ابويا حكايات ميرا

أبويا كان بيحاول يحميني بطريقته، لكن ليه اختار إنه يوجعني بدل ما يثق فيّا ويحكيلي؟
وليه خلاني أعيش كل السنين دي وأنا فاكر إن مفيش حد في الدنيا مهتم بيا؟
تاني يوم الصبح، رحت بيت عمي.
أول ما فتح الباب وشافني، لاحظت إن شعره زاد فيه الشيب، وإن ملامحه بقت أكبر بكتير من آخر مرة شفته فيها.
دخلني الصالة، وقعد قصادي، لكنه ما بصليش في عيني.
حط قدامي ملفًا بنيًّا، وقال
قبل ما أتكلم عن الفلوس، لازم تعرف إن أمك كانت بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
رديت بعصبية
أنا عارف إن أمي كانت بتحبني. السؤال هو إنت عملت إيه بفلوسها؟
غمّض عينيه للحظة، وبعدها قال
أنا أخدت الفلوس فعلًا. كنت غرقان في الديون، وخاېف أخسر بيتي وشغلي، وكنت فاكر إني هقدر أرجّع المبلغ في شهور قليلة. لكن الأمور خرجت عن سيطرتي، وكل ما كنت بقرب أسدّد، كانت تظهر مشكلة جديدة.
وبدل ما تعترف، سبت أبويا يدور على فلوس مراته بعد ما ماټت؟!
نزل راسه وقال
أيوه. وده أكبر ذنب عملته في حياتي.
سكت لحظات، وبعدين فتح الملف.
كان جواه صور من مستندات بنكية، وإيصالات قديمة، وصورة من عقد ملكية البيت.
وأشار إلى بند في العقد وقال
أمك كانت شريكة في ملكية البيت. والجزء اللي كان باسمها كان من حقك بعد ۏفاتها، وفقًا للمستندات دي.
بصيت للورق وأنا بحاول أفهم.
طب إزاي أبويا ما قاليش إن ليا نصيب في البيت؟
رد عمي
لأنه كان بيحاول يتأكد إن حقك محفوظ قانونيًا، وفي نفس الوقت كان خاېف إنك تدخل في صراع معايا وإنت لسه صغير.
وإنت كنت عارف إن البيت مش ملك أبويا لوحده؟
هز راسه ببطء.
أيوه.
حسّيت إن الډم بيغلي في عروقي.
يعني إنت ما اكتفيتش بفلوس أمي، ده إنت كنت عارف إن ليا حق في البيت كمان!
رفع إيده بسرعة وقال
استنى، خليني أكمّل. أنا ما أخدتش نصيبك في البيت، لكني أخفيت عن أبوك ورقة كانت هتساعده يثبت حقك من بدري. كنت جبان، وخفت أتحاسب على اللي عملته.
بصيتله باحتقار وقلت
وإيه اللي خلاك ترجع الفلوس قبل ۏفاة أبويا بأسبوع؟
هنا، عمي بدأ يعيط.
أول مرة أشوفه بيعيط بالشكل ده.
قال بصوت متقطع
لأن أخوك… أقصد أبوك، جالي قبلها بأيام، وحط قدامي كل المستندات اللي كان جمعها. قالي إنه مش عايز ينتقم مني، لكنه مش هيسيب حقك يضيع. وقال لي إنك لازم تعرف الحقيقة، سواء رجّعت الفلوس أو ما رجّعتهاش.
اتنهد، ومسح وشه بإيده، وبعدين كمل
في اللحظة دي فهمت إن أخويا، رغم كل اللي عملته فيه، كان لسه بيحاول يحمي ابنه. رجّعت له الفلوس، وطلبت منه يسامحني، لكنه قالي إن المسامحة مش بالكلام، وإن لازم أساعدك تسترد حقك كاملًا.
سألته
طب والرسائل اللي أمي كانت باعتاها لأبويا؟ إنت أخفيتها ليه؟
سكت عمي طويلًا، لدرجة إني افتكرت إنه مش هيرد.
وبعدين مد إيده ناحية درج جانبي، وطلع ظرفًا قديمًا، لونه أصفر من الزمن.
قال
دي آخر رسالة أمك كتبتها قبل ۏفاتها. أبوك ما شافهاش غير بعد سنين، وأنا محتفظ بنسخة منها.
فتحت الظرف، وبدأت أقرأ.
حبيبي،
لو الرسالة دي وصلت لك يومًا، أتمنى تكون سامحتني على كل حاجة ما قدرتش أقولها لك.
أنا عارفة إنك بتتعب علشان توفر لنا حياة كويسة، وعارفة إنك بتحاول تكون أب وزوج في نفس الوقت، حتى لو الشغل واخد معظم وقتك.
لكن ابننا محتاجك جنبه. مش محتاج الفلوس بس، ولا البيت الكبير، ولا اللبس الجديد. محتاج يسمع صوتك وهو بيحكيلك عن يومه، ومحتاج يحس إنك شايفه وفخور بيه.
أنا حوّشت له مبلغًا علشان تعليمه ومستقبله، وكتبت له حقه في البيت في الأوراق القانونية. مش علشان أضمن له الفلوس، لكن علشان أضمن إنه ما يحسش يومًا إنه غريب في بيته.
أرجوك، مهما حصل، ما تخليش خۏفك عليه يبعدك عنه.
وقفت عن القراءة.
حسّيت بدموعي بتنزل من غير ما أقدر أوقفها.
أمي كانت فاهمة كل حاجة من البداية.
كانت عارفة إن أبويا بيحبني، لكنها كانت خاېفة إن خوفه عليّا يتحول لجدار يفصل بيننا.
رفعت عيني لعمي وسألته
هي أمي كانت عارفة إنك أخدت الفلوس؟
هز راسه وقال
اكتشفت جزءًا من الحقيقة قبل ۏفاتها، وطلبت مني أرجّع المبلغ. وعدتها إني هعمل كده، لكني خذلتها. وفضلت سنين أتهرب من مواجهة أخويا، لحد ما واجهني بكل حاجة.
قمت من مكاني، وخدت الملف والرسالة.
قبل ما أمشي، عمي ناداني
استنى يا ابني. فيه حاجة أخيرة لازم تعرفها.
لفّيت ناحيته.
قال
أبوك كان عارف إنه مش أب مثالي. قبل ۏفاته بشهر، قالي إنه نفسه يقعد معاك ويحكيلك كل حاجة، وإنه ناوي يوقف موضوع الإيجار ويطلب منك تسامحه. لكنه تعب فجأة، وبعدها حالته ساءت بسرعة.
سألته بصوت مبحوح
طب ليه ما قاليش ده بنفسه؟
عمي بصلي بعجز وقال
لأنه كان فاكر إن لسه عنده وقت.
خرجت من بيت عمي وأنا حاسس إن جوايا حاجات كتير اتكسرت، وحاجات تانية بدأت تتصلح ببطء.
لكن وأنا راجع البيت، افتكرت التحويل البنكي اللي أبويا عمله قبل ۏفاته بأسبوع.
كان فيه مبلغ إضافي مش موجود في أي من الإيصالات القديمة.
رجعت فتحت المستندات، وراجعت الأرقام مرة تانية.
وهنا اكتشفت مفاجأة جديدة.
أبويا ما رجّعليش الفلوس اللي دفعتها له بس ده كان حوّش مبلغًا يكفي إني أشتري شقة صغيرة باسمي، من غير ما أحتاج أستلف من حد.
لكن الغريب إن العقد المرفق بالحساب كان فيه شرط لازم أراجعه مع المحامي قبل ما أتصرف في المبلغ.
وفي آخر صفحة، لقيت توقيع أبويا، وتحته جملة مكتوبة بخط إيده
المال ده حق ابني، لكن أهم من المال إنه يعرف إن البيت اللي اتربّى فيه عمره ما كان المفروض يخليه يحس إنه غريب.
قعدت على كرسيه القديم، وضميت رسالة أمي لصدري.
ولأول مرة من خمس سنين، ما حسّيتش بالڠضب وأنا بفكر في أبويا.
حسّيت إني مشتاق له.
مشتاق أسأله ليه ما حضنيش أكتر، وليه ما قاليش إنه بيحبني، وليه خلاني أتعلم الاعتماد على نفسي بالطريقة الصعبة دي.
لكن رغم كل الحقيقة اللي عرفتها، كان فيه سؤال واحد لسه بيدور في دماغي
هل أبويا كان فعلًا بيجمع الفلوس علشان مستقبلي، ولا كان بيحاول يعوّضني عن ذنب أكبر ارتكبه في حقي؟
لأن عم حسن، قبل ما يمشي، كان سايبلي تسجيلًا صوتيًا أخيرًا لأبويا.
وتحت التسجيل، كانت مكتوبة ملاحظة قصيرة
اسمع التسجيل ده لوحدك لأنه الحاجة الوحيدة اللي أبوك ما قدرش يقولها لك وهو عايش.
ضغطت على زر التشغيل.
وسمعت صوت أبويا للمرة الأخيرة
يا ابني، لو إنت بتسمع كلامي دلوقتي، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة وأنا عايش. فيه حاجة لازم تعرفها عن اليوم اللي طلبت منك فيه أول 250 دولار
يتبع
الجزء الرابع عمي اعترف بالحقيقة اللي أبويا أخفاها عني!
فضلت ماسك الموبايل على ودني، مش قادر أرد على عمي خالد.
بعد كل اللي عرفته، وبعد المستندات اللي شفتها بعيني، كان عنده الجرأة إنه يكلمني وكأن مفيش حاجة حصلت!
قلتله ببرود
عايز تشوفني ليه يا عمي؟ مش كفاية اللي عملته في أمي وأبويا؟
سمعت تنهيدة طويلة من الناحية التانية، وبعدها قال
أنا عارف إنك مش هتصدقني، وعارف إنك عندك كل الحق

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *