بعد ولادتي حكايات روماني مكرم

بصيت له بعين ثابته، نظرة ما فيهاش لا كره ولا تشفي، لكن فيها استغناء كامل. مسكت إيد ابني حمزة اللي مسك في جلابيتي بظافره، وقُلت له بصوت هادي وواضح:

“الشقة اللي عايز تكتبها باسمي دي، ما تسواش نقطة دم واحدة نزلت مني وأنا على السلم الساعة خمسة الصبح ورضيعي على صدري. والرجوع اللي بتتكلم عنه ده، كان ممكن يحصل لو كنت وقفت راجل في صالتك وقيلت لأمك ‘دي مراتي ولادتي ومفتوحة وكرامتها من كرامتي’. لكن أنت اخترت ترضي كبرياء أمك، وبعتني وبعت ابنك عشان ما تزعلهاش.”

مسك إيدي بلهفة وقال: “أنا غلطت! ورب العرش غلطت وندمان كل ثانية! أرجوكي اديني فرصة واحدة أصلح فيها اللي انكسر!”

سحبت إيدي منه ببطء وقوة، وقُلت له وأنا ألف ضهري عشان أمشي:

“في حاجات لما بتنكسر يا فلان، ما بيتصلحش.. ينفع تلم المية بعد ما تدفق على التراب؟ الجرح اللي في بطني طاب وبقى علامة، بس الجرح اللي في قلبي بقى سور بيني وبينك.. أنت ليك في الولد ده الثلاث ساعات بتوع القانون، وغير كده، أنت بالنسبة لي مجرد غريب!”

سبته وخرجت من باب مركز الشباب، وهو قعد على السلم يحط إيديه على وشه ويبكي بصوت عالٍ قدام الناس والعمال. رجعت البيت وأنا حاسة إن حقي بيرجع لي حتة حتة، بس الأيام كانت مخبية مفاجأة جديدة.. مفاجأة هتجبر جوزي وأمه ييجوا لحد باب بيتنا في الصعيد، مش عشان قضية ولا رؤية، لكن عشان يترجوا العفو والمغفرة في مصيبة كبيرة طالت بيتهم!

مرت الأيام وتوالت شهور الشتاء، وحمزة كمل سنته الأولى وبدأ يخطي خطواته الأولى في حوش البيت، صوته بيملا المكان ضحك وفرحة ورجع لأبوي وأمي شبابهم. وفي الوقت اللي كانت حياتنا فيها الهدوء والستر، كان الجانب التاني بيغرق في ظلمات الأفعال اللي زرعوها.

في القاهرة، السوس اللي نخر في بيتهم كبر وبقى يهد الحيطان. حماتي اللي كانت بتصول وتجول وصوتها يرج العمارة، جتلها جلطة خفيفة أثرت على حركتها وقعدتها في ، ما بقتش قادرة تتحرك ولا تخدم نفسها. الشقة الكبيرة اللي كانت بتتباهى بيها وبنظافتها، بقت زي الكهف المهجور، التراب غطا كل حتة فيها، نفس التراب اللي كانت عايزه تهد جسمي وجرحي ناضح دم علشان تنضفه!

أخته اللي في السعودية، لما عرفت بمرض أمها، بعتت مصاريف علاج بسيطة بس رفضت تنزل تقعد معاها أو تخدمها، وقالت لأخوها في التليفون بجفاء: “أنا جوزي وولادي أولى بيا، تصرف أنت يا فلان وأجر لها شغالة من نفقتك، أنا مش هسيب بيتي وحياتي وأجي أقعد بين المرض والهم!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *