمدت.
— عندك؟
— أيوه.
مدتهولي.
— قالتلي: “لو حصل لي حاجة، ما تديهولهاش غير يوم ما تبقى أم.”
بصيت للظرف.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
كان جواه جواب بخط أمي.
أول سطر خلاني أنهار:
“بنتي سلمى…”
ماقدرتش أكمل.
محمود قرب مني.
— أقرأه أنا؟
هزيت رأسي.
بدأ يقرأ:
“بنتي سلمى، لو إنتِ بتقري جوابي ده، يبقى ربنا رزقك باللي كنتِ نفسك فيه.
عايزة أقولك حاجة واحدة…
متفتكريش إن فقدان أبوكي وأمك معناه إنك بقيتي لوحدك.
إحنا ممكن نموت، لكن اللي زرعناه في قلوب الناس بيفضل.
خلي بالك من أخواتك، وخلي بالك من بيتك، والأهم… ما تخليش الخوف يخليكي تظلمي حد.
لو في يوم حسيتِ إن الدنيا قفلت، افتكري إن الرزق مش دايمًا بييجي في شكل فلوس.
ممكن ييجي في أخت.
ممكن ييجي في جوز بيحبك.
وممكن ييجي في ست كبيرة تقول كلمة غلط، لكن جواها قلب خايف عليك.
سامحي يا بنتي…
بس ما تسمحيش لحد يهينك.
كوني طيبة، لكن خلي عندك حدود.
وخلي بنتك تعرف إن أمها اتعلمت تكون قوية من غير ما تبقى قاسية.”
محمود وقف عن القراءة.
وأنا كنت بعيط بصمت.
الحاجة فاطمة قالت:
— أمك كانت عارفة إنها مش هتعيش لحد ما تشوفك أم.
بصيت لها.
— كانت عارفة؟
هزت رأسها.
— وكانت بتجهز حاجاتك من بدري.
فتحت الشنطة.
طلع منها بطانية صغيرة.