ابويا حكايات ميرا
خطوة في حياتي الجديدة.
أما صندوق أبويا، فحطيته في دولابي، مش علشان أفضل أفتحه كل يوم وأعيط، لكن علشان أفتكر إن حتى أقرب الناس لينا ممكن يخطئوا، وإن فهم أسباب الخطأ مش معناه إننا لازم ننكر الۏجع اللي سببه.
وفي آخر ليلة من الشهر، وقفت قدام ترابيزة المطبخ، وطلعت ورقة جديدة.
كتبت عليها
إيجار أوضتي صفر دولار.
وبعدين ضحكت من قلبي لأول مرة من شهور.
لأن الأوضة اللي قضيت خمس سنين بدفع تمنها، بقت أخيرًا مكانًا أقدر أعيش فيه من غير ما أحس إني غريب.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت لسه مستنياني
بعد أسبوع، وصلني خطاب من المحامي، فيه مستند جديد ظهر أثناء مراجعة أوراق ملكية البيت.
مستند قديم جدًا، عليه توقيع أمي، وتاريخ سابق لۏفاتها بشهور.
وفي آخر الصفحة، كانت فيه جملة واحدة قلبت كل توقعاتي
لا يجوز بيع العقار أو التصرف في نصيب الطفل إلا بعد التحقق من حق قانوني لم يُحسم بعد.
بصيت للمحامي، وسألته
يعني إيه؟ هو فيه حد تاني ليه حق في البيت؟
المحامي رد بهدوء
مش هنقدر نجزم قبل ما نراجع أصل المستند والملف القانوني بالكامل. لكن فيه احتمال إن والدتك كانت بتحاول تحمي حقًا إضافيًا، وده محتاج تحقيق.
رجعت البيت، وفتحت الصندوق للمرة الأخيرة.
وكان فيه ظرف صغير لم أره من قبل، مكتوب عليه
الحقيقة اللي ما عرفهاش أبوك نفسه.
يتبع
الجزء السابع السر الأخير اللي أمي أخدته معاها القپر!
تاني يوم الصبح، صحيت بدري، وحطيت الورقة اللي لقيتها في الصندوق في جيبي، وقررت أروح العنوان المكتوب فيها.
كنت طول الطريق بفكر في أمي، وفي الحاجات اللي اكتشفتها عنها بعد ۏفاتها بسنين طويلة.
إزاي ممكن أم تخبّي سر عن جوزها، وهو الشخص اللي عاشت معاه عمرها كله؟
وليه أبويا، رغم كل السنين اللي قضاها بيدور على الحقيقة، ما قدرش يوصل لكل التفاصيل؟
وصلت لمركز الرعاية، وسألت عن السيدة اللي اسمها مكتوب في الورقة.
الموظفة دخلت تسأل عنها، وبعد دقائق رجعت وقالتلي إنها موجودة، وإنها وافقت تقابلني.
دخلت أوضة صغيرة، ولقيت ست كبيرة قاعدة جنب الشباك، شعرها أبيض وملامحها هادية.
أول ما شافتني، فضلت تبصلي فترة طويلة، وبعدين قالت بصوت مرتعش
إنت ابن فاطمة؟
اټصدمت.
أمي كان اسمها فاطمة فعلًا.
قربت منها وقلت
أيوه، أنا ابنها. حضرتك تعرفي أمي منين؟
الست مسحت دمعة من عينها وقالت
كنت صاحبتها من أيام الشباب، وكنت معاها في أصعب فترة في حياتها. أبوك جه لي من سنين، وسألني عن حاجات كتير، لكني ما قدرتش أحكيله كل حاجة.
قعدت قصادها، وقلبي بيدق بسرعة.
ليه؟ إيه اللي حضرتك تعرفيه وأنا ما أعرفوش؟
بصتلي وقالت
أمك قبل ما ټموت بفترة، كانت بتساعد أسرة فقيرة جدًا. ست عندها بنت صغيرة، وجوزها ماټ، وكانت مش قادرة تدفع إيجار البيت ولا مصاريف علاج بنتها.
أمي كانت بتحاول تساعدهم من غير ما حد يعرف.
سألتها
وإيه علاقة ده بالفلوس اللي كانت بتحوشها ليا؟
ردت بهدوء
أمك كانت بتقسم مدخراتها لجزئين. جزء لمستقبلك وتعليمك، وجزء كانت عايزة تسيبه للأسرة دي، علشان البنت الصغيرة تقدر تكمل تعليمها وتعيش حياة كريمة.
فضلت ساكت.
طول عمري كنت فاكر إن كل الفلوس اللي أمي جمعتها كانت مخصصة ليا، لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول تساعد طفلًا تاني كمان.
الست كملت
قبل ۏفاتها بأيام، أمك ادتني ظرفًا، وطلبت مني أحتفظ بيه. قالتلي لو حصل لها أي حاجة، ما أفتحوش غير لما ابنها يكبر ويكون قادر يفهم معنى المسؤولية.
سألتها بلهفة
والظرف فين دلوقتي؟
قامت ببطء، وفتحت درجًا صغيرًا في دولاب جنبها، وطلعت ظرفًا قديمًا.
كان مكتوب عليه اسمي.
اسمي أنا، بخط أمي!
إيدي بدأت تترعش وأنا بفتح الظرف.
جواه جواب، ومعاه صورة لطفلة صغيرة، كانت واقفة جنب أمي في مكان شكله مدرسة.
بدأت أقرأ
ابني حبيبي،
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى كبرت وبقيت قادر تفهم إن الحياة مش كلها فلوس وحقوق وممتلكات.
أنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا، وعمري ما حوّشت فلوس إلا وأنا بفكر في مستقبلك.
لكن فيه بنت صغيرة قابلتها، ظروفها صعبة جدًا، ونفسي أساعدها تكمل تعليمها.
أنا ما طلبتش منك تتنازل عن حقك، ولا عايزاك تحرم نفسك علشان حد تاني. أنا بس أتمنى لما تكبر، وتبقى قادر تساعد نفسك، تفتكر إن فيه ناس كتير محتاجة فرصة واحدة بس علشان حياتها تتغير.
لو قدرت تساعدها يومًا، اعمل كده برضاك، مش لأنك مجبر.
ولو ما قدرتش، ما تحسش بالذنب. يكفيني إنك تكبر وتبقى إنسان طيب.
وقفت عن القراءة، ودموعي نزلت على الورقة.
أمي ما كانتش بتطلب مني أضحي بمستقبلي.
كانت بتعلمني، حتى بعد ۏفاتها، إن النجاح مش معناه إنك تجمع فلوس أكتر من غيرك، لكن إنك تقدر تعيش بكرامة، وتساعد غيرك لما تكون قادر.
رفعت عيني للسيدة وسألتها
البنت دي فين دلوقتي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
كبرت، واتعلمت، وبقت بتشتغل. لكن ظروفها لسه صعبة. أمك كانت بتحلم إنها تدخل الجامعة، لكن ما كانش معاها فلوس تكمل تعليمها.
بصيت للصورة مرة تانية.
كانت البنت اسمها سارة، واسم أمها مكتوب على ظهر الصورة.
سألت السيدة عن طريقة أوصل بيها ليها، فادّتني وسيلة تواصل معاها بعد ما استأذنتها.
خرجت من المركز وأنا حاسس إن أمي سابتلي أمانة جديدة، لكن المرة دي كانت أمانة اختيارية، مش دين مفروض عليّا.
بعد أيام، قدرت أتواصل مع سارة.
قابلتها في مكان عام، وحكيتلها إني عرفت جزءًا من قصتها من خلال أمي، وإن فيه رسالة قديمة كانت بتوصي بمساعدتها لو قدرت.
سارة استمعت لي في صمت، وبعدها قالت
أنا عمري ما عرفت الست دي، لكن أمي كانت بتحكيلي عن واحدة ساعدتنا زمان، وفضلت تقول إن لولا مساعدتها، ما كنتش هقدر أكمل المدرسة.
سكتت لحظة، ثم أضافت
بس أنا مش عايزة آخد من حد حاجة هو محتاجها لنفسه.
الكلام ده خلاني أحترمها أكتر.
قلت لها
أنا مش هديكي فلوس من باب الشفقة، ولا هطلب منك تبرري ظروفك. أنا عندي مبلغ أقدر أخصص جزءًا منه لمساعدة حد يكمل تعليمه، وده قرار أنا أخدته بنفسي.
اتفقنا إن أي مساعدة تكون واضحة، ومخصصة لمصاريف تعليمها، وبما لا يؤثر على استقراري ومستقبلي.
ولما رجعت البيت، فتحت صندوق أمي وأبويا، وحطيت جواب أمي جنب تسجيل أبويا.
ابتسمت وأنا بفتكرهم.
أمي كانت عايزاني أتعلم الرحمة من غير ما أظلم نفسي.
وأبويا كان عايزني أتعلم الاعتماد على نفسي، لكنه نسي إن الإنسان محتاج كمان يحس بالحب.
وبين الرسالتين، بدأت أفهم شكل الحياة اللي كنت أتمنى أعيشها من البداية.
لكن قبل ما أقفل الصندوق، لقيت ورقة صغيرة جدًا ملزوقة تحت الغطا، مكتوب عليها بخط أبويا
لو وصلت للمرحلة دي، يبقى عرفت سر أمك. لكن لسه فيه سؤال لازم تجاوب عليه بنفسك هل هتفضل طول عمرك تعاقب نفسك وأهلك على اللي فات، ولا هتسمح لنفسك تبدأ من جديد؟
قعدت أفكر في السؤال طويلًا.
كنت أقدر أعيش بقية عمري غاضبًا، وأفتكر كل مرة أبويا وجعني فيها.
وكنت أقدر أفتكر كمان إنه كان عنده فرصة يغيّر طريقته، لكنه ما عملش ده في الوقت المناسب.
الحقيقة إن الاتنين صح.
هو حبني، وهو وجعني.
وأنا من حقي أحتفظ بذكرياتي الحلوة، ومن حقي برضه أعترف بالذكريات اللي آلمتني.
قررت إني ما أسمحش للماضي يحدد كل يوم في حياتي.
احتفظت بالبيت، وبدأت أرتب أموري
المالية، وخطوت أول خطوة في حياتي الجديدة.
أما صندوق أبويا، فحطيته في دولابي، مش علشان أفضل أفتحه كل يوم وأعيط، لكن علشان أفتكر إن حتى أقرب الناس لينا ممكن يخطئوا، وإن فهم أسباب الخطأ مش معناه إننا لازم ننكر الۏجع اللي سببه.
وفي آخر ليلة من الشهر، وقفت قدام ترابيزة المطبخ، وطلعت ورقة جديدة.
كتبت عليها
إيجار أوضتي صفر دولار.
وبعدين ضحكت من قلبي لأول مرة من شهور.
لأن الأوضة اللي قضيت خمس سنين بدفع تمنها، بقت أخيرًا مكانًا أقدر أعيش فيه من غير ما أحس إني غريب.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت لسه مستنياني
بعد أسبوع، وصلني خطاب من المحامي، فيه مستند جديد ظهر أثناء مراجعة أوراق ملكية البيت.
مستند قديم جدًا، عليه توقيع أمي، وتاريخ سابق لۏفاتها بشهور.
وفي آخر الصفحة، كانت فيه جملة واحدة قلبت كل توقعاتي
لا يجوز بيع العقار أو التصرف في نصيب الطفل إلا بعد التحقق من حق قانوني لم يُحسم بعد.
بصيت للمحامي، وسألته
يعني إيه؟ هو فيه حد تاني ليه حق في البيت؟
المحامي رد بهدوء
مش هنقدر نجزم قبل ما نراجع أصل المستند والملف القانوني بالكامل. لكن فيه احتمال إن والدتك كانت بتحاول تحمي حقًا إضافيًا، وده محتاج تحقيق.
رجعت البيت، وفتحت الصندوق للمرة الأخيرة.
وكان فيه ظرف صغير لم أره من قبل، مكتوب عليه
الحقيقة اللي ما عرفهاش أبوك نفسه.
يتبع