"طرد عريسي يوم قراية الفاتحة، وكتب كتابه عليا في نفس الليلة بحجة إن لحمهم ميروحش لغريب.. عشت معاه ست شهور بينام في أوضة وأنا في أوضة، لحد ما سمعت مكالمته اللي قلبت حياتي كلها وفهمت ليه اتجوزني!" أنا "ليلى". بنت يتيمة، أهلي ماتوا في حادثة وأنا عندي ١٠ سنين، وعمي أخدني أعيش معاه في بيته. من يوم ما دخلت البيت ده، وأنا ماليش غير ضل واحد بستخبى فيه.. "زين" ابن عمي. زين أكبر مني بـ ٨ سنين، كان هو الأخ والسند والأب وكل حاجة. بس أنا مكنتش شايفاه أخ.. أنا من يوم ما وعيت على الدنيا وأنا بحبه. وأنا في إعدادي، كنت أقف أضفر شعري وأحط ملمع شفايف وأستناه يرجع من الجامعة عشان أفتحله الباب، كان يضحك وينكشلي شعري ويقولي: "إيه يا ليلو، كبرنا وبقينا عرايس اهو!".. الكلمة دي كانت بتخليني مش بنام الليل وأنا بتخيلني بالفستان الأبيض جنبه. كنت بكتب أول حرف من اسمه على كل كتبي، ولما حد يزعلني كنت أروح أتحامى فيه، وهو مكنش بيستحمل عليا الهوا الطاير. بس أنا كبرت.. وهو كمان كبر. دخلت الجامعة، وهو مسك شركات عمي. المشكلة إن زين فضل شايفني "ليلو" الطفلة اليتيمة اللي متربية في بيتهم ومسؤولة منه، عمره ما بصلي بصه واحدة فيها إعجاب ولا حب. نظراته كلها كانت حماية وشفقة. لحد ما جت الليلة اللي كسرت قلبي نصين.. يوم ما زين خطب "شيرين" بنت شريك عمي. يومها وقفت أزغرد وأنا حاسة إن روحي بتنسحب مني، كنت بضحك في وشها وأنا من جوايا بتمنى الأرض تتشق وتبلعني. مقدرتش أستحمل أشوفه بيبني حياته مع غيري، فقررت أهرب. بعد خطوبته بشهرين، جالي عريس.. مهندس زميلي جاتله فرصة عمل في دبي. وافقت فوراً من غير ما أفكر، كنت عايزة أسافر، أبعد عن عيون زين اللي بتدبحني كل يوم من غير ما يقصد. عمي وافق، وحددنا ميعاد قراية الفاتحة. يومها كنت قاعدة في الصالون، قلبي مقبوض ودموعي محبوسة، لحد ما باب الشقة اتفتح ودخل زين زي الإعصار. ملامحه كانت مرعبة، عينيه حمرا، وعروق رقبته نافرة. من غير مقدمات، شد العريس من هدومه وطرده بره البيت وسط ذهول الكل! عمي زعقله وقاله: "إنت اتجننت يا زين؟ بتعمل إيه؟" رد زين بصوت هز حيطان البيت وهو بيبصلي بنظرة أول مرة أشوفها: "ليلى مش هتخرج من البيت ده، لحمنا ميروحش لغريب.. أنا أولى بيها، ومأذوني ومأذونها الليلة!" اتصدمت.. رجلي مكنتش شيلاني. خطيبته اللي كانت واقفة صرخت ورمتله الدبلة ومشت، وعمي حاول يهديه بس زين كان عامل زي الجبل. في نفس الليلة، لقيت نفسي بمضي على قسيمة جوازي من حب عمري. كنت مصدومة، بس من جوايا كان في حتة فرحانة.. سذاجة بنت فاكرة إن ابن عمها حس بقيمتها ومقدرش يتخيل إنها تروح لراجل غيره. قلت أكيد بيحبني ومكنش عارف. بس ياريتني ما فكرت كده. أول ما باب شقتنا اتقفل علينا، لقيت زين بيبعد عني كأني ميكروب. دخلني أوضة الضيوف وقال لي بجمود وعينيه بتهرب من عيني: "أنتي هنا معززة مكرمة، طلباتك كلها مجابة، بس جوازنا ده على الورق.. أنتي أمانة، وأنا عملت كده عشان أحميكي.. متستنيش مني حاجة تانية." وسابني ودخل أوضته وقفل الباب. عشت معاه ٦ شهور زي الخيال في البيت. بيعاملني بذوق مرعب، كأني ضيفة، لو قعدت في الصالة يدخل الأوضة، لو اتكلمنا كلامنا كله عن الأكل والشرب. كنت بموت كل يوم وأنا قريبة منه كده وبعيدة أوي كده. كنت بسأل نفسي: لو مش بيحبني، ليه طرد العريس؟ ليه ساب خطيبته وبوظ حياته عشان يتجوزني؟ لحد ما جه اليوم اللي عرفت فيه الإجابة.. اليوم اللي خلاني أتمنى إني مت في الحادثة مع أهلي ولا إني أسمع اللي سمعته. كان راجع متأخر، دخل مكتبه ونسي يقفل الباب للآخر. كنت رايحة أجبله كوباية ليمون عشان كان شكله تعبان. وقفت على الباب لما سمعته بيتكلم في التليفون وصوته بيترعش لأول مرة.. كان بيقول: "أيوة يا دكتور.. أنا عملت زي ما قولتلي بالظبط، اتجوزتها عشان أضمن إنها متسافرش وتعمل التحاليل بره وتكتشف الكارثة اللي عملناها فيها.. أنا مش قادر أبصلها في عينيها، أنا دمرت حياتها..." الكوباية وقعت من إيدي.. والصدمة اللي شلتني خلتني مش قادرة أتنطق لما عرفت السر المرعب اللي مخبيه عني طول السنين دي!! .. .. صوت الكوباية وهي بتتدش دش على الأرض مكنش مجرد صوت إزاز بيتكسر.. ده كان صوت قلبي، وعمري، وكل ثقة زرعتها في البيت ده. زين لف وشه زي الملسوع، التليفون وقع من إيده، ووشه اللي كان دايماً مليان هيبة وقوة، بهت وبقى عبارة عن شاشة بتعرض كل ألوان الرعب. عينينا اتقابلت، ولأول مرة أشوف زين، الجبل اللي مبيتهزش، بيترعش. دخلت المكتب وأنا دايسة على الإزاز المكسور برجلي الحافية، محسيتش بوجع الإزاز وهو بيجرحني، الوجع اللي كان بينهش في روحي كان أكبر بكتير. وقفت قدامه، صوتي طالع كأنه حشرجة طير بيموت، وصرخت بكل ما فيا: "كارثة إيه يا زين؟! انطق.. عملت فيا إيه؟ دمرت حياتي إزاي؟!" زين نزل على ركبه قدامي، حركة عمري ما تخيلت أشوفها منه. حط إيده على وشه وبدأ يبكي.. زين بيبكي؟ الراجل اللي مدمعش يوم موت أمه بيبكي قدامي! رفع وشه اللي غرقان دموع وقال بصوت متقطع: "سامحيني.. والله العظيم ما كنت أعرف.. أنا لسه عارف من ست شهور بس، يوم ما طردت عريسك وكتبت كتابي عليكي.. كان لازم أعمل كده عشان أمنعك تسافري دبي.. الكشف الطبي هناك كان هيكشف المستور، وكان هيكسرك للأبد." مسكته من ياقة قميصه وأنا بهزه بهستيريا: "مستور إيه؟ انطق يا زين!" بلع ريقه وقال الكلمات اللي وقفت الزمن في ودني: "فاكرة لما كان عندك ١٢ سنة وتعبتي فجأة، وعمي قالك إن دي زايدة ملتهبة ولازم تتشال فوراً؟.. في نفس الوقت ده أنا كنت بموت في المستشفى بسبب فشل كلوي حاد.. أبويا.. عمك اللي رباكي.. استغل إنك طفلة يتيمة وملكيش حد، ورشى دكتور معدوم الضمير عشان ياخد كليتك يزرعهالي.. أنا عايش بكليتك يا ليلى.. أنا عايش بحتة منك اتسرقت غصب عنك!" رجعت لورا كأن حد ضربني برصاصة في صدري. كليتي؟ عمي الحنين اللي عوضني عن أبويا وأمي؟ زين اللي بعتبره سندي؟ كل ده كان كدبة؟ أنا مكنتش بنتهم.. أنا كنت "قطع غيار" لابنهم! زين كمل وهو بيزحف على الأرض وبيمسك طرف دريلّي: "أنا عرفت بالصدفة من ورق قديم في خزنة أبويا. الدنيا لفت بيا، حسيت إني وحش، إني عايش على حساب لحمك ودمك. لما جالك عريس دبي، عرفت إن الفحص الطبي الشامل هيكشف إنك بـ كلية واحدة، ولما تسألي وتدوري هتعرفي إن عمك اللي بتعشقيه هو اللي عمل كده. كنتي هتدكري، كنتي هتتجنني.. فقررت أتجوزك. طردت العريس وسيبت شيرين وبوّظت حياتي عشان أكون تحت رجليكي. أخدمك، أحميكي، أراقب صحتك، وأعوضك بمالي وعمري من غير ما تعرفي الحقيقة البشعة دي." الدموع جفت في عيني، وحل مكانها نار بتحرق كل ذرة ضعف جوايا. سحبت رجلي منه، وطلعت أجري بره المكتب، متجهة لأوضة عمي. فتحت الباب برجلي، عمي قام مفزوع من النوم. بصلي برعب لما شاف هدومي اللي متلطخة بنقط دم من جرح رجلي، وشاف زين داخل ورايا منهار. "فين كليتي يا عمي؟!" صرخت فيها بكل قهر الدنيا. عمي وشه جاب ألوان، بص لزين بغضب وقال: "أنت قلتلها يا غبي؟" ضحكت بوجع وانهيار: "يعني معترف؟ للدرجة دي أنا رخيصة؟ بتاكلوا في لحمي وأنا حية؟" عمي حاول يستجمع قواه وقال بقسوة: "أنا ربيتك! كبرتك وصرفت عليكي بعد موت أهلك، ده كان تمن تربيتي ليكي! ابني كان بيموت، كان لازم أتصرف، أنتي لحمنا وده أقل واجب تعمليه للي شالك من الشارع!" قبل ما أرد، كان زين انقض على أبوه، مسكه من هدومه وزعق بصوت زلزل البيت: "أنت كداب وحرامي! أنت ممولتش تربيتها من جيبك، أنت واكل ورثها من أبوها! البنت دي صاحبة نص أملاكك اللي أنت كبرتها بفلوسها! أنت مدفعتش تمن تربيتها، أنت سرقت كليتها وسرقت فلوسها وسرقت طفولتها.. وأنا اللي هدفعك التمن غالي أوي!" بصيت لزين بذهول. كان واقف زي الأسد اللي بيحمي شبل مجروح. في الليلة دي، أنا سيبت البيت. رفضت أبات فيه دقيقة واحدة. زين أخدني في عربيته لوداني شقة تمليك فخمة جداً في منطقة راقية، وقالي: "الشقة دي مكتوبة باسمك من شهرين، وده مفتاحها.. ارتاحي، والصبح كل حاجة هتتغير." بعد مرور ٣ شهور.. قاعدة في البلكونة بتاعت شقتي بشرب قهوتي وببص للنيل. حياتي اتغيرت ١٨٠ درجة. في خلال التلات شهور دول، زين قلب الدنيا. جاب محامين، وفتح دفاتر أبوه القديمة، وأجبره يتنازل عن نص ثروته بالكامل ليا، ده غير إنه رفع عليه قضية تزوير في أوراق رسمية (بتاعة العملية)، وعمي عشان خاف من الفضيحة والسجن، اتنازل عن كل حاجة وهاجر بره مصر. زين رجعلي حقي المادي، والأهم.. رجعلي كرامتي. طول التلات شهور مكنش بيزورني، كان بيبعتلي الورق مع المحامي، وبيطمن عليا من بعيد لبعيد. كنت متخيلة إني هكرهه، بس مع الوقت، ولما هديت، اكتشفت إن زين كان ضحية زيي بالظبط، بل أسوأ. هو عاش بعقدة ذنب ملهاش وصف، وضحى بسمعته، وبخطيبته، وبأبوه، عشان يجيبلي حقي ويحميني. الباب خبط. قمت فتحت، ولقيته واقف قدامي. خس النص، وشه دبلان، وتحت عينيه سواد السنين، بس لسه في عينيه نفس اللمعة اللي كنت بشوفها وأنا طفلة. مد إيده بظرف كبير وقال بصوت هادي مكسور: "دي أوراق التنازل عن نصيبي أنا كمان في الشركة، حولته لاسمك. ودي تذاكر طيراني.. أنا مسافر لندن، هستقر هناك. مكنتش هقدر أمشي من غير ما أشوفك للمرة الأخيرة وأتأكد إنك كويسة.. أنا عارف إن وجودي بيفكرك بوجعك، بس يعلم ربنا إني..." سكت ومقدرش يكمل، لف وشه عشان يمشي. مسكت دراعه بسرعة، ووقفته. قلبي كان بيدق زي الطبول. "يعلم ربنا إنك إيه يا زين؟" سألته وأنا باصة في عينيه. أخد نفس عميق، ودمعة يتيمة نزلت من عينه: "يعلم ربنا إني حبيتك. مش شفقة، ولا إحساس بالذنب.. أنا حبيتك من يوم ما كنتي طفلة بتضفر شعرها وتستناني على الباب. بس كنت دايماً شايف نفسي مش كفاية، ولما عرفت الكارثة اللي أبويا عملها، شفت إني نجس ومستاهلش حتى ألمس إيدك. اتجوزتك عشان أكون ضلك، مش عشان أفرض نفسي عليكي." ابتسمت، ودموعي نزلت، بس المرة دي دموع فرحة تغسل كل الوجع اللي فات. شديت الظرف من إيده، وقطعته نصين ورميته على الأرض. برّق عينيه بصدمة وقال: "بتعملي إيه؟ دي فلوسك!" قربت منه، وحطيت إيدي على صدره، مكان قلبه اللي كان بيدق بعنف، وقولتله بصوت مليان حنية: "الفلوس مبتبنيش بيوت يا زين، ولا بتعوض حضن. أنت ذنبك إيه في اللي حصل؟ أنت ضحية أب أناني، بس أنت راجل.. راجل أوي يا زين. وقفت قدام أبوك عشان حق واحدة يتيمة. وبعدين تعالى هنا.. أنت بتقول إن كليتي جواك؟" هز رأسه بذهول وهو مش مصدق رد فعلي. ضحكت وسط دموعي وقولتله: "يعني حتة مني عايشة جواك، وحتة منك (قلبك) عايشة جوايا. إحنا الاتنين واحد يا ابن عمي. أنت مطردتش عريسي يوم الفاتحة عشان الذنب وبس، أنت طردته عشان أنت بتغير عليا وبتحبني، وأنا كمان عمري ما حبيت ولا هحب غيرك." عينيه وسعت، وملامحه اللي كانت دبلانة نورت فجأة كأن الروح اتردتله. رفع إيده بتردد يمسح دموعي، ولما لقاني مغمضة عيني ومستسلمة للمسته، شدني لحضنه بكل قوته. حضنته أوي، حضن غسلنا إحنا الاتنين من ذنوب مأقترفناهاش، ومن وجع سنين طويلة. في اللحظة دي، عرفت إن النهاية العادلة مش دايماً إننا ننتقم.. النهاية العادلة هي إن ربنا يعوضنا باللي يقدر قيمتنا، وزين كان هو العوض، السند، والحب اللي اتولد من رحم الوجع عشان يعيش للأبد. تمت لو عجبتك الروايه متنساش تعمل متابعه لصفحتي سهر الحكايات حتي يصلك كل جديد