بعد ولادتي حكايات روماني مكرم

حمزة كبر وبقى يروح الروضة، ولد زي الفل، عينيه مليانة ذكاء وشقاوة، وكل ما يكبر كل ما يبهت أثره القديم في قلبي ويتحول لحب مطلق للطفل اللي بقى كل دنيتي. رجعت كملت دراستي المفتوحة اللي كنت وقفتها أيام الجواز، وبدأت أشتغل في حضانة خاصة في البلد، ومنها لتفصيل وتطريز الهدوم اللي تعلمته من أمي. بقيت أعمل قرشي بأيدي، ومرفوعة الراس، لا مستنية نفقة تتأخر ولا منّة من حد. أبوي كان يبص لي وأنا قاعدة على ماكينة الخياطة في الليل والولد نايم جنبي، ويقول لي وهو بيعدل شاله: “الله يرضى عليكِ يا بتي، رفعتي رأسنا وصنتي نفسك، والقرش اللي ييجي بعرقك هو اللي فيه البركة.”

في الناحية التانية، كان الليل ما بيمشيش على القاهرة. جوزي السابق -اللي بقى بالنسبة لي مجرد ذكرى بعيدة- كان عايش في القاع اللي صنعته أمه بأيدها. الشقة الكبيرة اللي كانت سبب الفتنة بقت زنزانة متأخرة. أمه كبرت في المرض، الجلطة تمكنت من نص جسمها التاني، وبقت طريحة السرير، لا بتقدر تتكلم كلام مفهوم ولا تتحرك. كانت تقضي اليوم كله بتبص للسقف ودموعها نازلة، وكل ما تدور عينها في الأوضة وتشوف التراب والمكان المكركب، تفتكر النهار اللي وقفت فيه في وسط الأوضة وقالت لي: “أنزل نضفي شقة أختك ومينفعش تنزل تلاقيها كده وأنتِ موجودة زي القضاء والقدر!”

أخته اللي في السعودية، الموقف بينها وبين أخوها وصل لطريق مسدود. لما طالبت بحقها في الشقة أو إنها تجيب أثاثها، أخوها اتخانق معاها في التليفون وصوتهم جاب آخر الشارع، قال لها بصوت مليان مرار: “أنتِ جاية تدوري على شقة وأثاث؟ أمك ميتة بالبطيء في السرير وأنا ضيعت بيتي ومراتي وابني بسبب إجازتك وبسبب النظافة اللي كنتِ عايزاها! العيب مش عليكِ، العيب على اللي سمع كلامكم ودمر حياته!” ومن يومها، قطعت أخته الاتصال تماماً، وبقت المادة والفلوس هي اللي حاطة السور بين الأخ وأخته اللي ضحى بعائلته عشانها.

في يوم جمعة شديد الشتاء، المطر كان بينزل في الصعيد كأنه بيغسل الأرض. كنت قاعدة في بيت أبوي بنعمل شاي دافئ على الكانون، وبنضحك مع حمزة وهو بيلعب. الباب اتخبط، ولما فتحنا لقينا المحامي بتاعنا واقف، ولابس معطفه ومبلول من المطر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *