اهلى نفوني

بعد ما أهلي رموني في قريتنا اللي في الصعيد وجمدوا كل حاجة بافتكاسة عشان يربوني، رجعوا بعد ثلاث سنين بأحدث عربيات وموكب عشان “يرجعوني”.. بس لما رفعت إيدي الشمال وقلت لهم إني اتجوزت خلاص، ماكنوش يتخيلوا إن الراجل اللي مستنيني الناحية الثانية هيجي لحد القاهرة ويهد كل كذبهم!

كنت لسة راجعة من سوق القرية وشايلة الخضار لما لقيت 12 عربية جيب سوداء واقفين طابور قدام البيت الخشب الصغير اللي عشت فيه ثلاث سنين.

نمر القاهرة.. رجال ببدل سوداء.. وحريم بكعب عالي ورجالهم بتغرز في طين الصعيد.

وفي نصهم كان واقف شريف الباشا، يبص للبيت بصه كأنه لسة يملك كل نفس بتنفسه.

وقفت بعيد قبل ما يشوفوني.

واحده من قرايبه ضحكت وقالت: “ثلاث سنين.. تفتكر شكلها بقى زي الفلاحين دلوقتي؟”

ردت ثانية: “فلاحين إيه؟ دي كانت يتيمة وعيلة الباشا هي اللي لموها.. المفروض تبوس إيدهم وش وظهر إنهم سابوها عايشة اصلاً.”

وهنا اتكلمت شهيرة بصوتها الناعم المسموم: “أمانة عليكم بلاش تقصوا على فريدة.. هي أخدت وقتها عشان تفهم غلطتها.”

غلطتي!

من ثلاث سنين، خاتم ألماظ بتاع شهيرة اختفى.. شريف دعبس ولقاه في جيب جاكيت قديم عندي.. قلت له إني كنت بايتة في المستشفى جنب قطتي اللي بتموت، بس حتى ممشيش يفتش ولا يسأل.

ضربني قلم.

ومسك ساعة أبايا القديمة وكسرها على الترابيزة الرخام.

جيت ألم الفتافيت من الأرض، شهيرة رميت نفسها على السلم واتدحرجت.. وعلى الصبح كان شريف قرر إني غيرانة، ومفترية، وما ينفعش أكون هانم لبيت الباشا.

شحنني على الصعيد عشان “أتربى وأتعلم الأدب”.

القطة ماتت في الشتا داك.

وشريف عمره ما رفع سماعة التليفون.

ودلوقتي راجعين ومستنيين مني البوس على الإيدين والامتنان.

حد أخيرًا لمحني: “فريدة؟”

الكل اتلفت.

الضحكات اتخرست لما شافوني لابساه فستان جينز نظيف، وكارديجان كشمير، وضوافري متظبطة، والكاميرا متعلقة في رقبتي.. هما كانوا جايين يشوفوا واحدة مكسورة وشحتانة، دي القصة اللي ضربوا عشانها مشوار من القاهرة للصعيد عشان يستمتعوا بيها.

شريف بص لي بضيق، باين عليه الاضطراب إن المنفى مخلنيش جربوعة.

قال بثقة: “عدى ثلاث سنين.. حتى الكلب بيتعلم الوفاء في الفترة دي.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *