زفوا اختي بفستاني حكايات محمد انور

 

حيث كنت أقف وحدي في الظل.

 

تلاقت عيناي بعينيه.

 

توقفت أنفاسي.

 

ثم بدأ كاسر الورداني يسير نحوي، بينما أخذت الهمسات تنتشر في القاعة من حولي.

 

لم أكن أعرف لماذا جاء إليّ.

 

لكنني كنت أعرف أن ما سيقوله أمام الجميع سيقلب هذا الزفاف… وحياتي كلها… رأساً على عقب.

 

فماذا كان يعرف كاسر عني طوال تلك الأسابيع؟ ولماذا أصرّ على أن تكون العروس التي اختارها أنا تحديداً؟

 

كانت خطواته الثابتة تبتلع المسافة بيننا، ومع كل خطوة كان يخطوها، كانت همسات الحاضرين ترتفع كدويّ النحل، وعيون مئتي شخص تلتفت نحوي لتخترق عزلتي.

لم أتحرك. لم أرمش. كنت مثبتة في مكاني كتمثال من الجليد، بينما قلبي يقرع في صدري بعنف كاد أن يكسر ضلوعي.

​توقف كاسر الورداني أمامي مباشرة.

كان أطول مما تخيلت، هالة من الهيبة والقوة تحيط به، وعيناه الداكنتان تحملان حدة صقر لا يخطئ فريسته. خفض بصره إلى يدي المرتجفة التي تقبض على الوردة الذابلة، حيث كانت الأشواك قد غاصت في لحمي، وقطرة صغيرة من الدماء تلوّن راحة يدي.

​مدّ يده ببطء… وبمنتهى الهدوء، أمسك بالوردة وسحبها من بين أصابعي.

ألقى بها على الأرض، ثم أخرج من جيب سترته الداخلية منديلاً حريرياً أسود، ولفه حول جرحي الصغير وهو ينظر مباشرة في عيني، وقال بصوت عميق ومسموع بوضوح في وسط الصمت المميت الذي خيّم على القاعة:

— “لا ينبغي لعقلٍ بوزن الذهب… أن يُهدر دماءه من أجل أشواك لا قيمة لها.”

​شهقة خافتة صدرت مني، وتراجعت خطوة للخلف من فرط الارتباك.

— “أنت…” تلعثمت، ولم أستطع إكمال الكلمة.

كيف عرفني؟ كيف ميزني بين كل هؤلاء الناس وأنا أقف في العتمة؟

​قبل أن يجيبني، كان أبي قد قطع القاعة ركضاً، يتصبب عرقاً، ووجهه يميل إلى الزرقة من شدة الحرج والتوتر.

— “كاسر بيه! ما هذا الذي تفعله؟” صرخ أبي بصوت حاول أن يجعله عتاباً ودياً لكنه خرج مرتجفاً. “هذه إيثار، ابنتي الكبرى، هي مساعدة لي في الحسابات، لكنها… أقصد… العروس على المنصة في انتظارك! ديما هي من تم الاتفاق عليها لتناسب مقامكم العالي!”

​التفت كاسر إلى أبي ببطء، ونظرة عينيه كانت كفيلة بتجميد الدم في عروق أي رجل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *