ابويا حكايات ميرا
بدأت أقرأ.
يا ابني،
لما اكتشفت إن أخويا سحب الفلوس من حساب أمك، واجهته.
أنكر في البداية،
وبعدها اعترف إنه أخد المبلغ علشان يسدّد ديونًا كان غرقان فيها.
وعدني إنه هيرجّع كل جنيه، لكن الشهور عدّت، والسنين عدّت، والفلوس ما رجعتش.
كنت أقدر أفضحه، وأخليه يتحاسب، لكن كان فيه شيء تاني لازم تعرفه.
في الأيام الأخيرة من حياة أمك، كنت غايب عنها ساعات طويلة بسبب شغلي. أخويا كان بيزورها أحيانًا، وكنت فاكره بيطمن عليها ويساعدها.
بعد ۏفاتها، اكتشفت إنه أخفى عني بعض الرسائل اللي كانت باعتاها لي.
رسائل كانت ممكن تغيّر قرارات كتير أخدتها بعد كده.
ومن وقتها، وأنا بحاول أوصل للحقيقة كاملة.
وقفت عن القراءة.
رسائل أمي؟!
إيه اللي كانت أمي بتحاول تقوله لأبويا قبل ما ټموت؟
وهل عمّي كان مخبّي عنه حاجة غير الفلوس؟
فتحت آخر صفحة في الجواب، ولقيت أبويا كاتب
أنا مش بطلب منك ټنتقم يا ابني، ولا حتى إني عايزك تكرهه لمجرد إنه أخطأ.
أنا بس عايزك تعرف إن مش كل شخص بيبتسم في وشك بيكون صادق معاك، وإن الډم لوحده مش ضمان للأمانة.
أما الفلوس اللي كنت باخدها منك، فدي كانت طريقتي إني أرجّعلك جزء من المستقبل اللي اتسرق منك.
لكن فيه سبب تاني خلاني أصرّ إنك تتعلم تحافظ على فلوسك بنفسك.
السبب ده هتلاقيه في الظرف الأخير.
رفعت عيني للصندوق.
كان فاضل ظرف واحد بس.
الظرف الخامس، اللي مكتوب عليه تاريخ السنة اللي ماټ فيها أبويا.
فتحته بحذر، وطلعت منه ورقة واحدة، ومعاها مفتاح صغير.
الجواب كان قصيرًا جدًا
يا ابني،
أنا عارف إني قصّرت معاك، وعارف إنك كبرت وأنت محتاج أب يسمعك ويطبطب عليك، وأنا بدل ما أكون الأب ده، خليتك تحس إنك لوحدك.
مفيش مبرر كفاية يخلّي وجعك يختفي، وأنا مش هطلب منك تعتبر اللي عملته صح.
لكن الحقيقة اللي ما عرفتش أقولها لك، إن بعد ۏفاة أمك، اكتشفت إن فيه مرض وراثي في عيلتنا، وإنك محتاج تعرف تاريخه علشان تحافظ على صحتك.
احتفظت بنتائج الفحوصات القديمة، وطلبت من الطبيب يوضحلي إذا كنت محتاج تعمل فحوصات مخصوصة.
المفتاح اللي مع الجواب ده بيفتح درج المكتب الصغير في أوضتي.
هتلاقي جواه ملفًا طبيًا، وعقدًا بنكيًا، وحاجة تانية كنت مستني الوقت المناسب علشان أديهالك.
ما تخافش من اللي هتقرأه، لكن ما تتجاهلوش.
وأهم حاجة، يا ابني
ما تضيّعش عمرك في محاولة إثبات إنك تستحق الحب.
إنت كنت
تستحقه من أول يوم.
وقعت الورقة من إيدي.
الجملة الأخيرة وجعتني أكتر من أي حاجة تانية.
لأني قضيت خمس سنين أحاول أثبت لنفسي إني أقدر أعتمد على نفسي، وخمس سنين تانية قبلهم وأنا طفل بحاول أفهم ليه أبويا مش بيحبني زي باقي الآباء.
قمت من مكاني، وخدت المفتاح، وطلعت أوضة أبويا.
فتحت درج المكتب الصغير.
كان جواه ملف طبي قديم، وعقد حساب بنكي باسمي، ومظروف أبيض مكتوب عليه
لما تخلص قراءة كل ده، اتصل بعم حسن.
فتحت الملف الطبي الأول، ولقيت تقارير قديمة، لكن مفيش فيها أي تشخيص مؤكد ليا. كان فيه بس ملاحظات من الطبيب بتوصي بمراجعة التاريخ العائلي وإجراء الفحوصات المناسبة لو ظهرت أعراض تستدعي ده.
ارتحت شوية، لأنني فهمت إن أبويا ما كانش بيقول إن عندي مرض، لكنه كان قلقان من احتمال وراثي.
بعدها فتحت العقد البنكي.
ولما شفت الرصيد، شهقت من الصدمة.
كان المبلغ أكبر بكتير من كل الفلوس اللي دفعتها له على مدار خمس سنين.
أبويا كان بيضيف من مرتبه، وبيحط جزءًا من مدخراته في الحساب، لحد ما بقى عندي مبلغ يقدر يساعدني أبدأ حياتي من جديد.
لكن تحت العقد، لقيت ورقة صغيرة من البنك، عليها ملاحظة بخط إيد أبويا
فيه تحويل أخير اتعمل قبل وفاتي بأسبوع. لازم تتأكد بنفسك من مصدره.
بصيت للتاريخ.
التحويل كان جاي من حساب عمّي خالد.
ولأول مرة، بدأت أشك إن عمّي رجّع الفلوس فعلًا لكن ليه قبل ۏفاة أبويا بأسبوع واحد بس؟
وإيه اللي حصل بينهم في الأيام الأخيرة؟
نزلت تاني للمطبخ، ولقيت عم حسن مستنيني.
حطيت قدامه الورقة وسألته
عمي خالد رجّع الفلوس لأبويا قبل ما ېموت بأسبوع. إنت كنت تعرف؟
عم حسن بص للورقة، ووشه اتغيّر.
وبعد صمت طويل، قال
أيوه، كنت أعرف إنهم اتقابلوا. لكن فيه حاجة أبوك طلب مني ما أقولهاش غير لما تشوف التحويل بنفسك.
قربت منه وقلت
إيه هي؟
رفع عينيه ليا وقال
عمك ما رجّعش الفلوس من نفسه. أبوك راح له قبل ۏفاته بأيام، ومعاه مستند كان ممكن يغيّر حياة عيلتكم كلها.
مستند إيه؟!
عم حسن مد إيده في جيبه، وطلع صورة قديمة لأمي، كانت واقفة فيها قدام مكتب محاماة، وماسكة ملفًا أزرق.
قلب الصورة، ولقيت على ظهرها جملة بخط أمي
لو حصل لي أي حاجة، لازم ابني يعرف إن البيت مش هو الحاجة الوحيدة اللي سبتها له.
حسّيت
إن قلبي بيخبط في صدري پعنف.
بيت؟!
إحنا طول عمرنا عايشين في البيت اللي أبويا كان بيدفع أقساطه، وكنت فاكر إنه ملكه بالكامل.
لكن عم حسن قال جملة خلتني أبصله بذهول
البيت اللي إنت عايش فيه طول عمرك، يا ابني، مش ملك أبوك لوحده وأمك كانت سايبة لك حق فيه من يوم ما اتولدت.
وبعدين أشار للصورة وقال
والمستند اللي أبوك واجه أخوه بيه، هو اللي يثبت الكلام ده.
لكن لو أمي كانت سايبة لي حقي من البداية، إزاي عمي قدر ياخد الفلوس؟ وإيه علاقة البيت بالرسائل اللي أخفاها عن أبويا؟
في اللحظة دي، رن موبايلي.
كان عمي خالد.
رديت، فسمعته بيقول بصوت متوتر
لازم أشوفك بكرة. فيه حاجة أبوك ما قالهالكش، ولو عرفت من حد تاني، هتفتكر إني كنت عدوك طول عمرك.
سكت لحظة، وبعدين أضاف
وأنا مستعد أحكيلك كل حاجة حتى لو ده هيخلّيك تكرهني للأبد.
يتبع
ضغطت على زر التشغيل.
وسمعت صوت أبويا للمرة الأخيرة
يا ابني، لو إنت بتسمع كلامي دلوقتي، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة وأنا عايش. فيه حاجة لازم تعرفها عن اليوم اللي طلبت منك فيه أول 250 دولار
يتبعضغطت على زر التشغيل.
وسمعت صوت أبويا للمرة الأخيرة
يا ابني، لو إنت بتسمع كلامي دلوقتي، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة وأنا عايش. فيه حاجة لازم تعرفها عن اليوم اللي طلبت منك فيه أول 250 دولار
يتبع الجزء الرابع عمي اعترف بالحقيقة اللي أبويا أخفاها عني!
فضلت ماسك الموبايل على ودني، مش قادر أرد على عمي خالد.
بعد كل اللي عرفته، وبعد المستندات اللي شفتها بعيني، كان عنده الجرأة إنه يكلمني وكأن مفيش حاجة حصلت!
قلتله ببرود
عايز تشوفني ليه يا عمي؟ مش كفاية اللي عملته في أمي وأبويا؟
سمعت تنهيدة طويلة من الناحية التانية، وبعدها قال
أنا عارف إنك مش هتصدقني، وعارف إنك عندك كل الحق تكرهني. بس فيه حاجات أبوك ما عرفهاش غير قبل ما ېموت بأيام، وحاجات تانية ما عرفهاش لحد آخر يوم في حياته.
يعني إيه؟ إنت لسه مخبي إيه؟
رد بصوت مكسور
تعالى بكرة، وهتفهم كل حاجة. بس أوعى تحكم عليّا قبل ما تسمعني.
قفلت المكالمة من غير ما أرد.
طول الليل، ما عرفتش أنام. كل ما أغمض عيني، أفتكر أمي، وأفتكر أبويا وهو بياخد مني الفلوس كل أول شهر، وأفتكر نفسي وأنا برجع أوضتي حاسس إني مش مرغوب في البيت
اللي اتولدت فيه.
كنت غاضب منه، لكن بعد ما قرأت رسالته الأخيرة، الڠضب بدأ يتحول لحزن تقيل.
يمكن