سر زوجي حكايات نور محمد

​قمت وقفت، ومشيت خطوات بطيئة ناحيته. عيني في عينه، وهو بدأ يتراجع لورا خطوة بخطوة، لحد ما ضهره لزق في الحيطة. نزل راسه للأرض، ودمعة يتيمة نزلت من عينه، وقال بصوت متقطع ومكسور:

ـ “نور… أنا… أنا هفهمك… أرجوكي ما تظلمينيش… أنا والله العظيم ما خنتك… أنا بس…”

​مقدرش يكمل. الراجل القوي السند، انهار قدامي. حط إيديه الاتنين على وشه، ونزل على ركبه في الأرض، وبدأ يبكي بصوت عالي، شهقات طالعة من أعماق روحه، شهقات مكتومة بقالها سنين طويلة تحت قناع الزوج السعيد المستقر.

​نزلت لمستواه، قعدت على ركبي قدامه. شديت إيديه من على وشه بصعوبة، ومسكتهم بين إيديا. بصيت لملامحه اللي شقيت من الحزن، وللجرح القديم اللي فوق حاجبه اللي دايماً كان يقولي إنه من وقعة وهو صغير، وعرفت دلوقتي إنه من حادثة العربية.

​ـ “ليه يا طارق؟” قلتها بصوت حنين مليان عتاب محب. “ليه تشيل الجبل ده كله لوحدك؟ ليه تحرمني إني أكون كتفك وسندك زي ما أنت دايماً سندي؟ أنت فاكرني سطحية لدرجة إني أسيبك عشان عندك ماضي بيوجعك؟”

​رفع عينه المليانة دموع وبصلي بذهول، كأنه مش مصدق اللي بيسمعه.

ـ “أنتِ… أنتِ عرفتي كل حاجة؟”

​هزيت راسي ودموعي بتنزل:

ـ “عرفت إن جوزي أنبل وأرجل إنسان في الدنيا. عرفت إني متجوزة بطل، مش خاين. إزاي تفكر إن مسؤوليتك عن مرات أخوك ممكن تبعدني عنك؟ دي الحاجة اللي خلتني أحبك وأحترمك أضعاف أضعاف ما كنت بحبك. الراجل اللي ما يفرطش في لحمه ودمه، وفي وعده للميت، مستحيل يفرط في مراته وعشرة عمره.”

​طارق مقدرش يستحمل، اترما في حضني ومسك في هدومي كأنه غريق لقى طوق النجاة. فضل يعيط، وطلع كل الوجع والكبت والخوف اللي عاش بيهم السنين دي كلها. كنت بطبطب على ضهره وأنا بعيط معاه، وسلمى ورا بتعيط وبتدعي لنا من قلبها.

​نهاية وبداية

​في اليوم ده، ما رجعناش البيت غير بالليل متأخر. قعدنا مع سلمى، أكلنا سوا، وضحكنا، وبكينا، وحكينا كتير. طارق حس إن صخرة وزنها أطنان انزاحت من على صدره. لأول مرة أشوفه بيتنفس بحرية، من غير ما يحسب الكلمة، ومن غير ما يستخبى عشان يرد على تليفون.

​قررنا قرار واحد، مفيش رجعة فيه.

تاني يوم الصبح، طارق أجر عربية نقل، ورحنا شقة سلمى لمينا كل حاجتها. مكانها مابقاش لوحدها في العمارة القديمة دي. سلمى نقلت تعيش معانا في الأوضة الفاضية اللي في شقتنا، الأوضة اللي كنا سايبينها للطفل اللي لسه مجاش. بس ربنا رزقنا بوجود سلمى، اللي بقت أختي وصحبتي وبنتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *