روایه لؤلؤه الدنجدان الحلقه العاشره بقلم نور محمد

“بس التار اللي بينكم؟ إنت قولت إنهم أعدائك…” شهقت وسط بكائها.
انحنى هشام وطبع قبلة عميقة وقوية على جبينها، قبلة تحمل قسم الرجال. “لو عيلتك دي هي الشياطين نفسهم، ولو التار اللي بينا بحر دم، هعوم فيه وأحرق الدنيا كلها عشان تفضلي في حضني. أنا مابخافش، والماضي مات واندفن. إنتي حاضري ومستقبلي، واللي هيفكر بس يمس شعرة منك أو ياخدك مني، هخلي عزرائيل نفسه يستعيذ من اللي هعمله فيه.”
كانت كلماته كتعويذة سحرية، أذابت الرعب في قلبها. أدركت في هذه اللحظة أن هذا الرجل لم يعد يحبها فقط، بل أصبح يتنفسها. ارتمت في أحضانه، ودفنت وجهها في عنقه، تبكي حتى هدأت أنفاسها واستكانت روحها بين ضلوعه.
خرج هشام إلى الصالون الخارجي، مغلقاً باب غرفة النوم خلفه. كان عادل يقف متوتراً، ينتظر الأوامر.
تحولت ملامح هشام العاشقة إلى قناع الإمبراطور القاسي. نظر إلى الصندوق والأوراق بعينين كالصقور.
“اسمعني يا عادل،” قال هشام بصوت جليدي خافت حتى لا تسمعه لؤلؤ. “الورق ده يتحرق فوراً. الصندوق ده يتكسر ويتسهر في النار. السلسلة بس هي اللي هتفضل عشان دي حقها. مفيش مخلوق على وش الأرض يعرف السر ده.”
“هشام… إنت عارف ده معناه إيه؟” قال عادل بخوف. “كبير عيلة المنشاوي، ‘سليمان المنشاوي’، بيدور على بنت أخوه اللي ضاعت من ٢٢ سنة ورافع مكافآت خيالية للي يلاقيها. لو عرف إنها مراتك وإنت مخبيها، دي هتبقى حرب شوارع، بحر دم يا هشام! البورصة والسوق هيولعوا، والبلد كلها مش هتكفيكم.”
ابتسم هشام ابتسامة شيطانية خطيرة، واقترب من عادل خطوة. “سليمان المنشاوي ده مجرد كلب عجوز. خليه يجيلي. خليه يجرب يقرب من أسوار قصري. أنا هشام الشافعي يا عادل… أنا اللي بحط القواعد، وأنا اللي بكسرها. لؤلؤ مراتي، ولو سليمان عايز يفتح أبواب جهنم عشان ياخدها، أنا اللي هستقبله على الباب. نفذ اللي قولتلك عليه وماتفتحش بوقك بكلمة تانية.”
أخذ عادل الأوراق والصندوق، وغادر القصر وهو يعلم أن العاصفة القادمة لن تبقي ولن تذر.
مر اليوم ثقيلاً ومظلماً. رفضت لؤلؤ الخروج من الجناح، كانت تجلس على الأريكة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتتأمل السلسلة الذهبية القديمة التي تحمل شعار عائلة المنشاوي. ذكرياتها مع فاطمة، المرأة البسيطة التي ربتها وأحبتها، تتصارع مع حقيقة أنها تنتمي لعالم من الوحوش.