بعد ولادتي حكايات روماني مكرم

أمي رفعت إيدها للسماء وبكت بدموع الفرحة وهي بتقول: “سبحانك يا رب! يمهل ولا يهمل.. من بعد ما كانوا عايزين يرموكي في الشارع بعيلك ويحرموكي من اللقمة، ربنا جعل حق ولدك يجيلك لحد عندك برغبة اللي ظلموكي!”

أبوي مسح على لحيته وقال بنبرة مليانة هيبة ووقار: “ده مش مال يا بتي.. ده العوض! ربنا أجرى على لسان الراجل قبل ما يموت إنه يعترف بالحق، ويأمن ولدك عشان ما يحتاجش لحد، وعشان يعلم إن القرش اللي كان فاكر إنه هيذل بيه أهلنا، بقى تحت إيدك أنتِ تديري بيه مستقبل ولدك.”

في نفس الأسبوع، اتصلت أخته من السعودية لما عرفت ببيع الأرض والتخصيص، حاولت تصرخ وتتكلم عن الميراث والشرع وتطالب بنصيب، بس المحامي رد عليها بكلمة واحدة قاطعة: “أخوكي كتب كل حاجة لابنه في حياته، وحرم الكل ببيع رسمي، والقانون والشريعة بيحموا حق القاصر وأمه الأمينة عليه.. مالكيش مليم واحد هنا.”

قفلت السكة وهي بتجر أذيال الخيبة والندم، بعد ما خسرت أخوها، وأمها، وأهلها، وما طالتش من الدنيا غير الغربة والقطيعة.

مرت السنين وتوالت، وبفضل الله ثم بالعوض اللي أخدناه، صنت الأمانة. حطيت الفلوس في مشروعي، كبرت مشغل الخياطة وبقى مصنع صغير في الصعيد بيشغل العشرات من البنات والأرامل والغلابة، وبقيت أعمل الخير وأطعم المساكين ثواباً لوجه الله، وعشان يبارك لي في حمزة.

حمزة كبر وبقى شاب زي الورد، طول بعرض، ملامحه مليانة شهامة ونخوة الصعايدة، دخل كلية الطب ورفع رأسي ورأس أبوي في البلد كلها. في يوم تخرجه، وقف على المنصة قدام الأساتذة والطلاب، ولما نادوا على اسمه عشان يستلم شهادته، أخد المايك، وبص لي وأنا قاعدة في أول صف بلبسي الأسود الشريف وشالي الصعيدي، وقال بصوت هز القاعة:

“الإهداء ده مش ليا.. الإهداء ده لأمي! الست اللي شالتني على في نص الليل.. الست اللي صانت كرامتي وكرامة أهلها، وعلمتني إن الراجل الحقيقي مش اللي بيفرض قوته على الستات، لكن الراجل هو اللي بيحمي بيته ويصون كرامة مراته وأهله!”

القاعة كلها وقفت تصفق، وأبوي كان قاعد جنبي يمسح دموع الفخر بكتان شاله، وأنا حسيت في اللحظة دي إن كل نقطة دم نزلت من جرح القيصرية زمان، وكل دمعة بكيتها في قطار الصعيد، ربنا عوضني عنها بجبل من العزة والكرامة والرفع.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *