ممكن تعملي نفسك حفيدتي
— يبقى بكرة هنعمل فيكي محضر. لأن عمي معندوش أي حفيدة.
الحاج محمود مردش. بس مسك إيد نور بقوة مكنتش متوقعة منه، كأن كدبة الـ ٥ دقايق دي بقت الحقيقة الوحيدة اللي فاضلاله. ولما إلهام وطت عليه وهمستله بحاجة الكل قدر يسمعها، الصبح كله بقى تقيل وصعب:
— لو ممضيتش، هثبت إن قواك العقلية مبقتش سليمة… وساعتها لا بيتك ولا فلوسك هيكونوا بتوعك.
انطلقت العربية الجيب السودة وسابت وراها عاصفة من التراب، وصوت صرير العجل يرن في الشارع زي الفحيح. وقف الحاج محمود مصلوب في مكانه، دفتر التوفير بين إيديه بينبض زي قلب طير مذبوح، وشه بقا أبيض زي الورق، وشفايفه بفيها ترتيلة دعاء مش مفهومة.
نور مكنتش قادرة تتحرك لدقيقة.. الكلمات اللي قالتها إلهام كانت مش مجرد تهديد، دي كانت حكم بالإعدام على راجل كل ذنبه إنه عاش لحد ما بقى لوحده. بصت للحاج محمود، لقيته بيحاول يرفع رجله عشان يمشى، بس ركبته خانته، وكان هيقع لولا إنها لحقته وسندته من ذراعه.
”اهدى يا حاج محمود.. اهدى يا باباي، تعال نقعد هنا على الكرسي ده شوية.”
قعدته على مصطبة مضللة قدام البنك، وجابت له إزازة مية صغيرة من بائع متجول. شرب نقطتين، ودمعة محبوسة في طرف عينه نزلت ببطء، خطت طريقها وسط تجاعيد وشه اللي بتحكي تاريخ 81 سنة من الشقاء.
”أنا مش مجنون يا بنتي..” قالها بصوت مبحوح يوجع القلب. “أنا المهندس محمود.. أنا اللي بنيت البيت ده حجر حجر مع مراتي الله يرحمها.. أنا اللي ربّيت.. مش مجنون عشان يحجروا عليا ويرموني في دار مسنين.”
نور قعدت على ركبتها قدامه على الرصيف، مسكت إيده الباردة وقالت بثبات:
”عارفة يا حاج.. والله عارفة. وحقك عليا إنهم هانوُك قدامي. بس أنا مش هسيبك، والكدبة اللي بدأناها جوة البنك.. أنا مسؤولة عنها لحد ما نخلص من الكابوس ده.”
بص لها بعيون فيها دهشة ورجاء:
”إنتي مين يا نور؟ وإليه بتعملي معايا كل ده؟ إنتي ما تعرفنيش!”
ابتسمت نور بتعب وهي بتبص لشنطتها القماش المليانة روايات:
”أنا واحدة بتشتغل في مكتبة صغيرة، بقضي يومي بين كتب بتحكي عن النخوة والشهامة.. ولما بشوفها قدامي في الحقيقة، ما ينفعش ألف وشي وأمشي. يلا بينا، البيت بتاعك فين؟”