بعد ولادتي حكايات روماني مكرم

أبوي كان جاي من بعيد عشان ياخدنا، وقف وشاف المنظر، سمع أواخر الكلام. قرب من أبو حمزة، وحط إيده على كتفه بوقار وحنان الأب الصعيدي، وقال له:

“استعيذ بالله يا بني.. ربنا غفور رحيم، وأنت ذقت عقابك ودقت المرار، والمسامحة من شيم الكرام.. روح في طريقك وربنا يصلح حالك، وابنك في حفظ الله ورعايته، هيربى على الأصول والدين، وعمره ما هيسمع منا كلمة واحدة تعيبه في أبوه.”

أبو حمزة انحنى وباس إيد أبوي بحرارة، وبص لي بآخر نظرة رجاء ووداع، ونزل باث رأس حمزة وقال له: “خلي بالك من أمك يا حمزة.. أمك جوهرة أنت ما تعرفش قيمتها، حطها في عينيك واستقوى بيها.”

لف ضهره ومشي بخطوات بطيئة، ضهره محني وشعره الأبيض يبان من تحت الكاب اللي لابسه، واختفى في زحمة الشارع الرئيسي.

رجعت البيت وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على قلبي انزاح بالكامل، بس الأيام ما كانتش لسه قفلت الستار، لأن بعد مرور سنة كاملة على سفر أبو حمزة وانقطاع أخباره، وصل لبيتنا في الصعيد جواب مكتوب بالإيد، جاي من مستشفى حكيمي في طنطا!

استلمت أمي الجواب من إيد ساعي البريد، الجواب كان أصفر ومكرمش، مكتوب عليه بخط مرعوش وركيك اسم أبوي والعنوان بالتفصيل، وفي أقصى الظرف من فوق ختم مستشفى طنطا العام. أمي إيدها كانت بترعش وهي بتمسك الظرف، ونادت عليّ بصوت خايف: “يا شيماء.. تعالي يا بتي شوف الجواب ده، ده جاي من طنطا من الناحية اللي راحها أبو حمزة!”

طلعت من الأوضة وأنا مسكة المقصة والمتر بتاع الخياطة، قلبي اتفض في صدري أول ما شفت اسم المستشفى. أبوي كان قاعد في حوش البيت بيصلح في الفأس، حط الفأس على جنب، وعدل نظارته، وأخد الجواب من إيدي ببطء شديد. فتح الظرف بحذر، وطلع الورقة المكتوبة بخط طبيب أو ممرض، وبدأ يقرأ بصوت واطي وأمي وأنا واقفين على أعصابنا.

الجواب كان نصه كالتالي:

“إلى السيد المحترم والد السيدة شيماء.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نُحيطكم علماً بأن المريض (فلان) يرقد لدينا في قسم الباطنة بالمستشفى العام بطنطا في حالة صحية حجة جداً، إثر إزاداد وتدهور حالته بمرض التليف الكبدي والفشل الكلوي. المريض يرفض العلاج، ولا يوجد بجانبه أي مرافق أو أحد من أقاربه، وهو في ساعات حارجة من عمره، ولا يتوقف عن المناداة باسم ابنه ‘حمزة’ وطلب العفو من زوجته السابقة ‘شيماء’. نرجو حضوركم أو إبلاغ من يهمه الأمر للضرورة القصوى قبل فوات الأوان.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *