زفوا اختي بفستاني حكايات محمد انور

​نظرت إليه.

تذكرت الليالي التي قضيتها أسهر على الدفاتر بينما كان يأخذ ديما وأمي لعشاء فاخر بحجة “ألا أرهق نفسي أكثر من اللازم”.

تذكرت يوم أخبرتني أمي ببرود أن ديما ستتزوج الرجل الذي كُتب العقد باسمي، بحجة “الملاءمة الاجتماعية”.

تذكرت دموعي وأنا أرى فستاني يُسحب من خزانتي لكي يُعدل على مقاس أختي.

​أخذت نفساً عميقاً. رفعت رأسي عالياً، وسحبت يدي بهدوء من بقايا الوردة التي سقطت.

تقدمت بخطوات ثابتة نحو الطاولة التي عليها العقد.

نظر كاسر إليّ بترقب، وأخرج من جيبه قلماً فضياً باهظ الثمن وقدمه لي.

​أمسكت القلم. ونظرت إلى أبي.

— “عائلتي؟” قلتها بصوت هادئ لكنه كان يجلد كالسوط. “العائلة لا تسرق تعب ابنتها لتتوج به أخرى. العائلة لا تخجل من ابنتها لأنها لا تشبه عارضات الأزياء. أنتم لم تروا فيّ يوماً ابنة… رأيتموني مجرد ‘موظفة’ بلا راتب، وبلا حقوق. واليوم… الموظفة قررت أن تستحوذ على الشركة.”

​وقّعتُ على العقد بخطٍ ثابت وعريض.

بمجرد أن رفعت القلم، أشار كاسر لمحاميه الذي سحب الورقة فوراً.

صرخت أمي بانهيار: “يا جحدة! يا قاسية القلب! هكذا تفعلين بأهلك من أجل رجل غريب؟”

التفتتُ إليها، وقلت بابتسامة خفيفة، الابتسامة التي طالما حُرمت منها:

— “هذا الغريب يا أمي… رأى قيمتي التي عميتِ أنتِ عنها طوال ستة وعشرين عاماً. وإذا كان ثمن استعادة كرامتي هو جحودي في نظركم… فأنا فخورة بهذا الجحود.”

​لم ينتظر كاسر أكثر من ذلك.

تقدم خطوة نحوي، وأمام أنظار المئات، ومدّ يده اليمنى لي. لم تكن يد شفقة، بل كانت يد رجل يعرض الشراكة الكاملة. رجل يعترف بملكتِه أمام العالم أجمع.

— “هل نغادر، يا سيدة ورداني؟ المأذون الحقيقي ينتظرنا في قصري… حيث يقام زفاف يليق بكِ وحدكِ، وبفستان لم تمسه يد سارقة.”

​نظرت إلى يده الممدودة. نظرت إلى عائلتي المنهارة التي لطالما كسرتني.

ثم وضعت يدي في يده.

​كانت كفه دافئة وقوية. التفتنا معاً، ومشينا في ممر القاعة العكسي.

لم أكن أرتدي فستان زفاف أبيض، كنت أرتدي فستاناً بسيطاً داكن اللون، ويدي اليمنى ملفوفة بمنديل أسود يحمل نقطة دماء. لكنني لم أشعر يوماً في حياتي بأنني عروس، وبأنني أنثى طاغية الحضور، وبأنني ملكة متوجة… كما شعرت في تلك اللحظة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *